كيف تخفف الشركات من خطر نهاية العالم بِفِعل الذكاء الاصطناعي

الأربعاء, أغسطس 19, 2026 17:33
/
/
كيف تخفف الشركات من خطر نهاية العالم بِفِعل الذكاء الاصطناعي

كيف تخفف الشركات من خطر نهاية العالم بِفِعل الذكاء الاصطناعي

أيقون موقع وصلة Wasla
IBI SMART 1140x140 1
ai
صورة توضيحية

 

من الواضح أن الاستغناء عن العمّال بفِعل الذكاء الاصطناعي قادم لا محالة، وإن كنا لا نعرف بأي سرعة ق يحدث هذا، وإلى أي مدى قد يصل، وأي القطاعات ستكون أشد تأثرا به من غيرها. يتوقف قسم كبير من الأمر على السرعة التي تطبق بها الشركات الفردية هذه التكنولوجيا في عملياتها. تشير دراسة استقصائية أجراها مكتب الإحصاء الأميركي مؤخرا حول اتجاهات الأعمال وتوقعات المستقبل إلى أن 20% فقط من الشركات التي يقل عدد موظفيها عن عشرين موظفا تستخدم الذكاء الاصطناعي حاليا، مقارنة بنحو 37% من الشركات التي يبلغ عدد موظفيها 250 موظفا على الأقل. برغم أن الشركات الأكبر حجما تستفيد بدرجة أكبر من هذه التكنولوجيا، فإن نسبة 37% تظل ضئيلة للغاية بالنظر إلى العتبة المنخفضة التي حددها الاستطلاع للإجابة بالإيجاب (بشأن ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يُستخدم “لأداء أي وظيفة تجارية”).

في الوقت الحالي، تعوق عملية التبني صعوبة دمج قدرات الذكاء الاصطناعي المذهلة بالفعل في سير العمل الحالي بطريقة تسمح للشركات بجني الفوائد كاملة. يتطلب هذا إنشاء نماذج لا تُـدَرَّبَ على البيانات الحالية فحسب، بل تكون قادرة أيضا على التكيف مع البيانات الجديدة المتولدة عن الاستخدام اليومي. يتمثل عامل آخر يعيق اعتماد تبني هذه التكنولوجيا في انعدام اليقين بشأن التكلفة. لا تزال شركات كبرى عديدة تجري مشاريع تجريبية وتؤجل قرارات التوظيف أو الفصل في انتظار مزيد من الوضوح. بيد أن الضغوط التنافسية ستجبرها في نهاية المطاف على تَـبَنّي هذه التكنولوجيا بشكل أكثر اكتمالا.

الحق أن التوقعات بشأن الوظائف في المستقبل ليست متشائمة تماما. إذا واصلت الشركات إنتاج السلع والخدمات التي تنتجها حاليا، فسوف يخلف تَـبَنّي الذكاء الاصطناعي التأثير الذي تحدثه أي تكنولوجيا جديدة. أجل، سوف تصبح بعض الوظائف زائدة عن الحاجة (وهذا يعني ضمنا إزاحتها)؛ لكن بعض الوظائف ستصبح أكثر إنتاجية وإثارة حيث يزيل الذكاء الاصطناعي الأعمال الشاقة ويساعد في المهام التي ينفذها البشر بدرجة أقل من الجودة، وسوف تُـخلَق وظائف جديدة (مثل مهندسي الذكاء الاصطناعي الذين يشرفون على تنفيذ هذه التكنولوجيا).

علاوة على ذلك، إذا حدث تَـبَنّي الذكاء الاصطناعي بسبب الزيادات في الإنتاجية التي يجلبها (وليس لكون تكلفته الضريبية أقل مقارنة بالجهد البشري)، فإن قدرة الشركات على إنتاج المزيد بتكلفة أقل ستسمح لها بخفض الأسعار وزيادة المبيعات. هذا هو “تأثير جيفونز” (Jevons effect) الشهير، والذي ينبغي له أيضا أن يزيد من فرص العمل.

سبب آخر يدعو للتفاؤل، وهو أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في إنشاء أعمال تجارية جديدة. قد تتردد “جيل” في أن تصبح رائدة أعمال تبيع قطع “أثاث الأخشاب الطافية” لأنها تحتاج أيضا إلى مبرمج ويب ومحاسب لبدء مشروعها. ومع أداء الذكاء الاصطناعي لهذين الدورين، ربما يمكنها إنشاء شركة فردية بتكلفة أقل كثيرا. ارتفع عدد الشركات البادئة بالفعل بشكل كبير أثناء الجائحة، وازداد ارتفاعا خلال الأرباع الأخيرة.

كما يشير الاقتصادي ديفيد أوتور، من الممكن أيضا أن يزود الذكاء الاصطناعي العمال من ذوي المهارات المتوسطة بمهارات أعلى مستوى، كما في حالة الممرضة الممارسة التي يمكنها تشخيص وعلاج عدد أكبر كثيرا من الأمراض بمساعدة الذكاء الاصطناعي الطبي. ونظرا للطلب الهائل على الخدمات الطبية في مختلف أنحاء العالم، وكذا الخدمات في عموم الأمر، فإن المجال متسع لخلق مزيد من فرص العمل.

ولكن حتى لو كانت كارثة إزاحة الوظائف أقل حدة مما يخشاه كثيرون، فإن التخفيف من التأثيرات المترتبة عليها إلى أدنى حد يظل ضروريا لصيانة التضامن الاجتماعي، ومن الأهمية بمكان إشراك الشركات في هذه الجهود. فهي في النهاية التي ستمتلك التصور الأفضل للفرص الجديدة التي يمكن إعادة تدريب موظفيها لاغتنامها. وعلى هذا فإن المهمة الأولى التي يتعين على أي حكومة الاضطلاع بها هي تحديد ومعالجة كل الطرق التي يتسبب بها النظام الضريبي في جعل الشركات تنحاز ضد العمالة البشرية. على سبيل المثال، تسدد شركة أميركية اشتراكات الضمان الاجتماعي عن كل عامل، ولكنها لا تسددها عن الذكاء الاصطناعي.

في عالم حيث تعاني الحكومات بالفعل من ضائقة مالية، تتمثل إحدى طرق تحقيق تكافؤ الفرض في فرض ضريبة على رموز الذكاء الاصطناعي الرقمية التي تستخدمها الشركة. وسوف يكون من الضروري حساب معدل الضريبة بدقة لتجنب إعاقة نشر الذكاء الاصطناعي، ولكن من الممكن تحديد المعدل بمستوى منخفض في البداية ثم رفعه تدريجيا مع اكتساب الخبرة. في حين يمكن تتبع المدفوعات لمقدمي خدمات الذكاء الاصطناعي المحليين بسهولة، فمن الضروري أيضا إدراج مقدمي الخدمات الأجانب في الشبكة؛ لكن هذه ليست مشكلة مستعصية على الحل.

مع إدراك حقيقة مفادها أن الجولة الأولى من إزاحة الوظائف بفعل الذكاء الاصطناعي لن تكون الأخيرة، تزداد أهمية وقيمة حث الشركات على إعادة تدريب العمال بشكل دوري، والاحتفاظ بهم كلما أمكن ذلك. وربما تدرس الحكومات منح إعفاء ضريبي مقابل التدريب الإضافي المقدم للعمال، بحيث يُسمح باستخدام ثلث القيمة عن كل عام يحتفظ فيه العامل بوظيفته (وليس بالضرورة مع الشركة التي قدمت التدريب الأخير). إذا أرادت الحكومة تطبيق مثل هذه السياسة على الشركات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي، فقد يكون بوسعها حتى أن تشترط استخدام هذا الإعفاء فقط للتعويض عن الضريبة على الرموز الرقمية.

لكن الأمر الأكثر أهمية من الحوافز الضريبية هو اعتراف الشركات بأنها ملتزمة تماما بمساعدة موظفيها على التعامل مع مستقبل غير مؤكد. فمع تفاقم حالة انعدام اليقين بشأن تشغيل العمالة، قد يساور حتى الأفضل والأذكى القلق إزاء قبول عروض من صاحب عمل ربما يفصلهم متى وجد أن الذكاء الاصطناعي يمكنه أداء المهام بذات القدر من الكفاءة أو أفضل. وقد يتمتع أصحاب العمل الذين يَـعِـدون بدعم موظفيهم في نهاية المطاف بميزة إضافية: فمع نمو سمعتهم، سيتوفر لديهم مُـجَمَّع أوسع من المرشحين من أصحاب الكفاءة العالية للاختيار من بينهم.

الواقع أن هذا الاتجاه مشجع. في دراسة جارية، وجدنا أنا، ولويجي زينجاليس، وبيترو راميلا أن نسبة الرؤساء التنفيذيين في شركات فورتشن 150 الأميركية الذين أعلنوا في رسائلهم إلى المساهمين أنهم يهتمون بتنمية الموظفين ارتفعت على نحو مضطرد، من نحو 20% في عام 2008 إلى 44% في عام 2023. لا يجوز لنا أن نستبعد احتمال أن يكون كل هذا مجرد وعود فارغة. نأمل ألا يكون الأمر كذلك. فكلما ازداد انخراط الشركات في ما قد يكون التحدي الأكثر أهمية الذي يواجه الشركات في عصرنا ــ توفير وظائف جيدة للبشر ــ كلما ازدادت فرصنا جميعا في التطلع إلى مستقبل الوفرة.

راغورام راجان محافظ بنك الاحتياطي الهندي الأسبق وكبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي سابقا، هو أستاذ التمويل في كلية بوث لإدارة الأعمال في جامعة شيكاغو، ورئيس مجموعة الثلاثين (Group of Thirty)، ورئيس مؤسسة Per Jacobsson، والمؤلف الـمُـشارِك (مع روهيت لامبا) لكتاب “كسر القالب: مسار الهند غير المطروق إلى الرخاء” (دار نشر جامعة برينستون، مايو/أيار 2024).

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.
www.project-syndicate.org

ماذا سيجيب الـ AI عندما يُسأل عنك؟ scaled

مقالات مختارة

Skip to content