“أسوأ وقت للإصابة بالسرطان”.. الاقتصاد الفلسطيني على حافة الهاوية

الأربعاء, أغسطس 19, 2026 18:23
/
/
“أسوأ وقت للإصابة بالسرطان”.. الاقتصاد الفلسطيني على حافة الهاوية

“أسوأ وقت للإصابة بالسرطان”.. الاقتصاد الفلسطيني على حافة الهاوية

أيقون موقع وصلة Wasla
IBI SMART 1140x140 1
رام الله
مدينة رام الله، صورة توضيحية، المصدر: ويكيميديا
خلف لغة الأرقام الصماء ومليارات الدولارات المعطلة، تكمن قصص معاناة يومية تعصف بحياة الملايين في الضفة الغربية. ففي تقرير مطول لصحيفةنيويورك تايمز، تتكشف التداعيات الإنسانية القاسية للسياسات الإسرائيلية المفروضة منذ السابع من أكتوبر 2023؛ سياسات لم تقف عند حدود خنق الاقتصاد والمؤسسات، بل امتدت لتغلق أبواب الصيدليات بوجه المرضى، وتفرغ موائد العائلات من أبسط مقومات العيش، محولة الحياة اليومية إلى معركة بقاء.

مرضى بلا دواء.. وابتسامات تتحدى العجز

تتجسد قمة المأساة الإنسانية في القطاع الصحي الذي تلقى ضربة موجعة جراء جفاف خزينة السلطة الفلسطينية. تروي “نيويورك تايمز” قصة إبتسام حماد (54 عاماً)، التي أُصيبت بسرطان الثدي قبل ثلاثة أشهر. رغم قسوة المرض والتعب الشديد، وقفت إبتسام في أحد صيدليات رام الله لتكتشف أن ثلاثة فقط من أصل ستة أدوية مقررة لها متوفرة في المخزون. تقول بابتسامة متعبة ومفعمة بالمرارة: أنا محظوظة.. في المرة السابقة كان لديهم دواء واحد فقط. هذه المعاناة ليست استثناءً، بل هي المرآة اليومية لمستشفيات تقلص ساعات عملها ومراكز صحية تعاني نقصًا حادُا في الكوادر والأدوية، في وقت تجد فيه العائلات نفسها عاجزة عن شراء أبسط الاحتياجات الطبية.

موظفون بلا رواتب وعائلات تحصي لقمة العيش

على خطٍ موازٍ، خلّفت أزمة احتجاز أموال المقاصة وحرمان آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل تداعيات معيشية قاسية على العائلات الفلسطينية. حيث ارتفعت معدلات البطالة في الضفة الغربية لتصل إلى 28%, وهو ما يمثل أكثر من ضعف النسبة التي سُجلت قبل اندلاع الحرب، وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

وينقل التقرير شهادة شرطي المرور في نابلس، عرفات حلبي (36 عامًا)، الذي تعرض راتبه الشهري – البالغ نحو 1,500 دولار – لتقليص حاد بلغ النصف، ما جعله عاجزًا عن دفع فواتير الكهرباء وسداد الديون المتراكمة. ويقول حلبي إنه صار يكتفي بتناول اللحم يوم الجمعة فقط ترشيدًا للنفقات، ويضطر لعد استخدام سيارته والاعتماد على وسائل النقل العام، وسط عجز تام عن شراء ملابس جديدة لأطفاله.

ولا يختلف المشهد كثيرًا لدى منتصر عمرو (32 عامًا)، صاحب سوبرماركت  في الخليل، والذي أثقلت ظروف الزبائن كاهله بعد أن تراكمت ديونهم لديه لتصل إلى نحو 155 ألف دولار. وفي المقابل، يقف عمرو مكتوف الأيدي أمام مورديه الذين يشترطون الدفع النقدي المسبق، متسائلًا بمرارة: كيف يُفترض بي أن أدير عملي هكذا؟ هذا وضعٌ غير مستدام بالمرة.

الخليل
الخليل، صورة توضيحية، المصدر: ويكيميديا

 

حصار ميداني واختناق الخليل

وعلى الصعيد الميداني، فرض الجيش الإسرائيلي حواجز جديدة ضاعفت من خنق الحركة داخل مدن الضفة؛ ففي الخليل، التي تعد المدينة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الضفة الغربية، أقدم الجيش على إغلاق خمس من أصل سبع مداخل ومخارج رئيسية، بحسب تأكيدات رئيس البلدية يوسف جَعْبَري وعدد من السكان. وفي المقابل، ادّعى الجيش الإسرائيلي أن مدخلين من مداخل المدينة يظلّان مفتوحين بشكل دائم، بينما يُفتح مدخل ثالثبشكل متقطعاستنادًا إلىتقديرات أمنية وميدانية”.

“سيف التهديد المصرفي”: عزلة مالية تلوح في الأفق

بالإضافة إلى الحصار الميداني، يواجه الاقتصاد الفلسطيني خطرًا وجوديًا يهدد بقطعه عن العالم؛ حيث تفرض إسرائيل قيودًا مشددة على تحويلات الشيكل بين البنوك الفلسطينية ونظيرتها الإسرائيلية. ووفقًا لـ”نيويورك تايمز”، هناك حوالي 5.7 مليار دولار من السيولة النقدية التي تعجز البنوك عن إعادة تدويرها أو إيداعها لدى بنك إسرائيل المركزي، ما يجعلها أموالًا خاملة ومكلفة تتآكل قيمتها وتستنزف مصاريف تأمينها وتخزينها في خزائن البنوك الفلسطينية. 

الأخطر من ذلك هو التهديد الوشيك بقطع العلاقات المصرفية؛ حيث أشار التقرير إلى أن بنكي “ديسكونت” و”هبوعليم” – وهما القناتان الوحيدتان لتعامل البنوك الفلسطينية مع العالم – يلوحان بإنهاء هذه العلاقات خشية التعرض لتداعيات قانونية تتعلق بـ”تمويل الإرهاب أو غسيل الأموال”، وسط شعور البنوك بعدم توفر حماية كافية من الحكومة الإسرائيلية ضد هذه المخاطر. هذا “السيف المسلط” على رقاب النظام المالي الفلسطيني جعل يحيى شنار، محافظ سلطة النقد الفلسطينية، يحذر في اجتماعات مغلقة مع دبلوماسيين من أن الاقتصاد يقترب من “أزمة شاملة”، مؤكدًا أن “النافذة المتاحة للتحرك بدأت تنغلق بسرعة”.

سلطة النقد الفلسطينية
مقر سلطة النقد في رام الله- وهي المسؤولة عن القطاع المصرفي الفلسطيني. المصدر: ويكيميديا

 

الموقف الرسمي الإسرائيلي

في المقابل، يرفض الجانب الإسرائيلي هذه الاتهامات؛ إذ ردّ دورون شفيلمان، المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، باتهام السلطة الفلسطينية بأنها تحاول “صرف الأنظار عن تورطها في دعم الإرهاب وعجزها عن تنفيذ الإصلاحات، من خلال اتهام إسرائيل وإلقاء اللوم عليها”. وفي السياق ذاته، أشارت الصحيفة إلى أن مكتب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش – الذي يُعد القوة الموجهة خلف حملة الضغط الاقتصادي هذه – امتنع عن الرد على طلبات التعليق المتكررة.

وبينما تتسارع خطى الانهيار الاقتصادي تحت وطأة الحصار، تغادر إبتسام حماد المستشفى برفقة ابنتيها لتخوض معركتها اليومية مع المرض في ظروف استثنائية، ملخصة مرارة الواقع بقولها: “هذا هو أسوأ وقت ممكن لأي شخص أن يصاب بالسرطان”.

IBI SMART 1140x140 1

مقالات مختارة

Skip to content