
تُعقد اليوم، الثلاثاء، في محكمة فيدرالية بمدينة أوكلاند في كاليفورنيا محاكمة شركة ميتا، بعد دعوى رفعها المدعون العامون في 29 ولاية أميركية، يتهمون فيها الشركة بتصميم فيسبوك وإنستغرام عمدًا بطريقة تجعل الأطفال والمراهقين يدمنون استخدامها لفترات طويلة. ويطالب المدعون العامون بفرض غرامات مالية كبيرة على الشركة، إلى جانب إصدار أوامر قضائية تلزمها بتغيير طريقة عمل منصاتها، وفقًا لوكالة بلومبرغ.
وتأتي المحاكمة في وقت تتزايد فيه الضغوط على شركات التواصل الاجتماعي بسبب تأثير منصاتها على الأطفال والمراهقين. وتشير دراسات متزايدة إلى مخاطر صحية مرتبطة بالاستخدام المفرط لهذه المنصات المدعومة بعمل الخوارزميات. وخلال السنة الأخيرة، أقرت أستراليا ودول أوروبيةحظر استخدام المراهقين لشبكات التواصل الاجتماعي، بينما لم تحقق محاولات فرض قيود مماثلة عبر التشريعات في الولايات المتحدة نجاحًا كبيرًا، ما نقل جزءًا أساسيًا من المواجهة إلى المحاكم.
وتتهم الولايات ميتا بانتهاك قوانين حماية المستهلك وقوانين الخصوصية الفيدرالية، التي تسمح بفرض غرامات تصل إلى 20 ألف دولار عن كل مخالفة. وبسبب وجود ملايين المستخدمين صغار السن على فيسبوك وإنستغرام، قد تتراكم الغرامات إلى مبالغ ضخمة. ووفق حسابات قدمتها ميتا نفسها، قد تصل الغرامات في حال خسارتها القضية إلى 1.4 تريليون دولار، وهو مبلغ قريب من القيمة السوقية للشركة.
لكن المدعين العامين لم يعلنوا المبلغ الذي سيطالبون به فعليًا. وقدرت ميغان أونيل، المحامية التي تمثل ولاية كاليفورنيا، الأسبوع الماضي أن الغرامات قد تكون أقرب إلى 193 مليار دولار، مشيرة إلى أن ميتا ذكرت مبلغ 1.4 تريليون دولار، وهو الحد الأقصى النظري، لإظهار القضية بصورة صادمة. وحتى مبلغ 193 مليار دولار سيكون من أكبر المبالغ التي تُفرض في قضية قضائية، ويقترب من تسوية شركات التبغ مع الولايات الأميركية عام 1998، التي بلغت 206 مليارات دولار.
وقال إريك غولدمان، أستاذ قانون الإنترنت في كلية الحقوق بجامعة سانتا كلارا، إن المخاطر التي تواجهها ميتا في هذه القضية كبيرة للغاية. ولا تتعلق القضية بالغرامات فقط، إذ تسعى الولايات أيضًا إلى إجبار الشركة على تغيير خصائص فيسبوك وإنستغرام التي تعتبرها مشجعة على الاستخدام القهري لدى الأطفال والمراهقين.
ويتهم المدعون العامون ميتا بأنها صممت فيسبوك وإنستغرام بطريقة تدفع الأطفال والمراهقين إلى قضاء وقت طويل على المنصتين واستخدامهما بشكل متكرر من خلال عرض محتوى جديد باستمرار واقتراح منشورات ومقاطع فيديو بناءً على اهتمامات المستخدم. كما يتهمون الشركة بتضليل المستخدمين بشأن إجراءات حماية صغار السن، وجمع بيانات مستخدمين دون سن 13 عامًا، في مخالفة لقانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت COPPA.
وتطالب الولايات بإلزام ميتا بفرض قيود على استخدام الأطفال والمراهقين لمنصاتها، وإزالة الخصائص الإدمانية من منصاتها، كاقتراح المحتوى. وقال المدعي العام لولاية كاليفورنيا، روب بونتا، إن الولايات تسعى إلى تحميل ميتا المسؤولية عن دورها في تفاقم أزمة الصحة النفسية بين الأطفال في الولايات المتحدة.
من جهتها، تنفي ميتا الاتهامات، وتقول إن ادعاءات المدعين العامين غير مثبتة وإن مطالبهم المالية مبالغ فيها بشكل كبير. كما تقول إن الولايات لم تقدم دليلًا على تعرض أشخاص فيها للتضليل، وتتهم المدعين العامين بالمطالبة بتغييرات غير منطقية في تصميم المنصات، وبمحاولة تحميلها مسؤولية قضايا تواجه قطاع التواصل الاجتماعي بأكمله، مثل التحقق من أعمار المستخدمين.
ولن تكون هيئة المحلفين صاحبة القرار النهائي في القضية، إذ سيكون دورها استشاريًا فقط. وستقرر القاضية الفيدرالية إيفون غونزاليس روجرز ما إذا كانت ميتا مسؤولة عن المخالفات المنسوبة إليها، وفي حال إدانتها، ستحدد الغرامات والإجراءات التي ستفرض عليها.
ومن المقرر أن تستمر المحاكمة قرابة خمسة أسابيع بعد المرافعات الافتتاحية اليوم. ومن المتوقع أن يدلي الرئيس التنفيذي لميتا مارك زوكربيرغ، والرئيس التنفيذي لإنستغرام آدم موسيري، بشهادتيهما، إلى جانب عشرات الشهود، بينهم موظفون حاليون وسابقون في ميتا وخبراء في التكنولوجيا وعلم النفس.
ولا تشمل المحاكمة الحالية غوغل وسناب وتيك توك، لكن هذه الشركات، إلى جانب ميتا، تواجه أكثر من 3 آلاف دعوى تعويض شخصية رفعها أفراد وعائلات في الولايات المتحدة، إضافة إلى قرابة 1,300 دعوى رفعتها مناطق تعليمية تابعة للمدارس العامة. وانتهى بعض هذه الملفات بتسويات، فيما يُنتظر النظر في قضايا مهمة أخرى خلال الأشهر المقبلة.
وتستند هذه الدعاوى إلى اتهام الشركات بأن تصميم منصاتها تم بطريقة تسبب أضرارًا للمستخدمين، بدل التركيز على المحتوى المنشور عليها، الذي تتمتع المنصات بحماية قانونية واسعة من المسؤولية عنه. واختُبرت هذه الحجة للمرة الأولى في مارس، عندما قررت هيئة محلفين في لوس أنجلوس منح تعويضات بقيمة 6 ملايين دولار لشابة تبلغ 20 عامًا، قالت إن استخدامها المتواصل لأكثر من عشر سنوات لمنصات بينها إنستغرام ويوتيوب تسبب لها بالقلق والاكتئاب واضطراب تشوه صورة الجسد.
وتأتي المحاكمة الجديدة بعد فترة قصيرة من خسارة ميتا قضية أخرى رفعها المدعي العام لولاية نيو مكسيكو، كلفتها قرابة مليار دولار. وشبّه قاضٍ في سانتا في الشركة بمصنع ملوِّث، وأمرها بإجراء تغييرات على منصاتها، بينها فرض قيود زمنية على الاستخدام وتعديل الإشعارات المرسلة إلى المستخدمين صغار السن. كما أُلزمت ميتا بدفع 375 مليون دولار غرامات مدنية و567 مليون دولار لمعالجة الأضرار التي لحقت بالشباب في الولاية.
وقالت ميندا سمايلي، كبيرة المحللين في شركة الأبحاث “إي ماركتر”، إن الحديث عن غرامة تتجاوز تريليون دولار يحمل بالأساس دلالة رمزية على خطورة الاتهامات التي تواجهها ميتا. وأضافت أن هذه القضايا قد تؤثر بصورة كبيرة ليس فقط على أعمال الشركة، وإنما أيضًا على الطريقة الأساسية التي تعمل بها منصاتها.










