
شهدت الأسواق العالمية خلال الأسبوع الماضي أداءً متباينًا، مع استمرار قوة الأسهم الأميركية، مدفوعة خصوصًا بشركات التكنولوجيا، في مقابل تزايد الضغوط في سوق السندات مع ارتفاع العوائد وتصاعد توقعات رفع أسعار الفائدة مجددًا، بحسب المراجعة الأسبوعية لبيت الاستثمار IBI.
وول ستريت ترتفع.. والسندات ترسل إشارة مختلفة
وفي وول ستريت، ارتفع مؤشر “ناسداك” بنسبة 2.1% خلال الأسبوع، بعدما لامس مستوى قياسيًا جديدًا عند 27,244 نقطة يوم الثلاثاء، فيما صعد مؤشر S&P 500 بنسبة 1.2%، ليصبح على بعد نحو 1% فقط من أعلى مستوى سجله في منتصف أغسطس.
لكن المكاسب لم تشمل جميع أجزاء السوق. فقد ارتفع مؤشر “داو جونز” بنسبة محدودة بلغت 0.3%، ليبقى أقل بنحو 4.7% من قمته المسجلة مطلع أغسطس. كما تراجع مؤشر “راسل 2000″، الذي يضم شركات أميركية صغيرة ومتوسطة، بنحو 0.8%، وأصبح أقل بنحو 7.5% من المستوى القياسي الذي سجله في منتصف أغسطس.
ويعكس هذا التباين اختلافًا واضحًا داخل السوق. فبينما تستفيد المؤشرات الأميركية الرئيسية من قوة قطاع التكنولوجيا، تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة والقطاعات التقليدية ضغوطًا أكبر من ارتفاع تكاليف التمويل والمخاوف بشأن الاقتصاد.
وتظهر هذه المخاوف بصورة أوضح في سوق السندات الأميركية، التي تتعرض لضغوط بسبب المخاوف من اتساع العجز في الموازنة الأميركية واستمرار التضخم واحتمال الحاجة إلى مزيد من رفع أسعار الفائدة.
وخلال الأسبوع، ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى 5.18%، وهو أعلى مستوى له منذ قرابة عقدين، بعدما كان دون 4% في يناير الماضي. وبصورة مبسطة، يعني ارتفاع العوائد زيادة تكلفة الاقتراض في الاقتصاد، وهو ما يؤثر في الشركات والأسر إلى جانب الأسواق المالية.
ويأتي ذلك في ظل تحول كبير في توقعات الفائدة الأميركية. ففي بداية العام، كانت الأسواق تتوقع أن يخفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الفائدة مرتين خلال 2026، لكن استمرار التضخم فوق هدفه البالغ 2%، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب في الخليج، دفع البنك المركزي إلى الاتجاه المعاكس. وفي منتصف سبتمبر، رفع الفيدرالي نطاق الفائدة بربع نقطة مئوية إلى 3.75%-4%.
وباتت الأسواق تتوقع إمكانية رفع الفائدة مرة أخرى، وربما أكثر من مرة إذا استمرت الضغوط التضخمية. وقال رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، جون ويليامز، إن توقع زيادة أخرى قبل نهاية العام أمر “معقول”، فيما أشارت رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، آنا بولسون، إلى احتمال الحاجة إلى مزيد من التشديد.
ويرى محللون أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش تبنى، منذ توليه منصبه في مايو، موقفًا أكثر تشددًا تجاه التضخم مقارنة بموقفه السابق الداعم لخفض الفائدة.
ويتوقع العديد من المتعاملين أن تأتي الزيادة المقبلة في نهاية أكتوبر، قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي الأميركية، فيما يرى بعض الاقتصاديين إمكانية رفع الفائدة مرة أخرى في نهاية العام أو مطلع 2027. ويمثل ذلك تحولًا كبيرًا عن بداية العام، كما يتعارض مع موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يرى أن الفائدة ينبغي أن تكون عند 1%.
ولا يقتصر تأثير ارتفاع الفائدة والعوائد على المستثمرين. فقد تجاوزت فوائد الرهن العقاري في الولايات المتحدة مستوى 7%، ما يجعل شراء المنازل أكثر تكلفة ويضغط على سوق الإسكان. كما تواجه الشركات تكلفة أعلى للحصول على التمويل، وهو ما يؤثر بصورة أكبر في الشركات الصغيرة والمتوسطة، ويساعد على تفسير أدائها الأضعف مقارنة بشركات التكنولوجيا الكبرى.
المفاوضات تضغط على أسعار النفط
وتبقى الحرب في الخليج وأسعار الطاقة من العوامل الرئيسية التي تراقبها الأسواق، بسبب تأثير النفط في التضخم والفائدة. لكن الأسبوع الماضي شهد مؤشرات على احتمال حدوث انفراج في المواجهة بين واشنطن وطهران.
وأبدت إيران استعدادها لاستئناف المفاوضات إذا وافقت الولايات المتحدة على مقترحها بشأن ممر آمن للملاحة عبر مضيق هرمز. كما تطالب طهران برفع الحصار البحري المفروض عليها، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة في الخارج، ووقف العمليات العسكرية ضدها.
واقترح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استئناف المحادثات النووية مع الولايات المتحدة خلال سبعة أيام إذا وافقت واشنطن على الشروط الإيرانية.
وفي الوقت نفسه، أكد المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف أنه أجرى “محادثات مطولة” مع الوفد الإيراني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكانت إيران أيضًا من بين القضايا التي نوقشت خلال لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في واشنطن.
وعززت هذه التحركات الآمال بإمكانية حدوث تهدئة، ما انعكس على أسعار النفط. وانخفض الخام الأميركي من نحو 96.1 دولارًا للبرميل في بداية الأسبوع إلى 92.4 دولارًا في نهايته، مسجلًا تراجعًا أسبوعيًا بنحو 3.9%.
ويكتسب مسار النفط أهمية خاصة للأسواق، لأن انخفاض أسعار الطاقة يمكن أن يساعد على تخفيف التضخم، بينما قد يؤدي ارتفاعها مجددًا إلى زيادة الضغوط التضخمية وتعزيز توقعات رفع الفائدة.
الذكاء الاصطناعي بين التطور السريع والمخاوف
وفي قطاع التكنولوجيا، استمر النقاش حول التطور السريع للذكاء الاصطناعي، وسط دعوات من بعض المسؤولين في الصناعة إلى إبطاء وتيرة تطوير النماذج الجديدة.
وتتركز المخاوف على أن تصبح نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة قادرة على المساعدة في تطوير نماذج أكثر تطورًا بسرعة متزايدة، في وقت قد لا تتطور فيه وسائل الرقابة والحماية بالسرعة نفسها.
وفي هذا السياق، دعت شركة OpenAI، المطورة لـChatGPT، الولايات المتحدة إلى قيادة تحرك دولي لوضع معايير مشتركة للتقنيات المتقدمة للذكاء الاصطناعي، تشمل قواعد للتطوير الآمن وتحديد الحوادث التي يجب الإبلاغ عنها وتعزيز التعاون بين الدول.
أوروبا ترتفع.. والرقائق تدعم أسواق آسيا
وخارج الولايات المتحدة، اتجهت معظم الأسواق الأوروبية إلى الارتفاع. وصعد مؤشر “يورو ستوكس 50” بنسبة 1.1% خلال الأسبوع، فيما ارتفع مؤشر “إيبكس 35″ الإسباني بنسبة 1% و”داكس” الألماني بنسبة 0.4%.
وفي آسيا، واصل السوقان الياباني والكوري الجنوبي أداءهما القوي، مستفيدين من الطفرة في قطاع أشباه الموصلات. وارتفع مؤشر “نيكاي” الياباني بنسبة 2.1% خلال الأسبوع، فيما صعد مؤشر “كوسبي” الكوري الجنوبي بنسبة 2.7%. ومنذ بداية العام، ارتفع المؤشر الياباني بنحو 32%، بينما قفز المؤشر الكوري بنحو 68%.
في المقابل، استمرت الضغوط على الأسواق الصينية والهندية. وتراجع مؤشر “هانغ سنغ” في هونغ كونغ بنسبة 1% خلال الأسبوع، ليصبح منخفضًا بنحو 4.4% منذ بداية العام، فيما خسر مؤشر “نيفتي 50” الهندي 0.9% خلال الأسبوع ونحو 11.5% منذ بداية العام.
وتتأثر السوق الصينية بصورة خاصة بأزمة العقارات، لكن الصين تعمل في الوقت نفسه على تعزيز موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي. وخلال الأسبوع، كشفت شركة “علي بابا” عن رقاقة جديدة تقول إنها قادرة على منافسة رقائق “إنفيديا” في توفير القدرة الحاسوبية اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإن سرعة الحوسبة فيها تبلغ ثلاثة أضعاف الجيل السابق.
تل أبيب تحت ضغط التطورات السياسية
أما في بورصة تل أبيب، فقد غلبت التراجعات على تعاملات الأسبوع الماضي. وأشارت المراجعة إلى أن جزءًا من ذلك ربما ارتبط بالانتقادات الشديدة التي وجهها عدد من قادة الدول إلى إسرائيل خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وانخفض مؤشر “تل أبيب 125” بنسبة 1.5%، وتراجع مؤشر “تل أبيب 35” بنسبة 1.1%، فيما سجل مؤشر “تل أبيب 90” خسارة أكبر بلغت 3%.
وجاء ذلك بالتزامن مع خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة، الذي شهد مغادرة عشرات الوفود والممثلين الدبلوماسيين القاعة احتجاجًا.
وبصورة عامة، تعكس حركة الأسواق خلال الأسبوع انقسامًا واضحًا. فأسهم التكنولوجيا لا تزال تمنح المؤشرات الأميركية قوة، بينما ترسل سوق السندات إشارات أكثر حذرًا في ظل التضخم والعجز في الموازنة وتوقعات رفع أسعار الفائدة.
وفي الوقت نفسه، تبقى الحرب في الخليج ومسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران وأسعار النفط عوامل رئيسية في تحديد اتجاه الأسواق، نظرًا إلى تأثير أسعار الطاقة في التضخم، ومن ثم في قرارات الفائدة وتكلفة التمويل.










