
نشر موقع “واينت” تقريرًا كشف فيه عن أزمة حادة وغير مسبوقة يشهدها سوق الماس الإسرائيلي، مما أدى إلى إغلاق عشرات المكاتب في بورصة الماس، ودفع بعدد كبير من التجار إلى هجر المهنة والبحث عن مصادر رزق بديلة في ظل تراجع عالمي حاد للطلب وتحديات صناعية وإهمال حكومي.
وفقًا لتصريحات تجار ومتعاملين في القطاع نقلها الموقع، يُقدَّر أن نحو 50% من التجار قد غادروا البورصة بالفعل. وتتجلى صدمة الهبوط من القمة إلى القاع في تحول دراماتيكي طال حياة هؤلاء التجار؛ حيث انتقل بعضهم من إدارة صفقات بالملايين في سنوات الرخاء، إلى العمل في مهن بسيطة؛ كصرافين جوالين للعملة بين أروقة البورصة، أو سائقي سيارات أجرة، بل وحتى تجار خضراوات.
وفي هذا السياق، صرّح أحد التجار القدامى (55 عامًا) لموقع “واينت”: “أجد نفسي مضطرًا لإعادة اكتشاف نفسي من جديد، وترك شيء أتقنه وأحبه – وهذا أمر يحزّ في النفس. أنا مضطر لإغلاق عملي الخاسر، وليس لدي أدنى فكرة عما سأفعله غدًا”.
وترجع أسباب الأزمة – وفقًا للشهادات الواردة في التقرير- إلى تقاطع عدة عوامل محلية ودولية؛ أبرزها الأزمة الاقتصادية في الصين التي أدّت إلى تراجع كبير في شراء الماس الطبيعي وفقدان ثقة المستهلكين بعد هبوط الأسعار، إلى جانب الدخول المكثف للشركات الهندية وإغراق السوق بمخزونات تتجاوز حجم الطلب الحقيقي. كما أسهمت المنافسة الشرسة من الماس المصنّع مخبريًا في إرباك المستهلكين وفقدان المنتج الطبيعي قيمته الاستثمارية والرمزية، نتيجة تسويقه باستعمال نفس المصطلحات وسُلّم التقييم المخصص للنقاء والوزن (الـ 4Cs) المصمم أساسًا للماس الطبيعي.
إضافة إلى ذلك، أشار التجار إلى غياب الدعم الحكومي الإسرائيلي مقارنة بدول أخرى كبلجيكا (التي حصلت على إعفاءات جمركية مع الولايات المتحدة)، حيث تُفرض حاليًا رسوم جمركية من الجانب الأمريكي على نحو 60% من صادرات الماس الإسرائيلي، ما أفقدهم القدرة على المنافسة.

وأكد أوفير نعيم-دورون (عضو بورصة الماس والمُحكّم في مؤسسة فض المنازعات بالقطاع) لموقع “واينت” أن ما حدث يُعتبر “سرقة هوية” للمنتج الطبيعي، موضحًا الفرق الجوهري بأن الماس الطبيعي هو حجر فريد تشكّل تحت الأرض قبل 1 إلى 3.5 مليار سنة، بينما يُنتَج الماس الاصطناعي في أفران صناعية خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع فقط وبكميات غير محدودة. وأشارت الأرقام الواردة في التقرير إلى حجم الصدمة السعرية؛ إذ إن حجر الماس الاصطناعي الذي كان يُباع للمستهلك بـ 5000 دولار قبل أربع سنوات، هبطت أسعاره بنسبة 80% إلى 95% وأصبح يُباع بين التجار بنحو 50 دولارًا فقط مع انعدام قيمته عند إعادة البيع.
ونتيجة لهذه الفوضى التسويقية، بدأت موجة تشريعية عالمية حازمة لإعادة الانضباط للسوق؛ إذ حظرت فرنسا مصطلحات تجميلية مثل “ماس المعمل” واشترطت التسمية الدقيقة بـ “الماس الاصطناعي”، بينما فرضت دول كالهند وروسيا إجراءات جنائية صارمة وحظرت قياس الأحجار المصنّعة بـ “القيراط”.
وتلخص شهادات تجار القطاع عبر موقع “واينت” الواقع الراهن بأن أزمة الماس ليست مجرد كبوات جمركية أو تقلبات طلب، بل هي مرحلة إعادة تشكيل جذرية للقطاع يشبهها عضو البورصة أوفير نعيم-دورون بالنموذج المصغر لما يحدث اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي؛ حيث يُنتج كل شيء بنقرة زر، ممّا يستوجب وضع خطوط فاصلة وواضحة بين الفرادة والندرة الطبيعية وبين الإنتاج التكنولوجي اللامحدود لاستعادة ثقة المستهلكين.










