تواجه السلطة الفلسطينية أخطر أزمة مالية منذ سنوات، بعد إعلان مسؤولين إسرائيليين ومحافظ سلطة النقد الفلسطينية أن بنك ديسكونت سيوقف علاقات المراسلات المصرفية مع البنوك الفلسطينية في 1 سبتمبر، وبأن بنك هبوعليم سيحذو حذوه في 1 أكتوبر. ويُعدّ البنكان حلقة الوصل بين الجهاز المصرفي الفلسطيني والنظام المالي الإسرائيلي، ما يجعل تنفيذ القرار تهديدًا مباشرًا لحركة التحويلات المالية، والمدفوعات التجارية، واستيراد السلع الأساسية التي يحتاجها المواطنون، بل وحتى وجود السلطة الفلسطينية ذاته. إليكم هذا الدليل المبسط الذي يتناول جميع جوانب المسألة.

ما هي المراسلات المصرفية؟
المراسلات المصرفية هي خدمات مصرفية يقدمها بنك لبنك آخر، وتشمل إدارة الحسابات، والتحويلات المالية، وتسوية المدفوعات والشيكات، وتحويل العملات الأجنبية، وخدمات التمويل التجاري. وتعتمد البنوك الفلسطينية على المراسلات المصرفية مع البنوك الإسرائيلية لتنفيذ التحويلات المالية والمدفوعات التجارية مع إسرائيل والخارج، من دون الحاجة إلى وجود فروع لها في دول أخرى.
ما الأساس القانوني لهذه العلاقة؟
تستند العلاقة المصرفية بين الجانبين إلى بروتوكول باريس الموقع في 29 أبريل 1994، والذي أُدرج لاحقًا في الاتفاق المرحلي الفلسطيني الإسرائيلي عام 1995. وأنشأ البروتوكول إطارًا اقتصاديًا مشتركًا أبقى الشيكل عملة قانونية متداولة في الأراضي الفلسطينية، مع إنشاء سلطة النقد الفلسطينية للإشراف على البنوك من دون إصدار عملة وطنية.
وبموجب البروتوكول، تعتمد البنوك الفلسطينية على النظام المصرفي الإسرائيلي لتحويل فائض الشيكل، وتسوية المدفوعات، وتمويل التجارة مع الجانب الإسرائيلي، كما يستند إليه نظام إيرادات المقاصة، الذي تجمع إسرائيل بموجبه ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية على البضائع المتجهة إلى الأراضي الفلسطينية، ثم تحولها إلى السلطة الفلسطينية بعد اقتطاع “عمولة إدارية” نسبتها 3%. لكن إسرائيل علّقت تحويل أموال المقاصة التي تعتمد عليها السلطة الفلسطينية في تمويل أغلب احتياجاتها المالية منذ مايو 2025، ما أدى إلى زيادة اعتماد السلطة على الاقتراض من البنوك الفلسطينية ودفع رواتب الموظفين بشكل غير كامل.
ما آثار القرار على الاقتصاد والمواطن الفلسطيني؟
يحذر الخبراء الماليون وسلطة النقد الفلسطينية من أن وقف المراسلات المصرفية لن يقتصر على التحويلات البنكية، بل قد يشل أجزاء واسعة من الاقتصاد الفلسطيني. فمن المتوقع أن تتعطل التحويلات المالية والمدفوعات التجارية، ما سيصعّب استيراد الوقود والطاقة والمياه والدواء والغذاء، ويهدد استمرار سلاسل التوريد. كما قد تتأثر قدرة السلطة الفلسطينية على دفع رواتب الموظفين وتمويل الخدمات العامة، في ظل اعتمادها الكبير على البنوك المحلية.
وحذر خبراء أيضًا من احتمال انتقال مزيد من المعاملات إلى التداول النقدي “بالكاش”، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وارتفاع مخاطر غسل الأموال، وحدوث أزمة سيولة داخل المصارف الفلسطينية، إلى جانب ارتفاع الأسعار، وتباطؤ النشاط الاقتصادي، وزيادة البطالة والفقر.

وتعكس الأرقام حجم الاعتماد على هذه القنوات المالية، إذ كانت المراسلات المصرفية مع البنوك الإسرائيلية مسؤولة عن معالجة معاملات مالية بقيمة 51 مليار شيكل خلال عام 2025. كما تتجه 90% من الصادرات الفلسطينية إلى إسرائيل، بينما تأتي جميع الواردات الفلسطينية من إسرائيل أو عبرها، بما يشمل الوقود والطاقة والمياه والدواء والغذاء.
وتظهر بيانات البنك الدولي أن اقتراض السلطة الفلسطينية المباشر من البنوك المحلية بلغ 3.3 مليار دولار بنهاية 2025، فيما وصل إجمالي انكشاف الجهاز المصرفي على القطاع العام، بما يشمل قروض السلطة والموظفين الحكوميين، إلى 5.3 مليار دولار، أي 42% من إجمالي الائتمان المصرفي، ما يعني أن أي اضطراب كبير في القطاع المصرفي قد ينعكس على قدرة السلطة نفسها على الاستمرار.
من هما البنكان الإسرائيليان وما حجم دورهما؟
تعتمد البنوك الفلسطينية حاليًا على بنكي هبوعليم وديسكونت لإدارة المراسلات المصرفية. ويقدمان للبنوك الفلسطينية خدمات إدارة الحسابات، والتحويلات البنكية، وتسوية المدفوعات، ومقاصة الشيكات، وهي خدمات أساسية لتنفيذ التحويلات المالية والمدفوعات التجارية بين الجانبين. ويعالجان معاملات مالية بقيمة 51 مليار شيكل سنويًا.

ما مبررات بنكي هبوعليم وديسكونت؟
يقول البنكان إن استمرار تقديم الخدمات للبنوك الفلسطينية يعرّضهما لملاحقات قانونية بموجب قوانين مكافحة تمويل الإرهاب، حيث تدّعي الجهات الحكومية الإسرائيلية بأن “جزء من التحويلات المالية البنكية تصل إلى عائلات منفذي الهجمات”. ولذلك يطالب البنكان الحكومة الإسرائيلية بتحمل المسؤولية عن هذه المخاطر عبر تشغيل بنك حكومي يتولى هذه الخدمات، مؤكدين أن الضمانات القانونية والمالية المؤقتة التي تمنحها الحكومة لهما لم تعد كافية.
كيف ردت السلطة الفلسطينية؟
أكد وزير المالية والتخطيط الفلسطيني اسطفان سلامة أن قطع العلاقة المصرفية مع الفلسطينيين يشكل “تجاوزًا لكل الخطوط الحمراء”، محذرًا من أنه سيهدد تزويد الفلسطينيين بالخدمات الأساسية، بما فيها المياه والكهرباء والمحروقات، وسيزيد من صعوبة الحياة اليومية، معتبرًا أن الخطوة تأتي ضمن سياسة تستهدف تدمير الاقتصاد الفلسطيني ومنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
من جهتها، حذرت سلطة النقد الفلسطينية من أن وقف المراسلات المصرفية سيؤثر في حركة التجارة وتوريد السلع الأساسية واستقرار الاقتصاد الفلسطيني. وقال محافظ سلطة النقد يحيى شنار إن استمرار الإجراءات الإسرائيلية يقوض الاقتصاد الفلسطيني ويهدد الأمن الغذائي والخدمات الأساسية، داعيًا المجتمع الدولي والمؤسسات المالية الدولية إلى التدخل للحفاظ على هذه العلاقات المصرفية.

وفي هذا السياق، شكلت الحكومة الفلسطينية لجنة لدراسة إجراءات التعامل مع الأزمة، بينها التوسع في الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على الشيكل، ووصفت هذه الخطوات بأنها قضية تتعلق بالأمن القومي وليست مجرد ملف اقتصادي.
ما التحذيرات الدولية؟
نقلت الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة رسائل إلى إسرائيل حذرت فيها من التداعيات المحتملة لانهيار السلطة الفلسطينية، وأثارت بصورة مباشرة قضية استمرار علاقات المراسلات المصرفية. كما سبق أن دعت وزارة الخزانة الأميركية إسرائيل إلى الحفاظ على هذه العلاقات لتجنب أزمة اقتصادية في الضفة الغربية قد تنعكس أيضًا على أمن إسرائيل.
هل كانت هناك حلول مطروحة؟
ليست هذه الأزمة جديدة، إذ أعلن البنكان الإسرائيليان عام 2016 رغبتهما في وقف خدمات المراسلات المصرفية. وبعد ذلك أوصت لجنة حكومية بإنشاء شركة حكومية إسرائيلية تتولى إدارة العلاقة المصرفية مع البنوك الفلسطينية. واعتمد المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر هذه التوصية عام 2018، ثم جرى تجديدها بقرار حكومي عام 2022، إلا أن المشروع لم يُنفذ حتى اليوم، ما أعاد الأزمة إلى الواجهة مع اقتراب الموعدين اللذين حددهما البنكان لوقف خدماتهما.
مقالات ذات صلة: طوابير ممتدة أمام محطات مغلقة: أسباب وتداعيات أزمة البنزين في الضفة










