بدءًا من يوم الجمعة 16 أكتوبر، سيبدأ تطبيق أنظمة سلامة جديدة في ورشات البناء في البلاد، توسّع المسؤولية القانونية عن حوادث العمل لتشمل أصحاب مشاريع البناء، مثل شركات العقارات التي تتعاقد مع مقاولين لتنفيذ مشاريعها، بعد أن كانت المسؤولية تقع بصورة أساسية على المقاولين ومديري العمل في الورشات.
وتأتي هذه التغييرات في ظلّ ارتفاع عدد حوادث العمل في قطاع البناء، فبحسب بيانات جمعية «عنوان العامل»، بلغ عدد المصابين في ورشات البناء 238 عاملًا منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية سبتمبر، وتوفى منهم 30 عاملًا، من أصل 55 شخصًا لقوا مصرعهم في حوادث عمل في مختلف القطاعات الاقتصادية خلال الفترة نفسها. وشملت الحصيلة أيضًا إصابتين حرجتين، و47 إصابة خطيرة، و157 إصابة متوسطة، وإصابتين طفيفتين.
وجرى العمل على إعداد أنظمة السلامة الجديدة على مدار عدة سنوات، وصودق عليها قبل عام تقريبًا، بهدف توسيع المسؤولية القانونية عن سلامة العمال، وإلزام أصحاب مشاريع البناء والمقاولين باتخاذ إجراءات إضافية لمنع حوادث العمل.

مسؤولية قانونية جديدة على أصحاب مشاريع البناء
حتى الآن، كانت المسؤولية الرئيسية عن السلامة في ورشات البناء تقع على المقاول المنفّذ ومدير العمل المسؤول عن الإشراف على أعمال البناء والالتزام بتعليمات السلامة. أما الأنظمة الجديدة، فتوسّع هذه المسؤولية لتشمل أيضًا أصحاب مشاريع البناء، مثل شركات العقارات التي تتعاقد مع مقاولين لبناء عمارات سكنية أو مشاريع تجارية، وكذلك الشركات والمؤسسات العامة والخاصة والجهات الحكومية التي تتعاقد مع مقاولين لتنفيذ أعمال بناء أو ترميم.
وبموجب الأنظمة الجديدة، يتعيّن على صاحب المشروع التأكّد من إعداد خطة سلامة مفصّلة قبل بدء العمل، وتخصيص الأموال والموارد اللازمة لتنفيذها، وتعيين مراقب سلامة من طرفه لمتابعة الالتزام بالتعليمات في الورشة، والكشف عن المخالفات وإبلاغه بها وبالإجراءات المتخذة لمعالجتها.
كما تُلزم الأنظمة المقاولين بتعيين مدير للموقع في مشاريع البناء الكبيرة، وهو منصب جديد تشمل مهامه إجراء فحوصات دورية للتأكّد من معالجة المخاطر في الورشة. ولا يحلّ مدير الموقع أو مراقب السلامة الجديد محلّ مدير العمل ومسؤولي السلامة الموجودين أصلًا في ورشات البناء.
ولا تقتصر الالتزامات الجديدة على إجراءات السلامة داخل الورشات، بل تشمل أيضًا تحديث العقود الموقّعة مع المقاولين، ووضع إجراءات داخلية لمتابعة تطبيق تعليمات السلامة، وتوثيق المخالفات والإجراءات المتخذة لمعالجتها، وإجراء رقابة مستمرة للتأكّد من الالتزام بالمتطلبات القانونية.
تكاليف إضافية قد تصل إلى 250 ألف شيكل سنويًا
من المتوقّع أن تفرض الأنظمة الجديدة نفقات إضافية على أصحاب مشاريع البناء والمقاولين. ووفقًا لتقديرات أولية، قد تصل تكلفة تطبيق القواعد الجديدة إلى 250 ألف شيكل سنويًا لصاحب المشروع، مع اختلاف التكلفة بحسب حجم المشروع وطبيعته. ومن المتوقّع أيضًا أن يطالب المقاولون بتعديل عقود التنفيذ لتشمل النفقات الإضافية، حتى لا يتحمّلوا تكاليف لم تكن محسوبة عند تقديم عروض الأسعار.
وقد تؤثّر الأنظمة الجديدة أيضًا في التعامل مع شركات التأمين، إذ يمكن أن تصبح إجراءات الالتزام بتعليمات السلامة، وتوثيق الفحوصات والمخالفات، ووجود أنظمة رقابة داخلية، جزءًا من المتطلبات التي تفحصها شركات التأمين. ولا يكفي أن يتعاقد صاحب المشروع مع مراقب سلامة أو أن يعيّن المقاول المسؤولين المطلوبين، بل يجب إثبات وجود متابعة فعلية ومستمرة لإجراءات السلامة، تشمل تلقّي التقارير والكشف عن المخاطر ومعالجة المخالفات.
وفي حال وقوع حادث عمل أو اكتشاف مخالفة، قد يُطلب من صاحب المشروع ومديري الشركة إثبات أنهم اتخذوا إجراءات معقولة لمنع المخاطر والمخالفات. وقد يتعرّضون للمساءلة القانونية إذا لم يتمكّنوا من إثبات ذلك. وقد تنشأ أيضًا خلافات بين أصحاب المشاريع والمقاولين بشأن المسؤولية عن معالجة المخاطر، خصوصًا إذا اكتشف مراقب السلامة الذي عيّنه صاحب المشروع مخالفة لا يتّفق المقاول مع تقييمه لها.
من أبرز التحدّيات التي تواجه تطبيق القواعد الجديدة المشاريع التي بدأ تنفيذها قبل دخولها الأنظمة الجديدة حيّز التنفيذ، إذ تُلزم الأنظمة أصحاب المشاريع بالتأكّد من أنّ العقود الموقّعة مع المقاولين تتضمّن تحديد الموارد المخصّصة للسلامة، بما يتوافق مع خطة السلامة الخاصة بكل ورشة.
وقد وُقّعت عقود كثيرة قبل إقرار الأنظمة الجديدة، دون أن تتضمّن تفاصيل بشأن الموارد المالية والبشرية اللازمة لتنفيذ إجراءات السلامة. ولذلك، سيحتاج أصحاب المشاريع والمقاولون إلى مراجعة العقود القائمة وتعديلها بما يتوافق مع المتطلبات الجديدة.

نقص متوقّع في مراقبي السلامة والكوادر المؤهّلة
تفرض الأنظمة الجديدة تعيين مراقبي سلامة من طرف أصحاب مشاريع البناء، إضافة إلى مديري مواقع من طرف المقاولين في المشاريع التي تتجاوز حجمًا معيّنًا. ويُشترط أن يكون مديرو المواقع ومراقبو السلامة من المهندسين أو الهندسيين المتخصّصين في البناء والمسجّلين رسميًا. ويمكن أيضًا تعيين شخص حاصل على شهادة مسؤول سلامة معتمد في قطاع البناء في وظيفة مراقب سلامة.
ومن المتوقّع أن تواجه الشركات صعوبة في العثور على مراقبي سلامة مؤهّلين، بسبب العدد المحدود من الشركات والمختصّين الذين يقدّمون هذه الخدمات، ما قد يؤدّي إلى نقص حاد في مراقبي السلامة مع بدء تطبيق الأنظمة الجديدة.
وتزداد هذه المشكلة في ظلّ تعليمات أصدرها مفتّش العمل الرئيسي، في مارس 2026، بتعيين مسؤول سلامة في كل ورشة بناء يعمل فيها أكثر من 50 عاملًا، ما يزيد الطلب على المختصّين في السلامة. وتنظر المحكمة العليا حاليًا في التماس قُدّم ضدّ هذه التعليمات، التي قد تؤدّي، إلى جانب الأنظمة الجديدة، إلى تفاقم النقص في المختصّين بالسلامة في قطاع البناء.
الالتزامات تشمل المصانع والمتاجر والمكاتب أيضًا
لا تقتصر الأنظمة الجديدة على شركات العقارات التي تبني مشاريع سكنية أو تجارية، بل قد تشمل أيضًا شركات ومؤسسات من قطاعات اقتصادية أخرى تستعين بمقاولين لتنفيذ أعمال بناء أو ترميم. فعلى سبيل المثال، قد تنطبق الأنظمة على سلسلة متاجر أزياء تجدّد أحد فروعها، أو شركة صناعية تبني مصنعًا، أو شركة تكنولوجيا تجري تعديلات كبيرة في مكاتبها، أو شركة تقيم مركزًا لوجستيًا.
ويتعيّن على هذه الشركات فحص طبيعة الأعمال التي تنفّذها لتحديد ما إذا كانت مشمولة بالأنظمة الجديدة. ولا تعني التعديلات أنّ جميع أعمال الصيانة البسيطة، مثل الطلاء أو استبدال الأرضيات، تستوجب تطبيق جميع المتطلبات الجديدة. لكنّ أعمال هدم الجدران، وفتح أبواب أو نوافذ جديدة أو توسيعها، وإجراء تغييرات في هيكل المبنى، وإنشاء طابق إضافي داخل مبنى قائم، وتنفيذ أعمال كبيرة على الأسطح أو تركيب معدات ثقيلة تستدعي تدعيم هيكل المبنى لتحمّل وزنها، قد تستوجب الالتزام بمتطلبات السلامة الجديدة.
ولمعرفة الجهة التي تتحمّل المسؤولية بوصفها صاحبة المشروع، يجب فحص تصريح البناء إن وُجد. ففي الأعمال التي تتطلّب تصريح بناء، تُعتبر الجهة المسجّلة بصفتها صاحبة التصريح هي المسؤولة عن الالتزامات المفروضة على صاحب المشروع. أما في الأعمال التي لا تتطلّب تصريحًا، فيُعتبر مالك العقار صاحب المشروع، وفقًا للتعريف الوارد في الأنظمة، مع مراعاة الأحكام التي تحدّد الأعمال المشمولة بها.
وتُلزم الأنظمة الجديدة أصحاب مشاريع البناء بالحصول على تقارير مراقبي السلامة ومتابعة معالجة المخالفات التي يكشفون عنها. وفي حال الإبلاغ عن خطر يهدّد سلامة العمال في الورشة لا يجوز تركه دون معالجة، يجب اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجته، وتقديم تأكيد خطي خلال 48 ساعة بشأن الإجراءات المتخذة. ومن الإجراءات المقترحة أيضًا الاحتفاظ بتقارير مراقبي السلامة وتوثيق معالجة المخالفات، وإعداد قائمة بمراقبي سلامة مؤهّلين يمكن الاستعانة بهم عند الحاجة.











