
أعادت النتائج شبه النهائية لانتخابات الكنيست الإسرائيلية حالة عدم اليقين السياسي إلى واجهة المشهد الاقتصادي، في ظل غياب أغلبية واضحة تتيح لأي من المعسكرين تشكيل حكومة بمفرده، وسط تساؤلات بشأن مستقبل الشيكل وبورصة تل أبيب وميزانية الدولة لعام 2027، وانعكاسات ذلك على غلاء المعيشة والمجتمع العربي.
وجاء رد فعل الأسواق الأولي سلبيًا، إذ تراجع الشيكل أمام الدولار واليورو، فيما سجّلت بورصة تل أبيب انخفاضات حادة في أول جلسة بعد الانتخابات، عقب مكاسب حققتها عشية التصويت. لكن التداعيات الاقتصادية الأطول أمدًا ستعتمد على مسار تشكيل الحكومة وقدرتها على إقرار الميزانية وتحديد أولويات الإنفاق.
ثلاثة سيناريوهات أمام الاقتصاد
تواجه الساحة السياسية ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد تؤثر في مسار الاقتصاد الإسرائيلي خلال الأشهر المقبلة، في ظل غياب أغلبية واضحة تتيح تشكيل حكومة بسهولة.
يتمثل السيناريو الأول في التوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة قادرة على إقرار ميزانية الدولة وتحديد أولويات السياسة الاقتصادية. وقد يساعد وضوح المشهد السياسي على تقليص حالة عدم اليقين لدى المستثمرين والشركات، وإن كانت استجابة الأسواق ستعتمد أيضًا على تركيبة الحكومة المقبلة وسياساتها الاقتصادية.
أما السيناريو الثاني، فهو استمرار مفاوضات تشكيل الحكومة لفترة طويلة دون التوصل إلى اتفاق، ما قد يؤخر اتخاذ قرارات اقتصادية مهمة، ويزيد صعوبة التخطيط المالي لدى الوزارات والسلطات المحلية والشركات، خصوصًا مع اقتراب بداية السنة المالية الجديدة.
ويتمثل السيناريو الثالث في فشل محاولات تشكيل الحكومة والاتجاه إلى انتخابات جديدة، وهو ما قد يطيل أمد الغموض السياسي ويؤخر إقرار الميزانية وتنفيذ بعض الخطط والمشاريع الحكومية.
ومع ذلك، لا تعني هذه السيناريوهات بالضرورة اتجاهًا محددًا للشيكل أو البورصة، إذ ستتأثر استجابة الأسواق أيضًا بالتطورات الأمنية والاقتصادية المحلية والعالمية.
الشيكل.. تقديرات بتحركات تصل إلى 3%
قبل الانتخابات، قدّر بنك الاستثمار الأميركي “جيه بي مورغان“ أن نتائج التصويت قد تدفع الشيكل إلى التحرك بنسبة تصل إلى نحو 3%، صعودًا أو هبوطًا، وفق السيناريو السياسي وتقييم المستثمرين للمخاطر والسياسات الحكومية.
وشهد الشيكل تقلبات ملحوظة، إذ ارتفعت قيمته خلال يوم التصويت، قبل أن يعكس اتجاهه بعد ظهور النتائج الأولية، ويرتفع الدولار واليورو أمامه.
لكن حركة العملة تتأثر أيضًا بالتطورات الأمنية وأسعار الطاقة وقرارات الفائدة وحركة الدولار عالميًا، ما يجعل من الصعب فصل تأثير الانتخابات عن العوامل الأخرى المؤثرة في السوق.
ميزانية 2027.. التحدي الأكبر
قد يشكل إقرار ميزانية 2027 أحد أبرز التحديات أمام الحكومة المقبلة، في ظل ارتفاع النفقات الأمنية والضغوط على ميزانية الدولة.
وفي حال تأخر تشكيل الحكومة أو إقرار الميزانية، قد تبدأ السنة المالية وفق آلية “الميزانية الاستمرارية”، التي تسمح باستمرار تمويل النفقات الحكومية ضمن قيود محددة، لكنها قد تعرقل إطلاق برامج جديدة أو توسيع مشاريع قائمة، خصوصًا تلك التي تتطلب مخصصات إضافية.
ويتوقع بنك إسرائيل بلوغ عجز الميزانية 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، وارتفاعه إلى 4.6% في 2027. وتستند هذه التوقعات إلى افتراضات بشأن تطورات الأوضاع الأمنية، ولا تشمل التداعيات الاقتصادية المحتملة لنتائج الانتخابات.
وستواجه الحكومة المقبلة تحدي الموازنة بين الإنفاق الأمني والخدمات المدنية، مع الحفاظ على الاستقرار المالي. وقد تصبح هذه المهمة أكثر تعقيدًا إذا طال أمد المفاوضات السياسية أو تأخر إقرار الميزانية، في ظل الحاجة إلى اتخاذ قرارات بشأن توزيع الموارد الحكومية.
هل تستمر خسائر البورصة؟
تراجعت بورصة تل أبيب بقوة في أول جلسة بعد الانتخابات، خصوصًا أسهم البنوك والتأمين والعقارات، لكن هذه الخسائر لا تعني بالضرورة استمرار الانخفاضات.

فبحسب دراسة لقسم الأبحاث في بورصة تل أبيب، شملت عشر انتخابات منذ عام 2003، حقق مؤشر “تل أبيب 125” متوسط ارتفاع بلغ 16.4% خلال السنة التالية للانتخابات، مقارنة بمتوسط ارتفاع سنوي بلغ 11.5%.
وسجّل المؤشر متوسط ارتفاع بنسبة 2.3% خلال الشهر التالي للانتخابات التي لم تؤدِ إلى تشكيل حكومة.
غير أن الأداء التاريخي لا يضمن تكرار الاتجاه نفسه، خصوصًا مع اختلاف الظروف الأمنية والاقتصادية، وتأثر الأسواق بأداء الشركات وأسعار الفائدة والتطورات العالمية.
غلاء المعيشة والفائدة
بالنسبة إلى المواطنين، قد تظهر التداعيات الأهم في أسعار السلع وتكاليف السكن والاقتراض.
وإذا استمر ضعف الشيكل لفترة طويلة، فقد ترتفع تكلفة السلع المستوردة والمواد الخام، بينما قد تضيف أسعار الطاقة ضغوطًا على تكاليف النقل والإنتاج، ما قد ينعكس تدريجيًا على الأسعار التي يدفعها المستهلكون.
وفي 21 أكتوبر، أبقى بنك إسرائيل سعر الفائدة عند 3.25% بعد ثلاثة تخفيضات متتالية. وتشير توقعاته إلى متوسط فائدة يبلغ 3% في الربع الثالث من 2027، لكنها أُعدّت قبل ظهور نتائج الانتخابات، وقد تتغير وفق التضخم والتطورات الاقتصادية والأمنية.
ويؤثر مسار الفائدة بصورة خاصة على الأسر التي تسدد قروضًا عقارية والشركات المعتمدة على التمويل المصرفي، إذ تنعكس تكلفة الاقتراض على القدرة الشرائية والاستثمار.
المجتمع العربي.. ماذا عن الميزانيات؟
تكتسب مسألة تشكيل الحكومة وإقرار الميزانية أهمية خاصة للمجتمع العربي، نظرًا إلى ارتباط برامج ومشاريع محلية بالمخصصات الحكومية، ومنها تطوير البنية التحتية والمواصلات والإسكان والمناطق الصناعية، ودعم السلطات المحلية والتعليم والتشغيل.

وقد يؤدي تأخر إقرار ميزانية 2027 إلى صعوبات في تمويل بعض المشاريع أو إطلاق مراحل جديدة منها، خصوصًا تلك التي تتطلب مخصصات إضافية أو قرارات حكومية جديدة.
لكن ذلك لا يعني توقف جميع الميزانيات تلقائيًا، إذ تختلف آليات تمويل البرامج القائمة بحسب طبيعتها والقرارات المنظمة لها.
وسيكون من المهم متابعة موقف الحكومة المقبلة من الخطط الاقتصادية للمجتمع العربي، ومدى التزامها بتمويلها وتنفيذها. فبالنسبة إلى السلطات المحلية والمواطنين، لا تقتصر المسألة على حجم الميزانيات المعلنة، بل تشمل وتيرة تحويل الأموال وتنفيذ المشاريع على أرض الواقع، وتأثيرها على الخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة.
الاختبار يبدأ بعد الانتخابات
رغم أهمية نتائج الانتخابات ورد فعل الأسواق الأولي، فإن مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي لن يتحدد بهوية الحكومة المقبلة وحدها، بل سيتأثر أيضًا بالتطورات الأمنية وأسعار الطاقة والسياسة النقدية وأداء الاقتصاد العالمي.
وفي ظل غياب أغلبية واضحة، سيكون التحدي الأساسي قدرة الأحزاب على تشكيل حكومة مستقرة وإقرار ميزانية الدولة، واتخاذ قرارات اقتصادية في ظل الضغوط المالية والأمنية القائمة.
وبالنسبة إلى المستثمرين والمواطنين، لن يتوقف الاختبار عند معرفة من سيشكل الحكومة، بل سيمتد إلى قدرتها على تقليص حالة عدم اليقين، وتحديد أولويات الإنفاق، والتعامل مع التحديات الاقتصادية التي قد تنعكس على الأسعار والخدمات العامة ومستوى المعيشة.
فالتطورات السياسية المقبلة لن تُقاس فقط برد فعل الشيكل والبورصة، بل أيضًا بقدرة الحكومة التي قد تتشكل على تحويل قراراتها الاقتصادية إلى خطوات ملموسة، من إقرار الميزانية إلى تنفيذ المشاريع وتوفير الخدمات للمواطنين.










