“إمبراطورية الاحتيال المرتبطة بإسرائيل”: كل ما تريد معرفته عن عصابة الفوركس التي فككتها تركيا

الأحد, سبتمبر 20, 2026 16:48
/
/
“إمبراطورية الاحتيال المرتبطة بإسرائيل”: كل ما تريد معرفته عن عصابة الفوركس التي فككتها تركيا

“إمبراطورية الاحتيال المرتبطة بإسرائيل”: كل ما تريد معرفته عن عصابة الفوركس التي فككتها تركيا

أيقون موقع وصلة Wasla
صورة نشرتها ووزارة العدل التركية ويظهر فيها جوازات سفر إسرائيلية

 

اعتقلت السلطات التركية 201 مشتبهًا به، بينهم 9 إسرائيليين، في عملية أمنية واسعة نُفذت في إسطنبول وولاية موغلا جنوب غرب تركيا يومي 18 و19 أيلول، واستهدفت شبكة دولية يُشتبه بأنها أدارت عمليات احتيال عبر منصات للفوركس والكريبتو ومراكز اتصال متعددة اللغات.

ومنذ الساعات الأولى للعملية، ركزت السلطات ووسائل الإعلام التركية على الصلة بإسرائيل، واستخدمت وكالة الأناضول وTRT في عناوينها تعبير «شبكة احتيال فوركس مرتبطة بإسرائيل»، فيما وصف موقع Middle East Eye التركي العملية بأنها ضربة لـ«إمبراطورية احتيال مرتبطة بإسرائيل».

بدأت المداهمات صباح 18 أيلول بمشاركة الشرطة التركية وجهاز الاستخبارات «MİT» ووحدات مكافحة الجرائم الإلكترونية، وبتنسيق مع النيابة العامة في إسطنبول والإنتربول. وأعلنت وزارة الداخلية التركية في البداية توقيف 174 مشتبهًا، ثم ارتفع العدد خلال اليوم نفسه إلى 191، قبل أن توقف الشرطة في اليوم التالي 10 مشتبهين إضافيين، ليرتفع عدد الموقوفين إلى 201.

وبحسب وكالة الأناضول وTRT، فإن بين الموقوفين 9 إسرائيليين و11 باكستانيًا، إلى جانب 25 شخصًا من جنسيات عدة، بينها أذربيجان وسوريا والأردن وأوكرانيا وتايلاند وإندونيسيا والمغرب وكازاخستان والفلبين وإيران والصين ولبنان وفلسطين والمكسيك ومصر وموزمبيق والأرجنتين وبنغلادش، فيما يشكل الأتراك غالبية الموقوفين.

وشملت المداهمات 286 موقعًا في إسطنبول وموغلا، مرتبطة بعشرات الشركات ومراكز الاتصال والمكاتب المالية. وكانت التقارير الأولية قد تحدثت عن 25 شركة و40 مركز اتصال ومكتبًا ماليًا، فيما أشارت تقارير لاحقة إلى أن العملية شملت 28 أو 29 شركة وأكثر من 40 مركز اتصال. وقالت النيابة العامة في إسطنبول إن التحقيق بدأ من أربع قضايا منفصلة خلال عام 2026، بعد الاشتباه بشركات تعمل تحت غطاء «مراكز اتصال» وتنشر عبر شبكات التواصل ومحركات البحث إعلانات عن استثمارات في الفوركس والعملات المشفّرة، مع وعود بتحقيق أرباح مرتفعة.

وبحسب التحقيقات التركية، كان الضحايا يسجلون بياناتهم الشخصية عبر مواقع أو تطبيقات مرتبطة بهذه المنصات، فتصل معلوماتهم إلى أنظمة إدارة العملاء في مراكز الاتصال، حيث يجري توزيعهم على موظفين بحسب اللغة والجنسية. ويتولى الموظف الاتصال بالضحية وإقناعه بإيداع مبلغ أولي، قبل تحويله لاحقًا إلى موظفين أكثر خبرة إذا أبدى استعدادًا لمواصلة الاستثمار. وتقول النيابة إن العاملين لم يكونوا يقدمون أنفسهم عادة باسم الشركات التي يعملون لديها، بل كممثلين لمنصات استثمار مختلفة، من بينها Inefex وQuantum AI وAlgo Education وExentral-Int.

وتضيف السلطات التركية أن المنصات كانت تعرض للضحايا أرباحًا وهمية بهدف تشجيعهم على إيداع مبالغ أكبر، وكانت كذلك تعرض لهم خسائر وهمية على الشاشات، بما يوحي بأن أموالهم تتحرك وفق تغيرات السوق. وعندما كان المستثمر يحاول سحب أمواله، كانت المنصة تخبره بأن حسابه مجمّد، أو يُطلَب منه دفع «ضريبة» أو رسوم إضافية لإتاحة السحب. وبحسب النيابة العامة التركية، لم تكن الأموال تُستثمر فعليًا، بل كانت تُحوّل إلى حسابات بنكية ومحافظ عملات مشفّرة تخضع لسيطرة الشبكة خارج تركيا.

وتقول السلطات إن الشركات كانت تبحث عن موظفين يتحدثون لغات متعددة وتوظفهم تحت مسميات مثل «conversion agent» و«retention agent»، وكان بعضهم يخضع لتدريب لمدة أسبوع يحصل خلاله على اسم مستعار وسيرة شخصية مختلقة تساعده على كسب ثقة الضحية، بما في ذلك الادعاء بالتخرج من جامعات مرموقة مثل أكسفورد. كما قالت النيابة إن بعض المتقدمين للعمل خضعوا لاختبارات كشف الكذب للتأكد من عدم ارتباطهم بالشرطة أو الأجهزة الأمنية، وكان يُمنَع عليهم إدخال هواتفهم الشخصية إلى أماكن العمل. ومن التفاصيل التي برزت في التحقيق التركي أن التحدث بالعبرية داخل المكاتب كان محظورًا، كما قالت السلطات إن العاملين تلقوا تعليمات بعدم استهداف الإسرائيليين، وأشارت تقارير أخرى إلى تجنب استهداف مواطنين أميركيين أيضًا. وبحسب التحقيق، استهدفت الشبكة ضحايا في دول عدة، بينها ماليزيا والإمارات وروسيا وسنغافورة وبريطانيا وكندا وأستراليا وإيرلندا والصين وسويسرا وبلجيكا والسويد وكوريا الجنوبية، إضافة إلى دول أخرى في أوروبا وآسيا وأفريقيا.

صورة تعبيرية مصنوعة بالذكاء الاصطناعي

 

لماذا تصف تركيا الشبكة بأنها «مرتبطة بإسرائيل»؟

بحسب النيابة العامة في إسطنبول، لا يستند وصف الشبكة بأنها «مرتبطة بإسرائيل» فقط إلى وجود إسرائيليين بين الموقوفين، بل إلى نتائج التحقيق التي بيّنت -كما تقول النيابة- أن “مواطنين إسرائيليين كانوا يديرون الشبكة، وإن أشخاصًا مرتبطين بإسرائيل كانوا من بين مالكي الشركات والمستفيدين النهائيين منها”. واستخدمت النيابة في بيانها تعبير «بارونات احتيال إسرائيليين»، وقالت إن هؤلاء الإسرائيليين كانوا كانوا يعيّنون أشخاصًا لإدارة الشبكة في دول مختلفة، ثم يؤسسون عبرهم شركات ومراكز اتصال تتولى توظيف الموظفين، وإدارة الحسابات، والتواصل مع الضحايا.

ونقل Middle East Eye عن مسؤولين أتراك أن أحد المشتبه بهم الرئيسيين يحمل الجنسية الإسرائيلية إضافة إلى جواز سفر برتغالي، وأن بعض شبكات الاحتيال التي كانت تعمل سابقًا من إسرائيل نقلت نشاطها إلى تركيا ودول أخرى بعد تشديد القيود على “الخيارات الثنائية” (Binary Options) في إسرائيل، وهي معاملات تقوم على المراهنة على ما إذا كان سعر أصل مالي مثل عملة أو سهم سيرتفع أو ينخفض خلال فترة محددة.

وربط موقع Middle East Eye العملية بشبكة أوسع سبق أن تناولها تحقيق لـِ”مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد” (OCCRP)، وهو ائتلاف دولي للصحافة الاستقصائية. وكان المشروع قد نشر تحقيقًا عن شبكات احتيال استثماري تعمل عبر مراكز اتصال في إسرائيل وشرق أوروبا وجورجيا، وقال إن شبكتين على الأقل استدرجتا أكثر من 32 ألف شخص لتحويل ما يزيد على 275 مليون دولار. وتتشابه الأساليب التي وثقها التحقيق مع ما المعلومات التي أعلنت عنها السلطات التركية بخصوص القضية الحالية، من استخدام هويات وأسماء مستعارة، إلى عرض أرباح غير حقيقية والضغط على الضحايا لإيداع المزيد من الأموال. لكن لا توجد حتى الآن وثائق قضائية منشورة تثبت أن جميع الشركات والأشخاص الذين استهدفتهم العملية التركية يشكلون امتدادًا مباشرًا للشبكات التي كشف عنها OCCRP سابقًا.

من الناحية المالية، فقالت النيابة إن حسابات مرتبطة بالشركات والمشتبه بهم شهدت خلال عامين حركة أموال بلغت نحو 13 مليار ليرة تركية، بينها مصاريف مرتبطة بتشغيل المكاتب ودفع الرواتب، فيما قدرت العائدات غير المشروعة التي يُشتبه بأن الشبكة حصلت عليها من الضحايا بأكثر من 3 مليار دولار. وخلال المداهمات، أعلنت السلطات التحفظ على أصول تقدر قيمتها بنحو 1.5 مليار ليرة تركية، إضافة إلى 80 سيارة و12 عقارًا، وفرض قيود على حسابات مصرفية وحسابات شركات وأصول مشفّرة مرتبطة بالمشتبه بهم.

رجب طيب أردوغان
رجب طيب أردوغان

 

ماذا تقول وزارة الخارجية والصحافة الإسرائيلية؟

في إسرائيل، تناولت وسائل الإعلام القضية من زوايا مختلفة. صحيفة Times of Israel ركزت أساسًا على تفاصيل التحقيق، وأكدت توقيف 9 إسرائيليين ضمن أكثر من 200 مشتبه بهم. ونقلت عن وزارة الخارجية الإسرائيلية أنها أُبلغت باعتقال مواطنين إسرائيليين في تركيا وأنها تعمل على ضمان حقوقهم، من دون أن تنفي الشبهات الموجهة إليهم أو تدخل في تفاصيلها. كما نقلت عن القناة 12 قولها بأن الإسرائيليين الذين أوقفوا في العملية كانوا يعملون في مراكز اتصال، فيما أوردت، نقلًا عن Middle East Eye، أن السلطات التركية تعتبر أحد المشتبه بهم الرئيسيين إسرائيليًا يحمل أيضًا جواز سفر برتغاليًا.

وأعادت صحيفة Times of Israel القضية إلى سياق أقدم يتعلق بشركات كانت تعمل في إسرائيل في مجال الخيارات الثنائية (Binary Options). وحظرت إسرائيل هذا النشاط عام 2017، بعد تحقيقات صحفية وقضايا كشفت استخدام شركات إسرائيلية هذا النوع من التداول في الاحتيال على مستثمرين في دول مختلفة. وبحسب الصحيفة، انتقل بعض العاملين في هذا المجال لاحقًا إلى دول أخرى، بينها قبرص وتركيا.

وركز موقع Ynet على الطريقة التي تناول بها الجانب التركية القضية. وقال إن القضية تتعلق، على ما يبدو، بقضية احتيال مالي حقيقية وبمخالفات فعلية، لكنه اعتبر أن السلطات ووسائل الإعلام التركية استغلت وجود إسرائيليين بين الموقوفين لتقديم القضية باعتبارها «شبكة إسرائيلية». وأشار إلى أن عدد الإسرائيليين الموقوفين هو 9 فقط من أصل أكثر من 200 شخص، وأن بعض الذين قُدموا في الإعلام التركي على أنهم إسرائيليون قد يكونون، بحسب الموقع، يهودًا أتراكًا يحمل بعضهم جنسية مزدوجة أو لا يحمل الجنسية الإسرائيلية أصلًا.

وانتقد موقع Ynet أيضًا التغطية التي ذهبت إلى أبعد من ذلك، ولا سيما صحيفة «يني شفق» المقربة من أردوغان، التي تحدثت عن توقيف «خلية للموساد». ووصف الموقع هذا الادعاء بأنه بلا أساس، معتبرًا أن طريقة تناول القضية في تركيا تثير تساؤلات بشأن توظيفها سياسيًا في ظل التوتر الحاد مع إسرائيل. كما تساءل عن مدى قدرة الموقوفين الإسرائيليين على الحصول على محاكمة عادلة في الأجواء السياسية الحالية.

أما صحيفة «غلوبس» الاقتصادية فقدمت قراءة سياسية أكثر حدة. واعتبرت أن قضية الاحتيال جاءت في توقيت ملائم للرئيس رجب طيب أردوغان، لأنها تمنحه “وسيلة لصرف الانتباه عن أزمات أخرى تواجهها تركيا، بينها التراجع الحاد في البورصة المحلية، والتطورات الإقليمية، وموجة الاعتقالات في صفوف المواطنين الأتراك”. ولفتت الصحيفة إلى أن الإسرائيليين يشكلون نحو 5% فقط من المشتبه بهم، لكنها قالت إن السلطات سارعت مع ذلك إلى تقديم القضية على أنها شبكة احتيال مرتبطة بإسرائيل.

وذهبت «غلوبس» أبعد من Ynet في تفسير دوافع أنقرة، معتبرة أن السلطات التركية قد تستخدم المعتقلين الإسرائيليين لاحقًا كورقة ضغط سياسية على إسرائيل. وتكهنت الصحيفة بأن الملف قد يُستغل في مفاوضات غير مباشرة أو في مطالب سياسية مستقبلية، بل طرحت احتمال استخدامه للمطالبة بالإفراج عن قيادات من حماس.

في المقابل، تتمسك السلطات التركية بأن وصف الشبكة بأنها «مرتبطة بإسرائيل» لا يستند إلى عدد الإسرائيليين بين الموقوفين، بل إلى حجم الدور الإسرائيلي في إدارة الشبكة وملكية بعض الشركات والاستفادة من نشاطها. وحتى الآن، لا توجد لائحة اتهام نهائية منشورة تحدد بصورة مفصلة دور كل واحد من الإسرائيليين التسعة، وهو قد ما قد تظهره الأيام القادمة بشكل أوضح.

مقالات ذات صلة: الاحتيال المالي يكلّف الجمهور مئات ملايين الشواكل.. من يحمي أمواله؟

مقالات مختارة

Skip to content