نيويورك تايمز: “العالم ضاق ذرعًا بالولايات المتحدة والأموال والذهب يغادرانها”

السبت, سبتمبر 19, 2026 12:05
/
/
نيويورك تايمز: “العالم ضاق ذرعًا بالولايات المتحدة والأموال والذهب يغادرانها”

نيويورك تايمز: “العالم ضاق ذرعًا بالولايات المتحدة والأموال والذهب يغادرانها”

أيقون موقع وصلة Wasla
صورة توضيحية

 

بعد ما يقارب عامين على بدء الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدأت حكومات ومستثمرون وبنوك مركزية في دول مختلفة البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على الولايات المتحدة ونظامها المالي. وبحسب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، تقف وراء هذا الاتجاه مخاوف من الدين الحكومي الأمريكي الذي تجاوز 40 تريليون دولار، والاستخدام المتكرر للعقوبات المالية الأمريكية، إضافة إلى القلق من سياسات ترامب ومدى استقرارها.

وتظهر هذه المخاوف في عدة مجالات. فبعض المستثمرين أصبحوا أكثر حذرًا في شراء سندات الحكومة الأمريكية، فيما يتزايد النقاش بشأن تراجع مكانة الدولار على المدى الطويل. كما بدأت بعض الحكومات نقل أجزاء من احتياطياتها من الذهب المخزنة في الولايات المتحدة إلى بلدانها أو إلى أماكن أخرى.

وقال إسوار براساد، الرئيس السابق لقسم الصين في صندوق النقد الدولي، للصحيفة، إن التوترات الجيوسياسية واستخدام الولايات المتحدة للدولار والعقوبات المالية كأداة ضغط يدفعان البنوك المركزية وكبار المستثمرين إلى تنويع استثماراتهم وتقليل اعتمادهم على الأصول المقومة بالدولار.

ومع ذلك، لا يعني ذلك أن المستثمرين يتخلون عن الولايات المتحدة بالكامل. فما زالت الأموال الخاصة تتدفق إلى الأسواق المالية والأسهم الأمريكية، كما يواصل الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي نموه، ولا توجد عملة منافسة قادرة في المدى القريب على إزاحة الدولار من موقعه المركزي في النظام المالي العالمي.

ودافع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أمام الكونغرس عن قوة النظام المالي الأمريكي، وقال إن مزادات سندات الحكومة لا تزال تعمل بصورة جيدة وإن الدولار يحافظ على مكانته في المعاملات الدولية. واعتبر أن الولايات المتحدة ما زالت تقود النظام المالي العالمي وأن المنافسة لا تهدد هذا الموقع.

لكن الضغوط تظهر بوضوح في سوق السندات الحكومية الأمريكية. فقد ارتفعت العوائد التي يطالب بها المستثمرون مقابل شراء السندات مع ازدياد القلق من حجم الدين الأمريكي. وتجاوز العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات 5%، وهو أعلى معدل له منذ 2007. كما اشترت وزارة الخزانة الأمريكية ديونًا حكومية بقيمة 5.2 مليارات دولار تستحق بعد 10 إلى 20 عامًا، في محاولة لزيادة الطلب على السندات ورفع أسعارها وخفض عوائدها. وجاء ذلك وسط مخاوف المستثمرين بشأن الوضع المالي الأمريكي على المدى الطويل.

وبدأت بعض المؤسسات الاستثمارية الحكومية مراجعة حجم استثماراتها في الدين الأمريكي. فقد أعلنت أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، وهي مؤسسة إدارة الثروة السيادية النرويجية، نيتها تقليص حيازتها من سندات الحكومة الأمريكية بحثًا عن عوائد أعلى في أسواق أخرى.

ويواجه الدولار بدوره تراجعًا تدريجيًا في حصته من احتياطيات البنوك المركزية. فرغم استخدامه في قرابة 90% من المعاملات العالمية، انخفضت حصته من احتياطيات العملات الأجنبية لدى البنوك المركزية من 64% في 2016 إلى 56% في نهاية 2025.

ويربط التقرير هذا التراجع أيضًا باستخدام واشنطن الدولار والعقوبات المالية كأداة في سياستها الخارجية. فقد فرضت الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية عقوبات واسعة على دول بينها إيران وروسيا، مستفيدة من اعتماد جزء كبير من المعاملات الدولية على النظام المالي الأمريكي والدولار. وبسبب هذا الاعتماد، تستطيع العقوبات الأمريكية الحد بشدة من قدرة دولة أو شركة على التعامل مع المؤسسات المالية الغربية. ومع تزايد استخدام هذه الأداة، بدأت دول عدة البحث عن أنظمة دفع وقنوات مالية لا تخضع للسيطرة الأمريكية.

وكانت الإدارة الأمريكية قد حاولت خلال 2026 تقليص بعض برامج العقوبات بسبب مخاوف من أن يؤدي الإفراط في استخدامها إلى تسريع البحث عن بدائل للدولار. لكن هذا الاتجاه تغير في آب، عندما أعلن بيسنت ما سماه «عملية المنبوذ الاقتصادي» ضد إيران، التي تهدف إلى زيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني وتهدد بفرض عقوبات ثانوية على الدول التي تواصل التعامل الاقتصادي معها. وأقر بيسنت بأن تنفيذ هذا التهديد على نطاق واسع قد يسبب اضطرابًا كبيرًا في النظام المالي العالمي.

ولا يزال اليورو واليوان الصيني بعيدين عن أخذ مكان الدولار كعملة عالمية رئيسية، لكن تطور العملات الرقمية للبنوك المركزية والعملات المستقرة والعملات المشفرة يوفر وسائل جديدة لإجراء المعاملات الدولية خارج القنوات المالية الأمريكية التقليدية.

وتقود الصين مشروع mBridge لإنشاء منصة مدفوعات رقمية عابرة للحدود بالتعاون مع هونغ كونغ وتايلاند والإمارات العربية المتحدة والسعودية. ويهدف المشروع إلى تحويل الأموال بين الدول بسرعة أكبر وبتكلفة أقل من التحويلات المصرفية التقليدية.

ويجري أيضًا تطوير مشروع غربي مشابه بمشاركة عدد من دول مجموعة السبع ومؤسسات مالية غربية، لكنه أقل تقدمًا من المشروع الذي تقوده الصين. كما أعلنت روسيا والهند أنهما تعملان على آلية تسمح باستخدام العملات الرقمية الصادرة عن بنوكهما المركزية لتسوية المدفوعات التجارية بينهما، بما يقلل الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية المعرضة للعقوبات الأمريكية.

وفي موازاة البحث عن بدائل رقمية، تزداد أهمية الذهب في احتياطيات عدد من الدول. ففي 2025 أصبحت قيمة احتياطيات الذهب الرسمية عالميًا أكبر من قيمة حيازات الحكومات الأجنبية من سندات الخزانة الأمريكية. وفي 2026 تجاوز سعر أونصة الذهب 5,000 دولار للمرة الأولى، وسط زيادة مشتريات البنوك المركزية مع تصاعد التوترات الدولية والمخاوف من التضخم.

ولم تكتف بعض الدول بشراء المزيد من الذهب، بل بدأت أيضًا إعادة احتياطيات مخزنة في الولايات المتحدة. فقد أعلن البنك المركزي الهولندي نقل جزء كبير من احتياطياته البالغة 95 طنًا من الذهب الموجودة في أمريكا الشمالية إلى خارج الولايات المتحدة، مشيرًا إلى تصاعد التوتر الجيوسياسي والحاجة إلى الاستعداد للأزمات.

وفي آذار، سحب بنك فرنسا 129 طنًا من الذهب من بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ونقلها إلى باريس. ولم تهدد إدارة ترامب بمصادرة الذهب الأجنبي الموجود في الولايات المتحدة، لكن التقرير يربط هذه التحركات بالقلق الذي أثارته تصريحات ترامب بشأن قضايا مثل ضم غرينلاند وكندا ومدى التزام إدارته بالقواعد الدولية.

وقال دانيال تيننباوم، الذي عمل سابقًا في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية وفي بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، إن هذه التحركات تعكس تراجعًا في ثقة بعض الدول بالولايات المتحدة، وإن الخوف أصبح عاملًا واضحًا في قراراتها.

ويمتد هذا القلق إلى الشركات الأمريكية العاملة في الخارج. فبحسب تيننباوم، دفعت الرسوم الجمركية والقيود الأمريكية على الصادرات بعض الحكومات والشركات الأوروبية إلى التردد في الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية في قطاعات حساسة مثل الذكاء الاصطناعي، خشية أن يؤدي الاعتماد عليها إلى منح واشنطن أداة ضغط يمكن استخدامها لاحقًا عبر حظر التكنولوجيا أو تعطيل الوصول إليها.

وبحسب التقرير، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بموقع مركزي في النظام المالي العالمي، ولا يزال الدولار بعيدًا عن فقدان دوره الرئيسي. لكن ارتفاع الدين، واتساع استخدام العقوبات، والقلق من استقرار السياسات الأمريكية، كلها عوامل تدفع عددًا متزايدًا من الحكومات والمستثمرين إلى تقليل اعتمادهم على الأصول الأمريكية، والبحث عن بدائل للدولار، وإعادة جزء من احتياطيات الذهب إلى بلدانهم.

مقالات مختارة

Skip to content