18 مليار شيكل ميزانية المواصلات العامة، لكن البلاد لا تزال “عالقة في أزمة سير”

الأحد, سبتمبر 20, 2026 17:41
/
/
18 مليار شيكل ميزانية المواصلات العامة، لكن البلاد لا تزال “عالقة في أزمة سير”

18 مليار شيكل ميزانية المواصلات العامة، لكن البلاد لا تزال “عالقة في أزمة سير”

أيقون موقع وصلة Wasla
سيارات في شوارع البلاد، صورة توضيحية

 

رغم أن ميزانية المواصلات العامة في البلاد بلغت 17.6 مليار شيكل في 2026، مقارنة بـ5 مليارات شيكل في 2015، ما زالت أزمات السير تتفاقم، في وقت لم تنجح فيه منظومة المواصلات العامة في التحول إلى بديل للسيارة الخاصة. وتغطي الدولة 85% من نكلفة تشغيل المواصلات العامة، وهي أعلى نسبة بين دول الـOECD. ومع ذلك، لا تتجاوز نسبة التنقل بواسطة المواصلات العامة 10%–20% من مجمل الرحلات في المدن الكبرى في البلاد، مقارنة بـ40%–50% في مدن كبرى حول العالم.

وتظهر بيانات وزارة المواصلات أن مؤشر موثوقية خدمة الحافلات يبلغ 60% فقط،ما يعني أن الباص لا يصل إلى المحطة أو لا يصل في موعده في 40% من الحالات. وبحسب دائرة الإحصاء المركزية، انخفضت نسبة المواطنين من عمر 20 عامًا فما فوق الذين يستخدمون الحافلات من 57% في 2015 إلى 50% في 2025، كما تراجعت نسبة من يصلون إلى العمل بالمواصلات العامة من 20% إلى 16% خلال العقد الأخير.

في المقابل، تقدّر وزارة المالية الكلفة الاقتصادية لأزمات السير بـ40 مليار شيكل سنويًا، أي 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي ضعف المتوسط في دول الاتحاد الأوروبي وأكثر من ضعفي الكلفة المسجلة في بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة.

غياب جهة واحدة تدير شبكة المواصلات

في هذا الصدد، يتناول مقال لصحيفة داماركر أسباب هذه الظاهرة. ويعزي الخبراء الذين تحدثت معهم الصحيفة أن المشكلة الرئيسية تكمن في غياب جهة مركزية واحدة تدير شبكة المواصلات العامة وتنسق بين أطرافها. فمن المفترض، بحسب الخبراء، أن تتولى وزارة المواصلات إدارة المنظومة كاملة والتنسيق بين الجهات الحكومية المسؤولة عن مشاريع المواصلات، مثل قطار إسرائيل، وشركة طرق إسرائيل، وشركة «نتاع» المسؤولة عن مشاريع القطار الخفيف والمترو في منطقة تل أبيب، وغيرها، إلا أن هذه الجهات تعمل في كثير من الحالات كلٌّ على حده، من دون تنسيق كافٍ بينها.

وبحسب المقال، تفاقمت المشكلة خلال السنوات الأربع الأخيرة في فترة وزيرة المواصلات ميري ريغيف، مع مغادرة عدد من أصحاب الخبرة المهنية الوزارة في ظل جمود العمل المهني، وتعيين مسؤولين كبار في الوزارة، بعضهم مقربون من حزب الليكود، ممن أثيرت تساؤلات حول خبرتهم في مجال المواصلات.

وتقول ياعيل شختر سيتمن، المسؤولة عن ملف المواصلات العامة في لوبي 99، للصحيفة إن المؤسسات الحكومية وشركات البنية التحتية تجتمع وتتواصل، لكن المشكلة أن لا جهة واحدة تملك الصلاحية والمسؤولية عن إدارة المنظومة كاملة، معتبرة أن هذا يفترض أن يكون دور وزارة المواصلات. وتنتقد شختر سيتمن أيضًا تخطيط كل مشروع بصورة منفصلة، سواء كان قطارًا خفيفًا أو قطارًا بين المدن أو مترو أو حافلات أو شوارع، بدل التخطيط لمسار الرحلة الكامل للمواطن منذ خروجه من منزله.

ومن الحلول المطروحة إنشاء سلطات مواصلات على مستوى المدن الكبرى، على غرار ما هو قائم في سيول وبرلين وأمستردام ولندن ومدريد وباريس ومونتريال ونيويورك. وكان قرار بإنشاء سلطات كهذه قد اتخذ في إسرائيل قبل 20 عامًا، لكنه لم ينفذ حتى الآن.

ويرفض الخبراء ردّ الأزمة إلى نقص الأموال وحده. فكلفة مشروع المترو في منطقة تل أبيب مقدرة بـ180 مليار شيكل، مع توقع ارتفاعها، حيث تكمن المشكلة الحقيقية في إدارة الميزانيات والمشاريع وفي التأخير الممتد لسنوات. ومن الأمثلة على ذلك مشروع القطار الخفيف في بئر السبع الذي يتأجل منذ عقود، وخط القطار السريع إلى إيلات، إضافة إلى تجميد مشروع خطوط الحافلات السريعة في وسط البلاد. وتنعكس هذه المشكلات على اختيارات السكان. فبحسب تحليل للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، تنفذ 73% من الرحلات التي يتراوح طولها بين 1 و5 كم في إسرائيل بسيارة خاصة، مقارنة بـ37% في هولندا.

محطات قطار بعيدة وانقطاع بين وسائل المواصلات

تعاني شبكة القطارات أيضًا من مشاكل تتعلق بموقع العديد من المحطات وضعف الربط بينها وبين الحافلات. ويربط الدكتور يوآف ليرمان، المتخصص في الجغرافيا الحضرية والتحليل المكاني، في حديثه مع الصحيفة ذلك بسياسة بدأت مع توسع شبكة القطارات في أواخر ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، حين جرى اختيار مواقع محطات تتوفر حولها مساحات واسعة لمواقف السيارات. 

ويرى ليرمان أن التخطيط الصحيح لمحطات جديدة يتطلب تقليص الاعتماد على مواقف السيارات، حيث يعتمد الركاب حاليًا على سياراتهم للوصول إلى المحطات لأنهم لا يثقون بخدمة الحافلات التي تتأخر، وتسير أحيانًا في مسارات طويلة ومتعرجة، وتعلق في أزمات السير بسبب غياب مسارات مخصصة لها.

القطار الخفيف في القدس، الصورة: ويكيميديا
القطار الخفيف في القدس، الصورة: ويكيميديا

 

الحافلات: تأخير، أزمات سير ونقص في السائقين

تبدأ مشكلات التنقل بالحافلات قبل صعود الراكب إليها. ففي كثير من المحطات، تكون مظلات الانتظار صغيرة ولا تحمي عددًا كافيًا من الركاب من الشمس، وفي محطات أخرى لا توجد مظلات أصلًا. كما أن الشاشات التي يفترض أن تعرض موعد وصول الحافلة في الوقت الفعلي لا تعمل دائمًا أو تعرض معلومات غير دقيقة. وقد تصل الحافلة متأخرة، فيما أصبح من المعتاد أن يرفع الراكب يده للسائق كي يتوقف له.

ولا تتوقف المشكلة عند مواعيد الوصول. فبعض السائقين يوقفون الحافلة بعيدًا عن حافة الرصيف، ما يضطر كبار السن والأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال إلى النزول إلى الشارع ثم الصعود إلى الحافلة من مسافة غير مريحة. كما يشكو ركاب من الكبح المفاجئ والتسارع الحاد أثناء وجودهم في الباصات، وهو ما قد يؤدي إلى سقوط الركاب أو إصابتهم داخل الحافلة.

وتسير خطوط حافلات كثيرة في مسارات طويلة ومتعرجة تزيد مدة الرحلة ولا تتلاءم دائمًا مع الوجهات التي يحتاج إليها الركاب، مثل أماكن العمل. وإلى جانب ذلك، تعلق الحافلات في أزمات السير نفسها التي تعلق فيها السيارات الخاصة، رغم أن الحافلة الواحدة قد تنقل 60–70 راكبًا، بينما تحمل كثير من السيارات الخاصة السائق وحده أو السائق مع راكب أو راكبين.

وتنعكس هذه المشكلات على سرعة السفر. فبحسب بيانات وزارة المالية وتحليل للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، تبلغ سرعة المواصلات العامة في المدن الكبرى في إسرائيل 16 كم في الساعة، مقارنة بـ30 كم في الساعة في مدن كبرى حول العالم.

ومن أسباب بطء الحافلات أيضًا نقص المسارات المخصصة للمواصلات العامة وعدم اتصالها ببعضها داخل المدن وعلى الشوارع بين المدن. وينتقد المقال سياسة وزيرة المواصلات ميري ريغيف في هذا المجال، مشيرًا إلى أنها عملت خلال ولايتها على تقليص بعض المسارات التي تمنح أفضلية للمواصلات العامة أو للسيارات التي تقل أكثر من شخص. ومن أول قراراتها خفض الحد الأدنى لعدد الركاب المطلوب لاستخدام مسار السيارات متعددة الركاب في شارع 1 من 3 أشخاص في السيارة إلى شخصين، رغم أن تطبيق القانون في هذا المسار ضعيف أصلًا.

وتواجه قطاع المواصلات العامة نقصًا دائمًا في السائقين، مع وجود 5,000 سائق حافلة فقط. ويؤدي النقص إلى استمرار سائقين أقل كفاءة في العمل، فيما يعمل السائقون ساعات طويلة، ولا يرتاحون لفترات كافية بسبب أزمات السير، كما يوجد نقص في مرافق الاستراحة والطعام ودورات المياه، إضافة إلى ظاهرة العنف المتصاعدة ضدهم وخصوصًا العرب منهم. 

أحد باصات تنوفا، صورة توضيحية، المصدر: ويكيميديا
أحد باصات تنوفا، صورة توضيحية، المصدر: ويكيميديا

 

وينتقد المقال ضعف الرقابة الحكومية على الخدمة، ويقول إن عدد المراقبين قليل، كما يوجه انتقادات إلى كبار المسؤولين في وزارة المواصلات لعدم استخدامهم المواصلات العامة بصورة يومية وفي 2024، ألغت الوزارة ميزانية بقيمة نصف مليار شيكل كانت مخصصة لتحسين خدمة الحافلات، وحولت الأموال لتمويل خطة لتخفيض أسعار المواصلات العامة، التي يعتبر المقال أنها تفيد بصورة أساسية الجمهور الحريدي.

وتقول سيفان شموئيلوفيتش، المديرة العامة لمنظمة «15 دقيقة»، إن الوزارة لا تنظر إلى تجربة الراكب كاملة منذ خروجه من البيت وحتى عودته، بل تركز على علاقتها مع شركات الحافلات. وتضيف أن الوزارة تهتم أساسًا بعدد الكيلومترات التي تقطعها الباصات، بدل جودة الخدمة. وتشير أيضًا إلى أن البنية التحتية في إسرائيل لا تزال مصممة أساسًا لخدمة السيارات الخاصة، بينما تعاني مسارات المشاة من الإهمال، ولا تحظى الحافلات بصيانة كافية. كما يعاني الركاب من الاكتظاظ، وتتعرض العديد من النساء للتحرش الجنسي، ويواجه السائقون حالات متزايدة من العنف.

وتدعو شموئيلوفيتش إلى إنشاء سلطات للمواصلات في المدن الكبرى بصلاحيات وميزانيات فعلية، وتشير إلى أن عددًا محدودًا من السلطات المحلية، في مقدمتها القدس وتل أبيب، تبادر إلى إدارة شبكة المواصلات العامة لديها بشكل مستقل، بينما تواصل سلطات محلية كثيرة، خصوصًا في المناطق البعيدة عن المركز، تطوير بنى تحتية تخدم السيارات الخاصة.

المشاة وراكبو الدراجات في أسفل سلم الأولويات

ولا يختلف الوضع كثيرًا بالنسبة إلى راكبي الدراجات. فمعظم المدن لا تملك شبكة متصلة من مسارات الدراجات. ويقول أمري ليفي سادان، من منظمة «دراجات من أجل القدس»، للصحيفة إن بناء المسارات في القدس يتقدم ببطء بسبب البيروقراطية، وإن شوارع مركزية مثل حاييم بارليف، المؤدية إلى حرم جبل المشارف في الجامعة العبرية، لا تزال من دون مسار متصل. ويضيف أن وجود شبكة متصلة كان سيدفع عددًا أكبر من الطلاب لاستخدام الدراجات بدل الاعتماد على خط 19 المكتظ.

وتشير البيانات إلى أن 84% من التنقلات اليومية في إسرائيل لا تتجاوز مسافتها 10 كم. ويقارن المقال ذلك بهولندا، حيث يستخدم كثيرون الدراجات للتنقل لمسافات قصيرة، مستفيدين من شبكة واسعة ومتصلة من مسارات الدراجات. ويقول ليفي سادان إن توسيع شبكة مسارات الدراجات يواجه عقبات تتعلق بالكلفة والتخطيط الهندسي، إضافة إلى اعتراضات من السكان على تخصيص أجزاء من الشوارع للدراجات. ويشير إلى تجربة باريس، حيث خُصصت خلال فترة قصيرة مساحات من الطرق لمسارات الدراجات، فازداد استخدامها.

مشهد من تل أبيب يظهر محطة الباصات، الصورة: ويكيميديا
مشهد من تل أبيب يظهر محطة الباصات، الصورة: ويكيميديا

 

تقاطعات مزدحمة وطرق متضررة

افتُتح في آب الجزء الأول من خط القطار الخفيف الثاني في القدس، بعد تأخير استمر 10 سنوات على الأقل، وبعد 15 عامًا من افتتاح أول خط للقطار الخفيف في المدينة وفي إسرائيل. لكن القطار الخفيف يواجه تأخيرًا عند التقاطعات. فقد يضطر قطار يحمل 250 راكبًا إلى الانتظار أمام إشارة حمراء، بينما تمر سيارات خاصة لا تقل كل منها إلا عددًا قليلًا من الأشخاص. وتزداد المشكلة عندما تدخل سيارات إلى التقاطع رغم أن الطريق أمامها مسدود، فتبقى عالقة داخله وتمنع القطار والحافلات من المرور حتى بعد أن تصبح الإشارة خضراء لهم. وتزداد المشكلة بسبب ضعف وجود الشرطة في التقاطعات المزدحمة وعدم مخالفة السائقين الذين يدخلون التقاطع رغم أن الطريق أمامهم مسدود. 

وتشمل المشكلات أيضًا صيانة الشوارع. فبحسب مصادر في قطاع المواصلات، لا تراقب وزارة المواصلات والجهات المسؤولة عن التخطيط والتنفيذ بشكل كافٍ جودة المواد المستخدمة وطريقة تنفيذ أعمال البنية التحتية، ويجري أحيانًا الاكتفاء بفحص الطريق بعد انتهاء العمل للتأكد من أنه يبدو سليمًا.

لكن بعض العيوب لا تظهر فورًا، وعندما تظهر قد يستغرق إصلاحها وقتًا طويلًا. وقد يمتد التعامل مع الحفر والتشققات وأضرار البنية التحتية لأشهر، بسبب نقص الميزانيات وتغير الأولويات وغياب خطة منتظمة للصيانة. وكان مراقب الدولة قد حذر في 2017 من أوجه قصور في رقابة وزارة المواصلات على صيانة الطرق.

وتظهر هذه المشكلات بوضوح على الطرق، خصوصًا في الشتاء، حيث تنتشر الحفر والتشققات، إلى جانب أعطال في الإنارة على بعض الطرق الرئيسية.  وبدل معالجة الأعطال قبل أن تتفاقم، تجري أعمال الإصلاح غالبًا بعد ظهور الضرر، ما يؤدي إلى أعمال طرق متكررة وطويلة، ويزيد أزمات السير ويؤثر في سلامة السائقين وكفاءة حركة السيارات.

مقالات مختارة

Skip to content