ديون قياسية وفوائد مرتفعة: الدول الغنية تواجه أزمة اقتراض

الأحد, سبتمبر 20, 2026 19:26
/
/
ديون قياسية وفوائد مرتفعة: الدول الغنية تواجه أزمة اقتراض

ديون قياسية وفوائد مرتفعة: الدول الغنية تواجه أزمة اقتراض

أيقون موقع وصلة Wasla

حذرت مجلة «الإيكونوميست» من أن عصر الاقتراض الحكومي الرخيص انتهى، في وقت تواجه فيه الدول الغنية ديونًا مرتفعة وعجزًا كبيرًا في موازناتها. وارتفعت عوائد السندات الحكومية في بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان، وتجاوز العائد على سندات الحكومة الأميركية لمدة 10 سنوات 5% في 14 أيلول، وهي أعلى نسبة منذ 20 عامًا. ويبلغ متوسط العائد على السندات الحكومية لمدة 10 سنوات في الدول الغنية أكثر من 4%، أي 5 أضعاف تقريبًا متوسطه بين 2015 و2021.

ويقترب إجمالي الدين الحكومي في الاقتصادات المتقدمة من 110% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ70% في بداية الألفية. وفي الولايات المتحدة تضاعف الدين أكثر من مرتين خلال هذه الفترة، واقترب في بريطانيا من 3 أضعاف ما كان عليه. ومن المتوقع أن تسجل الولايات المتحدة هذا العام عجزًا يعادل 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وفرنسا أكثر من 5%.

وتفاقمت المشكلة مع ارتفاع أسعار الفائدة. ففي 16 أيلول رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الفائدة بنسبة 0.25%، بعد خطوة مماثلة من البنك المركزي الأوروبي قبل ذلك بأسبوع. وهذا يعني أن الحكومات ستضطر إلى دفع فوائد أعلى عندما تصدر سندات جديدة أو تستبدل ديونًا قديمة صدرت بفوائد منخفضة.

وتشير المجلة إلى أن الحكومات تحتاج هذا العام إلى إصدار سندات تزيد قيمتها على ضعف ما كانت تحتاج إليه في 2007 مقارنة بحجم اقتصاداتها، بسبب استمرار العجز ووصول ديون قديمة إلى موعد السداد. وتستهلك فوائد الدين بالفعل أكثر من 3% من الناتج المحلي الإجمالي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، وتقترب من 5% في الولايات المتحدة.

وإذا بقيت كلفة الاقتراض مرتفعة، قد تصل مدفوعات الفائدة السنوية على الدين الأميركي إلى 2.7 تريليون دولار بنهاية العقد، وفق لجنة الموازنة الفيدرالية المسؤولة، وهو مبلغ يتجاوز إنفاق الولايات المتحدة على برنامج «ميديكير» للرعاية الصحية للمسنين أو على الضمان الاجتماعي.

المستثمرون يطلبون عوائد أعلى

أصبح المستثمرون يطلبون فوائد أعلى مقابل شراء السندات الحكومية طويلة الأجل، بسبب ارتفاع التضخم وتزايد الديون والعجز في موازنات الدول. وحتى سندات الحكومة الأميركية، التي كان المستثمرون يقبلون بعائد أقل عليها لأنها تُعد من أكثر الاستثمارات أمانًا ويسهل بيعها، بدأت تفقد جزءًا من هذه الميزة.

ويأتي ذلك في وقت تحتاج فيه الحكومات إلى تجنيد مبالغ كبيرة من المستثمرين لتمويل ديونها، بينما ازدادت المنافسة على هذه الأموال. فشركات التكنولوجيا تضخ تريليونات الدولارات في بناء مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، وتحتاج بدورها إلى تمويل من الأسواق، ما يمنح المستثمرين خيارات أخرى إلى جانب السندات الحكومية.

وفي الوقت نفسه، تراجع الطلب من جهات كانت تشتري كميات كبيرة من السندات الحكومية في السابق. فالبنوك المركزية، التي اشترت السندات على مدى سنوات، بدأت تقليص ما تملكه منها. كما تراجعت أهمية بعض صناديق التقاعد التي كانت تستثمر مبالغ كبيرة في السندات طويلة الأجل، مع انتقال جزء متزايد من أموال التقاعد إلى صناديق تستثمر أكثر في الأسهم وغيرها من الاستثمارات الأعلى مخاطرة.

ومع حاجة الحكومات إلى اقتراض مبالغ أكبر وتراجع بعض المشترين التقليديين ووجود فرص استثمار أخرى، أصبح عليها تقديم عائد أعلى لجذب المستثمرين. وفي 2025، كان العائد على السندات الحكومية الجديدة لمدة 10 سنوات أعلى بنقطتين مئويتين من العائد على السندات القديمة التي حان موعد استبدالها، فيما ارتفعت العوائد أكثر خلال 2026.

الحكومات تقترض لفترات أقصر

بدل تقليص العجز، بدأت حكومات كثيرة تعتمد أكثر على الاقتراض القصير الأجل لتجنب دفع فوائد مرتفعة على سندات تمتد لعقود. وانخفضت نسبة السندات الجديدة المستحقة بعد أكثر من 10 سنوات إلى أدنى نسبة منذ 2009. وفي الولايات المتحدة، تمثل أذون الخزانة التي تستحق خلال سنة أو أقل قرابة ربع الدين الحكومي، وهي أعلى نسبة بين الدول الغنية، فيما أصبح متوسط المدة المتبقية لسداد الدين الأميركي أقل من 6 سنوات.

لكن هذه السياسة تنطوي على خطر واضح بحسب المجلة، لأن الديون القصيرة يحين موعد سدادها بسرعة، ما يجبر الحكومات على الاقتراض من جديد خلال فترات أقصر. وسيحين موعد سداد ثلث ديون حكومات دول الـOECD ذات الفائدة الثابتة بحلول 2028، وقرابة نصفها بحلول 2030. وإذا بقيت أسعار الفائدة مرتفعة، ستضطر الحكومات إلى استبدال هذه الديون بقروض وسندات جديدة بفوائد أعلى.

وتزداد المخاطر مع عودة سعر النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل واستمرار التضخم مرتفعًا في دول كثيرة. وتتوقع الأسواق أن يرفع الفديرالي الأمريكي الفائدة مرتين بنسبة 0.25% لكل منهما حتى آذار 2027، كما تتوقع الأسواق رفع البنك المركزي الأوروبي الفائدة مرة أخرى خلال الأشهر الـ6 المقبلة.

الفجوة بين العجز والديون

استنادًا إلى توقعات صندوق النقد الدولي، تقدر المجلة أن بريطانيا تحتاج إلى تحقيق فائض في الموازنة قبل دفع فوائد الدين يعادل 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي حتى تمنع الدين من الارتفاع. وتحتاج إيطاليا إلى فائض 1.4%، وفرنسا 1.2%، والولايات المتحدة 1%. أما اليابان، فيمكنها تسجيل عجز بنسبة 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي من دون أن ترتفع نسبة الدين، لأن نمو اقتصادها ما زال أعلى من كلفة الفائدة على ديونها.

لكن الفجوة بين الوضع الحالي وما تحتاج إليه بعض الدول كبيرة. فالولايات المتحدة تسجل عجزًا قبل دفع فوائد الدين يقارب 4% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تحتاج إلى فائض 1%. وهذا يعني أنها تحتاج إلى خفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات بما يعادل قرابة 5% من الناتج المحلي الإجمالي حتى تمنع نسبة الدين من الارتفاع. وفرنسا تسجل عجزًا يقارب 3%، بينما تحتاج إلى فائض 1.2%، أي إنها تحتاج إلى تحسين وضع موازنتها بأكثر من 4% من الناتج المحلي الإجمالي. وتواجه فرنسا صعوبة إضافية، لأن إيرادات الحكومة تتجاوز 50% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يترك لها مجالًا محدودًا لزيادة الضرائب من دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي.

وتشير المجلة إلى أن الاقتراض لفترات قصيرة قد يؤجل المشكلة، لكنه لا يحلها. فمع حلول موعد سداد الديون القديمة ذات الفوائد المنخفضة، ستضطر الحكومات إلى إصدار ديون جديدة بفوائد أعلى، ما يزيد كلفة خدمة الدين ويوسع العجز.

مقالات مختارة

Skip to content