
يشهد سوق السيارات الكهربائية في البلاد تراجعًا حادًا دفع الكنيست إلى طرح نقاش عاجل حول “الأزمة التي يعاني منها القطاع”. فبحسب معطيات اتحاد مستوردي السيارات، بلغت مبيعات السيارات الكهربائية المسجلة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي 16,216 سيارة من أصل 95,971 سيارة جديدة تم بيعها، ما يعادل 16% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة. في المقابل، بلغت مبيعات السيارات الكهربائية المسجلة خلال الفترة نفسها من عام 2025 نحو 23,303 سيارات من أصل 73,750 سيارة، أي 31% من مبيعات السوق.
ويشير تقرير لصحيفة كالكاليست إلى أن هذه الأرقام لا تعكس دائمًا حجم الطلب الحقيقي، إذ كان بعض مستوردي السيارات، قبل رفع ضريبة الشراء على السيارات الكهربائية، يسارعون إلى استيراد كميات كبيرة من السيارات وتسجيلها بأسمائهم أو بأسماء شركات تابعة لهم قبل دخول الزيادة الضريبية حيز التنفيذ. وكان ذلك يرفع أعداد مبيعات السيارات الكهربائية المسجلة، رغم أن جزءًا منها لم يكن قد بيع فعليًا للزبائن بعد، بل كان يُطرح في السوق تدريجيًا خلال الأشهر التالية. وقد حدث ذلك سابقًا، لكنه لم يتكرر هذا العام بسبب حالة عدم اليقين بشأن الضريبة المستقبلية على السيارات الكهربائية. ومع ذلك، يؤكد التقرير أن التراجع الحالي في مبيعات السيارات الكهربائية لا يمكن تفسيره فقط بتراجع أعداد مبيعات السيارات الكهربائية المسجلة أو بحالة عدم اليقين الضريبي، خاصة أن الدولة تعلن منذ سنوات رغبتها في تشجيع المركبات الصديقة للبيئة.
في عام 2018 توقعت وزارة المواصلات أن تتخلص إسرائيل بالكامل من الاعتماد على الوقود الأحفوري بحلول عام 2030، وهو هدف تبنته أيضًا وزارة الطاقة. لكن التقديرات الأحدث أصبحت أكثر تحفظًا وتتحدث فقط عن خفض الاعتماد على الوقود. كما أن التوقعات السابقة بأن تصبح السيارات الكهربائية هي الخيار السائد بحلول عام 2030 تبدو بعيدة المنال. فبعد أن ارتفعت حصة السيارات الكهربائية من السوق من 10% عام 2022 إلى قرابة 25% عام 2024، تشير المعطيات الحالية إلى عودة السوق إلى مستويات قريبة من عام 2022.
ويأتي هذا التراجع رغم تحسن ظروف السوق مقارنة بالسنوات الماضية. فقد ازداد عدد موديلات الكهربائية المتاحة في السوق بشكل كبير، ودخل مستوردون جدد إلى السوق، وأصبحت الخيارات تمتد من السيارات الاقتصادية إلى الفاخرة ومن علامات كورية إلى صينية. كما انخفضت الأسعار مقارنة بالسنوات السابقة. فعلى سبيل المثال، انخفض السعر الرسمي لسيارة BYD Atto 3 من 165 ألف شيكل عام 2024 إلى 155 ألف شيكل حاليًا، رغم أنها تمتلك اليوم تكنولوجيا أحدث تواكب طرازات عام 2026، وتوفر مدى قيادة يتجاوز 400 كيلومتر وإمكانية شحن سريع خلال 20 دقيقة.. كما تعرض شركات الاستيراد سيارات عائلية كهربائية جديدة بأسعار تقارب 140 ألف شيكل، إلا أن الإقبال لا يزال ضعيفًا.
ويرى التقرير أن أحد الأسباب الرئيسية يتمثل في سياسة الاستيراد التي تؤدي إلى إغراق السوق. فعندما يحصل نوع معين من السيارات على امتيازات ضريبية، يستورد الوكلاء كميات كبيرة منها، ثم يضطرون لاحقًا إلى خفض الأسعار لتصريف المخزون. ويؤدي ذلك إلى انخفاض سريع في سعر السيارات المستعملة، وهو عامل يثير قلق المشترين أكثر من تكاليف الوقود.

ويواجه مالكو السيارات الكهربائية مشكلة أخرى تتعلق بالصيانة. ففي حين يمكن إجراء الإصلاحات البسيطة في أي ورشة تقريبًا، فإن الأعطال المتعلقة بالبطاريات أو أنظمة الاستشعار غالبًا ما تتطلب التوجه إلى ورش الوكلاء الرسميين فقط. ويرجع ذلك إلى نقص الخبرات والتدريب في الورش المستقلة. وتؤدي هذه الحالة إلى ارتفاع تكاليف الصيانة بشكل كبير، ما يضعف سوق السيارات الكهربائية المستعملة. ويورد التقرير مثالًا على فاتورة إصلاح قد تصل إلى 12 ألف شيكل لاستبدال منفذ الشحن في سيارة تبلغ يبلغ سعرها في السوق 80 ألف شيكل.
كما يساهم غياب الاستقرار الضريبي في عزوف الزبائن عن الإقبال عليها. فمعدل ضريبة الشراء على السيارات الكهربائية يتغير سنويًا تقريبًا، ولا يتم حسمه إلا في نهاية كل عام. وخلال السنوات الأخيرة ارتفعت هذه الضريبة باستمرار ولم تنخفض. وفي المقابل، تعتمد دول مثل ألمانيا وبريطانيا برامج دعم مباشرة لمشتري السيارات الكهربائية تشمل منحًا تصل إلى 6,000 يورو، ما ساهم في زيادة المبيعات هناك. ويشير التقرير أيضًا إلى غياب الشفافية في إسرائيل، إذ لا يعرف معظم المشترين حجم الامتياز الضريبي الحقيقي الذي يحصلون عليه عند شراء سيارة كهربائية، باستثناء زبائن شركة تسلا التي تعرض هذه المعلومات بوضوح.
ومن العوامل التي تثير مخاوف الزبائن أيضًا ضريبة المسافة المقطوعة، وهي رسم يُفرض على كل كيلومتر تقطعه السيارة الكهربائية لتعويض خسارة الدولة لعائدات ضرائب الوقود. ورغم أن الضريبة لم تُطبق بصورة نهائية حتى الآن، فإنها تعود باستمرار إلى النقاشات الحكومية، ما يخلق حالة من عدم اليقين. ويشير التقرير إلى أن الدولة ألغت بالفعل امتياز رسوم الترخيص المخفضة للسيارات الكهربائية عام 2025، ما أدى إلى ارتفاع رسوم الفحص السنوي من مئات الشواكل إلى آلاف الشواكل.
وفي قطاع السيارات المخصصة للشركات، يرى التقرير أن الحوافز الحالية غير كافية. فالموظف الذي يحصل على سيارة كهربائية (ليسنغ) يحصل على امتياز ضريبي محدود مقارنة بمن يختار سيارة هجينة قابلة للشحن Plug In Hybrid. ويضرب التقرير مثالًا بموظفين يتقاضيان راتبًا شهريًا قدره 30 ألف شيكل ويقود كل منهما سيارة يبلغ سعرها 170 ألف شيكل، إحداهما كهربائية والأخرى هجينة قابلة للشحن. ورغم الامتيازات الضريبية الممنوحة للسيارات الكهربائية، فإن صاحب السيارة الكهربائية يحصل في النهاية على زيادة لا تتجاوز 100 شيكل شهريًا في راتبه الصافي مقارنة بصاحب السيارة الهجينة، وهو فارق يعتبره التقرير غير كافٍ لتشجيع السائقين على التحول إلى السيارات الكهربائية
كما ينتقد التقرير أداء الدولة نفسها، إذ تمتلك أكبر أسطول سيارات في إسرائيل لكنها لم تنجح حتى الآن في زيادة حصة السيارات الكهربائية فيه. فقد فشلت عدة محاولات سابقة لتزويد أعضاء الكنيست أو الجهات الحكومية بسيارات كهربائية، كما أن المناقصات الحكومية الحالية تتيح خيار السيارة الكهربائية لكنها لا تلزم الجهات الحكومية بشراء عدد محدد من السيارات الكهربائية
ويخلص التقرير إلى أن تراجع السيارات الكهربائية في إسرائيل يعود إلى مجموعة عوامل متراكمة تشمل عدم الاستقرار الضريبي، وانخفاض قيمة السيارات المستعملة، وارتفاع تكاليف الصيانة، وضعف الحوافز الحكومية، وغياب الشفافية، وهي عوامل يرى التقرير أن معالجتها ضرورية إذا أرادت الدولة إعادة تنشيط سوق السيارات الكهربائية في السنوات المقبلة.












