
تكشف دراسة جديدة لمعهد أهرون في جامعة رايخمان أن تكلفة المعيشة في إسرائيل وصلت إلى مستويات استثنائية، حيث أصبحت أعلى من دول اسكندنافية غنية بنسبة 21%، وأعلى من دول البحر المتوسط مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا بنسبة 68%. وتشير الدراسة إلى أن هذا الارتفاع الحاد لم يعد ظاهرة عابرة، بل أدى إلى تآكل مستوى المعيشة بنسبة 14%، مع تحذير واضح من أنه قد يشجّع على الهجرة من البلاد.
المعطيات تظهر أن الفجوة لم تكن دائمًا بهذا الشكل، ففي 2005 كانت أسعار السكن في إسرائيل أقل من الدول الغنية بنسبة 31%، لكنها اليوم أصبحت أعلى منها بنسبة 26%، وأعلى من دول مثل اليونان وقبرص وإيطاليا وإسبانيا بنسبة 85%. أما أسعار الغذاء، فكانت أقل من الدول الغنية بنسبة 26% في 2005، لكنها أصبحت أعلى منها بنسبة 27%. هذا التحول الحاد خلال عقدين يعكس تسارعًا كبيرًا في الغلاء مقارنة بالدول الأخرى.
المشكلة الأساسية، بحسب الدراسة، تتركز في السكن والغذاء، وهما مسؤولان عن أكثر من نصف تكلفة المعيشة. ففي قطاع الغذاء، ارتفعت أسعار منتجات الألبان بنسبة 47% خلال 20 عامًا، بينما قفزت أسعار الفواكه والخضروات بنسبة 86%، رغم أنها معفاة من ضريبة القيمة المضافة. ويُعزى ذلك إلى سياسات تنظيمية صارمة، تشمل قيودًا على الاستيراد ورسومًا جمركية مرتفعة، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بدل دعم المزارعين بشكل مباشر كما هو الحال في أوروبا.
الدراسة ترفض تبرير الغلاء بعوامل جغرافية مثل كون إسرائيل أشبه بكونها “دولة جزيرة”، أي دولة لا ترتبط بسهولة بدولة أخرى عبر البر وتعتمد الاستيراد الجوي أو البحري، إذ تُظهر المقارنة مع دول جزيرية أخرى في منظمة OECD مثل أستراليا ونيوزيلندا وبريطانيا واليابان أن إسرائيل لا تزال أغلى منها بفارق كبير. لذلك، يحمّل الباحثون المسؤولية لعوامل داخلية، أبرزها كثرة القوانين وتعقيدها، والضغوط السياسية خصوصًا التي تمارسها اللوبيات، وضعف المنافسة.
كما يبين التقرير أن نحو 70% إلى 80% من دعم الزراعة في إسرائيل يأتي بشكل غير مباشر عبر رفع الأسعار على المواطنين، بدل تقديم دعم مباشر للمزارعين. ويضاف إلى ذلك أن 95% من الأراضي الزراعية مستغلة بالفعل، بينما نما الإنتاج الزراعي 10% فقط خلال 20 عامًا، مقابل نمو سكاني بلغ 52%، ما خلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب انعكست مباشرة في الأسعار.
إلى جانب ذلك، تسهم عوامل أخرى في الغلاء، منها ضريبة القيمة المضافة المرتفعة ومتطلبات الكشروت، التي تفسّر 35% من فجوة الأسعار، بينما تعود 65% المتبقية إلى قيود الاستيراد، وهيمنة عدد محدود من الشركات الكبرى، وارتفاع تكاليف الإنتاج في سوق صغيرة، إضافة إلى أعباء بيروقراطية وتكاليف نقل مرتفعة بسبب ضعف في البنية التحتية للنقل.
الدراسة تشير أيضًا إلى أن السياسات الحكومية فشلت في معالجة المشكلة، حيث تم إلغاء إصلاحات في قطاع الزراعة، ولم تُنفذ إصلاحات أخرى في سوق الألبان، نتيجة ضغوط سياسية. كما أن القيود التنظيمية تصل إلى حد فرض شروط غير مألوفة مثل تخصيص 30% من مساحة المتاجر كمخازن، ما يزيد التكاليف.
مقالات ذات تكلفة: معهد أهرون: “إسرائيل تتجه نحو عقد من الحروب.. ويجب إطلاق خطة خمسية جديدة للمجتمع العربي”










