الأحد, أبريل 26, 2026 15:47
/
/
“تكبّدنا مئات آلاف الشواكل وسرّحنا الموظفين”: هكذا ضربت الحرب المؤسسات الثقافية بالمجتمع العربي

“تكبّدنا مئات آلاف الشواكل وسرّحنا الموظفين”: هكذا ضربت الحرب المؤسسات الثقافية بالمجتمع العربي

الحرب على إيران قطعت الأمل الأخير للمسارح والمؤسسات الثقافية في المجتمع العربي بموسم من العروض يعوض عن شلل السنوات الأخيرة لتتكبد خسائر بملايين الشواكل وتظل رهينة لفتات الميزانيات الحكومية المُعطلة أصلاً.
أيقون موقع وصلة Wasla
69eda21b6ee5863828da177f 5253 open
مديرو المؤسسات الثقافية في المجتمع العربي، من اليسار إلى اليمن: أيمن نحاس، آية زيناتي، محمد بيطار، فادي زغايرة

 

بالنسبة للفنان أيمن نحاس، مدير عام مسرح سرد، المسرح العربي الوحيد في حيفا الذي يدير قاعات عرض، بدأت هذه السنة (2026) “بالإجر اليمين” بعد أشهر طويلة من الركود في النشاطات الترفيهية والفنية بسبب كل الأحداث التي تلت السابع من أكتوبر. “في شهر ديسمبر الأخير شعرنا أننا عدنا إلى الحياة” يقول نحاس. “في فترة الأعياد شهدنا انتعاشه في الحياة الترفيهية والثقافية، وحتى في شهر يناير وفبراير هذه السنة كانت هناك حركة نشطة من العروض والأعمال الفنية تُبشر بموسم جيد يعوض خسائرنا الفادحة في السنيتين الأخيرتين، لكن كل آمالنا تحطمت مع اندلاع الحرب مع إيران”، يؤكد نحاس.

كيف كان من المفترض أن يكون موسم الربيع في سرد؟

برنامج شهر مارس في سرد كان يتضمن تقديم حوالي 30 عرض على المسرح، منها عروض مسرحية، أفلام، عروض للأطفال، عروض ستاند – اب وما شابه من فعاليات ترفيهية، وكنا نستعد لاستقبال أكثر من 2500 زائر للمسرح. لكن مع اندلاع الحرب ودخول البلد في حالة طوارئ الغينا كل هذه الفعاليات. بالمناسبة جزء من التذاكر لهذه الفعاليات كان مُباعاً.

ايمن نحاس איימן נחאס
الفنان أيمن نحاس – الصورة مقدمة من الفنان

 

ما قيمة الخسائر المادية؟

بحساب بسيط، متوسط سعر التذكرة في سرد يبلغ 75 شيكل، يعني خسائر مدخول التذاكر لوحدها وصل إلى 180 ألف شيكل تقريبا. أضيفي على ذلك مبيعات الكافتيريا ومدخولات تأجير القاعات نصل إلى ربع مليون شيكل على الأقل. في المقابل المصروفات مثل إيجار المسرح والأرنونا ومصاريف التأمين والمصاريف الثابتة الأخرى كرواتب الموظفين والتي تصل إلى 50 ألف شيكل في الشهر ظلت كما هي لكن مع صفر مدخول. بسبب الوضع اضررت إلى تسريح طاقم المسرح في إجازة غير مدفوعة لأننا ببساطة لا نستطيع تحمل مثل هذه المصروفات.

من يعوّض عن رمضان

حالة مسرح سرد تتكرر لكن بنطاق أوسع مع مؤسسة سينمانا في الناصرة. “في يوم وليلة توقف كل شيء” يقول محمد بيطار، مؤسس ومدير عام سينمانا ويؤكد بأن سينمانا ليست مسرحا عاديا بل هي مؤسسة ثقافية تنتج أعمالاً فنية ومهرجانات وتتعامل مع عشرات السلطات المحلية العربية في البلاد في مجال الفعاليات والإنتاجات الفنية. “الحرب وقعت شهر رمضان وهذا أهم شهر بالنسبة لنا من ناحية الفعاليات والنشاطات الثقافية والترفيهية مع عشرات السلطات المحلية العربية ومئات المدارس” يروي بيطار ويؤكد بأن الخسائر المباشرة التي تكبدتها سينمانا تصل إلى 200 الف شيكل في الشهر وبأنه اضطر إلى تسريح 8 موظفين في إجازة غير مدفوعة. بالنسبة لبيطار توقف الحرب، مؤقتا، لن يعيد شهر رمضان مرة أخرى ولن تُعوض هذه الخسائر حتى لو عادت الحياة إلى طبيعتها.

محمد بيطار מוחמד ביטאר
محمد بيطار، مؤسس ومدير عام سينمانا – الصورة مقدمة من طرفه

 

هل حاولتم إيجاد بدائل للفعاليات الميدانية؟

حاولنا تنظيم فعاليات عبر الإنترنت لكن مردودها المادي لم يتجاوز 2000 شيكل، وهذه نقطة في بحر المصروفات والتكاليف.

צוות סינאמאנא
أعضاء مؤسسة سينمانا – الصورة مقدمة من المؤسسة

 

 “خليك بالبيت”

بالنسبة لفادي زغايرة، مدير فرقة ترشيحا للموسيقى العربية، جاءت الحرب في أسوأ توقيت ممكن؛ بداية العام، وهي الفترة الأكثر نشاطًا من حيث العروض والكونسيرات. “توقف نحو 70% من عمل الفرقة دفعة واحدة”، يقول زغايرة.

الفرقة كانت قد أطلقت عرضًا جديدًا بعنوان “فيروز بالبلد”، وقدمت خمسة عروض ناجحة، قبل أن تُلغى خمسة عروض أخرى كانت مقررة، إضافة إلى خسارة ثمانية عروض خلال شهر رمضان ونحو 15 عرضًا إضافيًا، بينها إنتاج جديد كان من المفترض إطلاقه في شهر آذار بمناسبة يوم المرأة.

الخسارة الأكبر، بحسب زغايرة، ليست فقط في عدد العروض، بل في تكلفة الإنتاج. “تكلفة العرض الجديد وصلت إلى نحو 320 ألف شيكل، وهذه التكلفة تُسترد من بيع التذاكر”، يوضح. في الظروف العادية، يستقبل كل عرض نحو 500 شخص وغالبًا ما تكون التذاكر مباعة بالكامل، لكن توقف العروض حال دون استعادة هذه التكاليف. ويضيف أن نحو 50 شخصًا من طاقم الفرقة تأثروا بشكل مباشر من الوضع، ما يعني توقف 50 مصدر دخل دفعة واحدة. “لا توجد بدائل حقيقية”، يقول، مشيرًا إلى أن طبيعة العمل الفني تعتمد على التجمعات للتدريب والعروض، وهو ما أصبح صعبًا في ظل القيود، إلى جانب حالة عدم اليقين التي تجعل استئناف العمل مخاطرة بحد ذاته.

فادي زغايرة פאדי זגאירה
فادي زغايرة مدير فرقة ترشيحا للموسيقى العربية – الصورة مقدمة من طرفه

 

من موقعه كمؤسس ومدير عام منصة “تذكرتي” لبيع التذاكر عبر الانترنت، وهي المنصة الرائدة في مجالها في المجتمع العربي، يقول الياس خليف بأن اندلاع الحرب أدى إلى الغاء 20 عرضا مسرحيا وفنيا كانت تُعرض في المدن والقرى العربية وكانت تُباع تذاكرها عبر منصة “تذكرتي”. “هذا الإلغاء أدى إلى خسارة مباشرة بمئات آلاف الشواكل في مبيعات التذاكر لهذه العروض، وأفقدت الفنانين وطواقم العمل التقنية والمهنية مصدر رزقهم الأساسي بدون وجود بديل”.

في الطيبة، اضطرت جمعية “تشرين” الثقافية إلى تقليص نشاطها بشكل حاد منذ بداية الحرب. تقول آية زيناتي، المديرة العامة للجمعية، إن العمل انتقل جزئيًا إلى الفضاء الرقمي، فيما تم تجميد جزء كبير من البرامج. “في الشهر الأول فقط جمّدنا نحو 10 نشاطات موجهة للأطفال وطلاب المدارس، إضافة إلى عرضي أفلام”، تقول زيناتي. أحد المعارض الفنية، الذي شاركت فيه ست فنانات من مناطق مختلفة، لم يستمر سوى أسبوع واحد بدل شهر كامل.

اية زيناتي
آية زيناتي، المديرة العامة لجمعية تشرين – الصورة مقدمة من طرفها

 

وتضيف أن الجمعية، التي تُلزم بتنظيم ستة معارض سنويًا وكانت تخطط لرفع العدد إلى ثمانية، اضطرت لتأجيل افتتاح معرض جديد من بداية نيسان إلى منتصف أيار، إلى جانب تأجيل عروض أخرى في ظل تراكم الالتزامات.

ورغم محاولة تعويض ذلك عبر فعاليات على “زوم”، تؤكد زيناتي أن بعض الأنشطة، خاصة المعارض، لا يمكن نقلها فعليًا إلى الفضاء الرقمي. “التأثير ليس نفسه”، تقول، مشيرة إلى أن توقف المعرض لا يضر بالجمعية فقط، بل بسلسلة كاملة من العاملين، من فنانين ومصممين إلى تقنيين، إضافة إلى خسارة مهنية ناتجة عن عدم عرض الأعمال كما يجب.

20% من السكان، 3% من الميزانيات

لبنى الزعبي، مؤسسة ومديرة شركة “جيلان” للتطوير التنظيمي والمؤسسي، والمديرة السابقة لقسم الثقافة العربية في وزارة الثقافة، تشير إلى أن المؤسسات الثقافية تعمل ضمن نموذج مالي هش بطبيعته. “هذه المؤسسات تعتمد بنسبة تتراوح بين 50% إلى 75% على التمويل الحكومي، وفي المقابل يُطلب منها توفير ما لا يقل عن 25% دعم ذاتي من خلال بيع التذاكر والأنشطة”، تقول الزعبي. لكن في ظل توقف النشاط خلال الحرب، يصبح هذا النموذج غير واقعي.

زعبي تؤكد وتشير إلى أن حصة الثقافة العربية من الميزانيات العامة لا تتجاوز 3% إلى 4%، رغم أن العرب يشكلون نحو 20% من السكان، فجوة تعكس اختلالًا واضحًا في توزيع الموارد. أما التعويضات الحكومية في حالات الطوارئ، فتغطي فقط بين 20% إلى 25% من قدرة المؤسسات، في حين أن التراجع الفعلي في النشاط قد يتجاوز 50%، وهذه فجوة مالية كبيرة تهدد بقاء المؤسسة الثقافية. وتضيف أن بعض مسارات التمويل الإضافية، مثل لجنة التركات في وزارة العدل، لا توفّر حلًا حقيقيًا. “في 2026 تم الإعلان عن نداءات دعم، لكنها ركزت على قضايا مرتبطة بالحرب، ولم تستهدف المجال الثقافي بشكل مباشر”، توضح الزعبي.

لبنى زعبي לובנא זועבי
لبنى الزعبي، مؤسسة ومديرة شركة “جيلان” للتطوير التنظيمي والمؤسسي – الصورة مقدمة من طرفها

 

في المقابل، تعاني المؤسسات الثقافية العربية من غياب شبه تام لصناديق دعم محلية أو متبرعين، بعكس المؤسسات الإسرائيلية التي تستفيد من مصادر تمويل متعددة، تشمل البلديات وصناديق الدعم والمتبرعين الدوليين. “في أوقات الحرب، تتحول الميزانيات إلى أولويات أخرى، والثقافة ليست من بينها”، تقول.

عندما سألنا كل المشاركين في التقرير عن برنامج التعويضات الحكومية المخصصة للمؤسسات الثقافية أكدوا جميعهم بأن هذا الموضوع لا يزال في علم الغيب وبأنه حتى كتابة هذه السطور لم تتم المصادقة رسميا على برنامج تعويضات مخصص للمؤسسات الثقافية والفنية. “الضائقة المالية ضربت كل المؤسسات، العربية واليهودية”، يقول أيمن نحاس، “والمسارات المقترحة ستعود بالفتات على الجميع لكن ميزانيات المسارح اليهودية مثلاً كبيرة أصلاً ولديها صناديق متبرعين واشتراكات من لجان عمال وتستطيع أن تتجاوز هذه المرحلة بسلام، أما مؤسساتنا الثقافية العربية فهي تكافح من أجل البقاء في الأيام العادية، فكيف ستصمد في هذه الأوضاع المستحيلة”

المقال منشور بالتعاون مع شومريم.

مقالات مختارة

Skip to content