
أقرت الهيئة العامة للكنيست، ليلة الأحد–الاثنين، ميزانية الدولة لعام 2026، في سنة انتخابية وفي ظل مرحلة اقتصادية حساسة، تتداخل فيها تكاليف الحرب مع إعادة ترتيب الأولويات الحكومية. إلا أن هذه الميزانية، التي تبلغ قيمتها نحو 850.59 مليار شيكل، لم تمر دون خطوات مثيرة للجدل، وحملت تقليصات عميقة تمس بشكل مباشر بالمجتمع العربي، مقابل تحويلات مالية كبيرة لصالح فئات أخرى، وعلى رأسها الحريديم.
مع المصادقة على الميزانية، برزت مؤشرات واضحة على توجه حكومي يعيد توزيع الموارد بطريقة غير متوازنة، حيث جرى توسيع ميزانيات مخصصة لقطاعات محددة، في الوقت الذي تقلصت فيه بشكل ملحوظ الميزانيات المخصصة لخطط تقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع العربي. هذا التوجه يكتسب دلالة أكبر في ظل استمرار التحديات البنيوية التي يواجهها المجتمع العربي في مجالات التعليم والإسكان والصحة والتشغيل.
الجدل تصاعد بشكل خاص خلال جلسات التصويت الليلية، حيث تم تمرير تحفظات أُدرجت مباشرة داخل قانون الميزانية، ما أتاح تحويل مخصصات مالية بمئات الملايين لصالح الحريديم. هذه الخطوة جاءت بعد أن تعثرت المسارات الأصلية لهذه الميزانيات بسبب إشكالات قانونية والتماسات قضائية، ليتم تجاوزها عبر إدخالها مباشرة إلى نص القانون دون إعادة النقاش. المعارضة اعتبرت هذه الخطوة التفافًا على الإجراءات ومحاولة لتمرير زيادات مالية بشكل غير شفاف، وهو ما يعزز التساؤلات حول أولويات الميزانية وآليات اتخاذ القرار داخلها.
تظهر الأرقام صورة أكثر وضوحًا لحجم التحولات المتعلقة بتوزيع الموارد، إذ خُصص أكثر من 142 مليار شيكل لوزارة الدفاع، في إطار تغطية تكاليف الحرب، مع رفع سقف العجز إلى 5.1%. ورغم ضخامة هذا الإنفاق، لم تترافق هذه الزيادة مع حماية كافية للبرامج المدنية، خاصة تلك الموجهة للمجتمع العربي، الذي وجد نفسه أمام تقليصات متراكمة تمس أساس خطط تطويره.
وتظهر الصورة واضحة عند النظر إلى الخطة الحكومية 550، التي كان يفترض أن تشكل رافعة مركزية لتقليص الفجوات. إذ لم تتجاوز الميزانيات المخصصة لها 50% من حجمها الأصلي، حيث تم رصد نحو 1.5 مليار شيكل فقط بدلًا من 6 مليارات شيكل. هذا التقليص يعكس، وفق تقديرات مهنية، تراجعًا حادًا في الالتزام الحكومي، ويأتي في سياق أوسع من المماطلة في تحويل الميزانيات من قبل الوزارات المختلفة.
وبحسب هذه التقديرات، فإن التقليصات التراكمية في خطط تقليص الفجوات للأعوام 2024–2026 تتراوح بين 4.7 و5 مليارات شيكل، وهو رقم يحمل دلالات عميقة على مستوى التأثير المتوقع على فرص التنمية والاستقرار داخل المجتمع العربي. في المقابل، تم إقرار نحو 5 مليارات شيكل كأموال ائتلافية موجهة لقطاعات محددة، ما يعزز الانطباع بوجود تمييز في توزيع الموارد، ويطرح تساؤلات جدية حول معايير تحديد الأولويات.
أبرز التقليصات تتجلى في تقليص نحو 900 مليون شيكل من برامج التعليم المخصصة للمجتمع العربي، إلى جانب اقتطاع نحو 190 مليون شيكل من ميزانيات الإسكان والتخطيط، فضلًا عن تقليصات إضافية في برامج تقليص الفجوات الصحية، خاصة في منطقة النقب. هذه الأرقام ليست مجرد تعديلات مالية، بل تشير إلى تراجع ملموس في الاستثمار طويل الأمد في البنى التحتية الاجتماعية والاقتصادية لهذا المجتمع.
في هذا السياق، يحذر مركز مساواة من أن هذه الميزانية لا تمثل مجرد تعديلات ثانوية في الانفاق، بل تعكس نهجًا في تقليص حقوق المجتمع العربي وتقويض خطط تقليص الفجوات. ويدعو المركز إلى وقف هذه التقليصات فورًا، وإعادة الميزانيات المقرّة، وضمان توجيه الموارد بشكل عادل إلى السلطات المحلية العربية، بما يتيح استثمارًا حقيقيًا في التعليم والصحة والبنى التحتية، إلى جانب تعزيز الجهود لمكافحة الجريمة وتحقيق تنمية مستدامة. كما ويحذّر المركز من محاولات تقودها الوزيرة ماي جولان لتحويل ما تبقى من هذه الميزانيات إلى وزارة الأمن الداخلي، على حساب احتياجات أساسية في مجالات الصحة، الرفاه، الإسكان، والتعليم.
مقالات ذات صلة: اقتصاد المستوطنات الخفي: 19 مليار شيكل إضافية حصلت عليها المستوطنات منذ تشكيل الحكومة











