
بعد عيد الفصح، وبتأخير لافت دام عامين وثمانية أشهر منذ اندلاع حرب 7 أكتوبر، من المتوقع أن تصادق الحكومة على الفصل الأخير من خطة إعادة تأهيل الشمال. ستقر الحكومة تخصيص 5 مليارات شيكل إضافية لبلدات خط المواجهة و700 مليون شيكل لبلدات هضبة الجولان، وبذلك تكتمل استثمارات بقيمة 12 مليار شيكل على مدى خمس سنوات لإعادة تأهيل المنطقة.
على الحدود الشمالية يسكن حالياً نحو 240 ألف نسمة، بالإضافة إلى نحو 30 ألفاً يسكنون في الجولان. وهذا يعني أن الدولة بصدد استثمار نحو 47 ألف شيكل لكل مواطن في منطقة الحدود مع لبنان، أو نحو 23 ألف شيكل لكل ساكن في هضبة الجولان خلال خمس سنوات، في محاولة لإعادة تأهيل الشمال وإنقاذه من الانهيار.
وفي حين يتم نشر الاستثمار في إعادة تأهيل الشمال بشكل علني، هناك سكان يتلقون استثمارًا حكوميًا ضخمًا في السرّ، دون مبرر مهني، وبخلاف المنطق الاقتصادي، نظرًا لأنّ الحديث يدور عن مستوطنات لا تعاني اقتصاديًا، فهي تقع بالقرب من المركز وتتمتع بهجرة إيجابية ونمو سكاني. وهذا ما يحصل عليه المستوطنون، الذين يتمتعون منذ تشكيل الحكومة الحالية باقتصاد يقوم على المحاباة بشكل غير مسبوق.
يجب التوضيح: “اقتصاد المناطق” (“المناطق” هو المصطلح الإسرائيلي الذي يشير إلى الضفة الغربية) هو اقتصاد خفي. لا يتم ذكر كلمة “المناطق” بشكل صريح بجوار البنود المختلفة في موازنة الدولة، وبطبيعة الحال فإن معظم الميزانيات التي تتدفق إلى هناك هي ميزانية مستمرة للتعليم أو الصحة أو الرفاه. ويشمل ذلك أيضًا الإنفاق الأمني، وهو أكبر إنفاق يتم في “المناطق”، والذي يندمج بطبيعة الحال ضمن ميزانية وزارة الدفاع، ولا يمكن إلا تقدير حجمه.
لذلك لا توجد طريقة لتقدير حجم الأموال التي تنفقها الدولة على “المناطق”. القليل فقط الذي يمكن تقديره هو النفقات المخصصة والاستثنائية، التي تُنفذ بين الحين والآخر، ويمكن تمييزها واعتبارها ميزانية إضافية للمستوطنات. أي أن الأموال الإضافية الاستثنائية فقط هي التي يمكن رصدها، لا غير.
قامت حجيت عوفران، مديرة وحدة مراقبة الاستيطان في حركة “السلام الآن”، هذا الأسبوع بجمع معلومات تتعلق بتحويلات الأموال المخصصة للـ”مناطق” منذ تشكيل حكومة “اليمين الكامل” في بداية عام 2023. يدور الحديث عن سلسلة استثنائية من القرارات، تشكل قفزة هائلة في اقتصاد المحاباة المرتبط بالمستوطنات.
كانت بعض النفقات موجودة من قبل؛ فمنذ نهاية الثمانينيات، تمول وزارة الإسكان شركات أمن خاصة لحماية المستوطنين في شرقي القدس (!). هذا البند في ميزانية يتوسع بحسب نشاط المستوطنون، لأنه في كل مرة يستولون فيها على منزل فلسطيني جديد في شرق القدس، يتم توسيع الحراسة عليهم. تنشر وزارة الإسكان ميزانية الحراسة سنوياً، وتبين أنها تضخمت من 50 مليون شيكل في عام 2010 إلى ما بين 100 و150 مليون شيكل سنوياً في ظل حكومة اليمين الكامل. وإجمالاً، تم إنفاق 489 مليون شيكل على هذا البند وحده منذ عام 2023.
بند آخر متكرر هو ما يسمى “إنفاق خاص للمستوطنات”، حساب هذا البند جاء نتيجة طلب من الأمريكيين، تحديدًا من الرئيس جورج بوش الأب، لذلك تقوم دائرة الإحصاء المركزية منذ أوائل التسعينيات بحساب الإنفاق الزائد في الميزانية على المستوطنات سنويًا. ويشمل هذا الإنفاق الزائد فقط المصاريف المتعلقة بالبناء مثل المباني العامة والطرق داخل المستوطنات، أو المنح الاستثنائية التي تدفعها وزارة الداخلية للسلطات في
“المناطق”. أما المصاريف الأخرى، مثل الإنفاق الأمني أو الإنفاق على الطرق في الضفة الغربية التي تهدف أساسًا للربط بين المستوطنات، فلا تُحتسب (والتبرير هو أن هذه الطرق يستخدمها الفلسطينيون أيضًا). ووفقًا لدائرة الإحصاء المركزية، ارتفع هذا الإنفاق من مليار شيكل سنويًا في بداية العقد الماضي إلى 1.7 مليار شيكل في عهد حكومة بينيت، وإلى أكثر من ملياري شيكل في عام 2023. ولم تنشر الدائرة بيانات عامي 2024 و2025، لكن إذا افترضنا أنها بقيت كما كانت في 2023، فإن قيمة ما أُنفِقَ على هذا البند يصل إلى 6 مليار شيكل خلال ثلاث سنوات.

أما البنود الأخرى فهي من تأليف وزراء الحكومة الحالية، وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش. فقد تم الإعلان عن قرار يمنح أولوية وطنية للـ”مناطق” بقيمة 2.75 مليار شيكل على مدى خمس سنوات. ونُذكّر أن قرارات الأولوية الوطنية تستلزم مبررات مثل الصعوبات الاقتصادية، أو الهجرة السلبية، أو البُعد عن المركز. ولا شيء من ذلك ينطبق على مستوطنات الضفة الغربية، ولذلك ليس واضحًا سبب استحقاق هذه المستوطنات الحصول على هذه المنحة. على أية حال، وضمن هذا القرار الذي لم يتم اعتماده رسميًا بعد، أنفقت الحكومة بالفعل 550 مليون شيكل على “تجهيزات أمنية للمستوطنات”، تشمل أيضاً “شق طرق أمنية”، بالإضافة إلى 244 مليون شيكل لغرض “تسجيل وتسوية العقارات في المنطقة C”.
وبحسب عوفران، “شق الشوارع والطرق الترابية الجديدة هو أداة أساسية في السيطرة على الأراضي. هذه الطرق تتيح للمستوطنين إقامة بؤر استيطانية إضافية والوصول بسرعة إلى مساحات واسعة وطرد الفلسطينيين منها. وقد وثّقت حركة سلام الآن خلال العامين الأخيرين شق طرق في الضفة الغربية تزيد عن 222 كيلومترًا، نصفها تقريبًا في أراضٍ خاصة تعود لفلسطينيين. هذه الطرق تُشق بذريعة أمنية، دون تخطيط ودون تصاريح بناء”.
امتيازات أيضًا لمزارع العنف التابعة لشبيبة التلال
إن الميزانية المخصصة لغرض تسوية الأراضي هي في الواقع أموال لتعزيز عمل مكتب تسجيل الأراضي (الطابو) الذي يتولى شؤون “المناطق”، بهدف نقل ملكية الأراضي التي لا يكون وضعها القانوني واضحًا إلى الدولة، ومن المرجح أن معظمها مملوك ملكية خاصة للفلسطينيين، لكن يفتقر العديد منهم للوثائق التي تثبت ذلك. وهذه خطوة تخالف القانون الدولي، لأن معناها استيلاء إسرائيل على أراضٍ محتلة دون أساس قانوني.
بند بارز آخر هو الاستثمار الضخم في شق الطرق بين المستوطنات. أعلن سموتريتش ووزيرة المواصلات ميري ريغيف عن خطة خمسية بقيمة 7 مليارات شيكل لشق الطرق، ولا يسعنا إلا أن نصدق دقة تصريحهما. وبناءً عليه، فإن الاستثمار في هذه يبلغ 1.4 مليار شيكل سنوياً، أي 30% من إجمالي الإنفاق على الطرق بين المدن في إسرائيل، في حين يسكن مستوطنات الضفة الغربية 3% فقط من سكان إسرائيل.
إن الجموح في إنفاق الأموال الحكومية الائتلافية، الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة، مخصص بالطبع لهدفين بارزين: الحريديم والمستوطنين. في عام 2026 وحده، خُصِّصت 350 مليون شيكل إلى المستوطنات ضمن إطار الأموال الائتلافية، ومنذ عام 2023 حصل المستوطنون بهذه الطريقة على 1.35 مليار شيكل.

تسلط عوفران الضوء على بند صغير ضمن الأموال الائتلافية: 50 مليون شيكل لـ “تجهيزات أمنية في البؤر الاستيطانية الجديدة” وهو بند مخصص لإقامة مزارع وبؤر استيطانية غير قانونية في الضفة الغربية، ومن خلاله مولت الحكومة في العامين الماضيين المزارع الاستيطانية التي تستخدم كنقاط انطلاق لأعمال العنف التي تقوم بها “فتية التلال”. يخرج الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية يخرج من هذه المزارع، ويمكننا ملاحظة أن الدولة تموّله وتدعمه.
تضيف عوفران إلى القائمة بندين: الأول، استثمار بقيمة 950 مليون شيكل في مشاريع سياحية بالمستوطنات؛ والثاني، قرار الخطة الخمسية الجديدة لتعزيز الاستيطان على الحدود الأردنية، بما في ذلك غور الأردن. يدور الحديث عن 800 مليون شيكل في عام 2026 وحده، ويمكن فقط تخمين حصة غور الأردن منها.
ويمكن أن نضيف إلى ذلك الابتزاز الذي يمارسه سموتريتش من أجل المصادقة على امتيازات ضريبية للمستوطنين بقيمة 450 مليون شيكل سنوياً، رغم أن المستوطنات هي بلدات مزدهرة في المركز، وبالتالي لا تستوفي معايير الحصول على امتيازات ضريبية. بمعنى آخر، هذه أموال سياسية تُمنح للمستوطنين دون تبرير، وإذا حدث ذلك، فسيحصل المستوطنون على خصومات تُقدّر (وفق الحسابات الحالية) بـِ10 مليار شيكل إضافية على حساب المواطنين.
وحتى بدون احتساب الامتيازات الضريبية، تسنتج عوفران أن 19 مليار شيكل تدفقت إلى المستوطنات منذ عام 2023، كأموال إضافية زائدة عن الميزانيات العادية — أي استثمار بنحو 38 ألف شيكل لكل مواطن خلال أقل من أربع سنوات — وهو أكثر بنسبة 50% مما يحصل عليه سكان الجولان، وأكثر بنسبة 80% من سكان أوفاكيم الذين تعرضوا لهجوم السابع من أكتوبر، وأقل بنسبة 20% فقط من سكان الشمال الذين يتعرضون للقصف ويحتاجون إلى إعادة تأهيل عاجلة. ولا شك أن هذه الأرقام تشير إلى أن المستوطنين هم مواطنون من الدرجة الأولى، متفوقون على باقي مواطني إسرائيل.
المقال مترجم ومنشور في وصلة بإذن خاص من The Marker











