
تتزايد التحذيرات في الأوساط الاقتصادية من أن العالم يقترب من أزمة مالية جديدة، وربما أكثر خطورة من أزمة 2008، في ظل تراكم ضغوط متعددة ومترابطة تمتد عبر أسواق وقطاعات مختلفة، من الذكاء الاصطناعي إلى أسواق الائتمان والتوترات الجيوسياسية.
بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، يرى الخبير الاقتصادي ريتشارد بوكستابر، الذي سبق أن تنبّأ بأزمة 2008، أن العالم دخل مجددًا مرحلة تتسم بمستوى عالٍ من المخاطر، لكن الفارق هذه المرة أن هذه المخاطر لا تتركز في قطاع واحد، بل تمتد عبر مجالات متعددة تشمل سوق القروض الخاصة (التي لا تمنحها البنوك) الذي يُقدّر حجمه بنحو 2 تريليون دولار، وأسواق الأسهم، إضافة إلى الحرب في إيران والتوترات في تايوان، إلى جانب التحولات التي يقودها الذكاء الاصطناعي.
يوضح التقرير أن الخطر لا يكمن في كل عامل على حدة، بل في الترابط القوي بين هذه العوامل، حيث يمكن لأي أزمة أن تنتشر بسرعة في النظام المالي بأكمله. ويبرز في هذا السياق سوق القروض الخاصة، الذي توسّع بشكل كبير خلال العقدين الماضيين مع تراجع دور البنوك بعد أزمة 2008، ما دفع العديد من الشركات للاعتماد على تمويل من جهات استثمارية كبيرة مثل بيوت الاستثمار وشركات التأمين وصناديق التقاعد. المشكلة أن هذه الأموال تُعطى كقروض لفترات طويلة ولا يمكن استرجاعها بسرعة، ما يجعل من الصعب معرفة قيمتها الفعلية وكم سيتم سداده منها إذا ساءت الأوضاع الاقتصادية.
في الفترة الأخيرة، بدأ بعض المستثمرين بطلب استرجاع أموالهم من صناديق القروض الخاصة التابعة لشركات مثل BlackRock وBlackstone وBlue Owl، وهو ما انعكس في تراجع حاد بأسهم هذه الشركات. وبما أن هذه الصناديق استخدمت هذه الأموال لإقراض شركات أخرى، فهي لا تستطيع إعادة الأموال فورًا، لذلك تضطر إلى توفير السيولة من مصادر أخرى مثل بيع أسهم في البورصة. هذا قد يخلق ضغطًا على الأسواق المالية، وقد تتحول المشكلة من سحب أموال محدود إلى أزمة أوسع.
من جهة أخرى، يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي موجة استثمارات ضخمة تتركز في عدد محدود من الشركات الكبرى، حيث أصبحت 10 شركات تكنولوجية كبرى فقط تمثل أكثر من ثلث القيمة الإجمالية لمؤشر S&P 500. هذا التركّز غير المسبوق يعني أن أي هزة في واحدة من هذه الشركات قد تؤثر بشكل مباشر على السوق ككل، بدل أن يتم امتصاصها.
ويشير التقرير إلى أن هذين المسارين، سوق القروض الخاصة والطفرة في الذكاء الاصطناعي، ليسا منفصلين، بل مرتبطان ببعضهما بشكل وثيق. فالقروض الخاصة تُستخدم لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مثل مراكز البيانات والرقائق، التي تعتمد عليها شركات التكنولوجيا الكبرى مثل غوغل ومايكروسوفت. وقد ينعكس أي تراجع في هذا التمويل مباشرة على استثمارات هذه الشركات وتوسعها وأرباحها، وبالتالي على أسهمها ومدخرات ملايين الأشخاص المستثمرة فيها.
كما يسلط التقرير الضوء على الجانب المادي لهذه المخاطر، حيث إن الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل كبير على الكهرباء والرقائق المتقدمة. وقد يؤدي تفاقم أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب مع إيران إلى ارتفاع تكاليف الكهرباء أو تقييد الإمدادات، ما يؤثر مباشرة على تشغيل مراكز البيانات. كذلك، فإن أي تصعيد صيني في تايوان قد يحد من وصول الولايات المتحدة إلى الرقائق، ما يبطئ عجلة الذكاء الاصطناعي ويضر الشركات التي تقود هذا القطاع.
في هذا السياق، يشير التقرير إلى أن النظام المالي أصبح معتمدًا بشكل متزايد على شبكات الكهرباء وسلاسل التوريد والموارد الطبيعية، وهي عوامل لا تستطيع النماذج المالية التقليدية قياس مخاطرها بدقة، إذ إنها تركز عادة على الأسعار والتقلبات، لكنها لا تملك أدوات للتنبؤ بانقطاع الكهرباء أو تعطل سلاسل الإمداد، ما يعني أن الأضرار قد تكون قد وقعت بالفعل عند ظهور المؤشرات في الأسواق.
ويحذر التقرير من أن المستثمرين في القروض الخاصة، إذا احتاجوا إلى سيولة، لن يتمكنوا من استرجاع أموالهم المستثمرة في القروض الخاصة بسرعة، لذلك سيضطرون إلى بيع أصول أخرى يمكن بيعها بسهولة، مثل أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى. هذا قد يؤدي إلى تراجع حاد في الأسواق المالية، ويؤثر على المدخرات وصناديق التقاعد.
ويعيد التقرير التذكير بأن أزمة 2008 لم تكن ناتجة فقط عن فقاعة العقارات، بل عن النظام المالي المعقد الذي بُني حولها، حيث أدت أدوات مالية مبتكرة إلى إخفاء المخاطر وربط أجزاء مختلفة من النظام المالي ببعضها، ما تسبب في انهيار واسع عند وقوع الأزمة. ويؤكد التقرير أن الوضع الحالي يشبه ما حدث قبل أزمة 2008، لكن الفرق أن المخاطر اليوم لا تقتصر على الأسواق والمال فقط، بل أصبحت مرتبطة بأمور مادية مثل الطاقة والكهرباء وسلاسل التوريد.
مقالات ذات صلة: IBI: الأسواق تقلل من أثر صدمة الطاقة لكنها ترفع مستوى القلق بشأن أسعار الفائدة











