
تواجه “رؤية 2030” التي أطلقها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قبل نحو عقد تحديات تمويلية متصاعدة، في وقت تُقدَّر فيه الكلفة الإجمالية للمشاريع الضخمة المخطط لإنشائها بنحو 8.8 تريليون دولار، أي ما يقارب 9 تريليونات دولار. وتهدف الرؤية إلى تقليص اعتماد السعودية على النفط وتحويلها إلى قوة اقتصادية عالمية تعتمد على التكنولوجيا والسياحة والصناعة والخدمات.
المشروع الأبرز ضمن رؤية 2030 هو “نيوم” في شمال غرب السعودية، والذي يشمل مدينة “ذا لاين”، ومشروع “تروجينا” الجبلي، وجزيرة اليخوت “سندالة”، إضافة إلى برج “المكعب” الضخم في الرياض. لكن عدداً من هذه المشاريع تعرّض للتقليص أو التجميد بسبب ارتفاع التكاليف وتراجع الإيرادات النفطية. مشروع “ذا لاين” جرى تقليصه بشكل كبير، “سندالة” يواجه حالة عدم وضوح بشأن استكماله، و”المكعب” جرى تجميده بسبب كلفته المرتفعة.
التمويل يمثل التحدي الأكبر. بحسب صندوق النقد الدولي تحتاج السعودية إلى سعر يقارب 90 دولارًا لبرميل النفط لتحقيق التوازن المالي اللازم لتمويل خططها المستقبلية، وتصل هذه التقديرات إلى 94 دولارًا عند بعض الخبراء الماليين. في المقابل، سعر خام برنت يقل حاليًا عن 70 دولارًا، وكانت آخر مرة اقترب فيها من 90 دولارًا في أبريل 2024. هذا الفارق يضغط على الميزانية ويجبر الرياض على إعادة تقييم أولوياتها.
ورغم أن رؤية 2030 تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط، لا يزال الاقتصاد السعودي يعتمد عليه بشكل أساسي. في 2025 بلغ نمو الاقتصاد السعودي 4.5% وهو الأعلى في ثلاث سنوات، مدفوعًا بزيادة إنتاج النفط بنسبة 5.6%. الزيادة جاءت نتيجة رفع الإنتاج من 9 مليون برميل يوميًا في أبريل إلى 10 مليون برميل يوميًا اعتبارًا من سبتمبر وحتى نهاية العام. السعودية لم تقلص الإنتاج رغم تأثير ذلك على الأسعار، في ظل منافسة من النفط الأميركي، ومن النفط الإيراني والروسي منخفض السعر في الأسواق الآسيوية.
تطرح الأوساط السعودية تساؤلات حول حجم الإنفاق الذي يُقدَّر بمئات مليارات الدولارات الذي صُرِفَ حتى الآن على مشاريع رؤية 2030، في وقت تواجه فيه بعض هذه المشاريع تأخيرات كبيرًا وتجميدات وتقليصات في حجمها. وقد برز ذلك بوضوح بعد سحب استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029 من السعودية ونقلها إلى كازاخستان بسبب التأخير في تنفيذ مشروع “تروجينا”، الذي كان من المقرر إقامته في منطقة جبلية على ارتفاع 2,600 متر، ما أعاد فتح النقاش حول الجدوى الاقتصادية والقدرة على الالتزام بالجداول الزمنية.

لمواجهة نقص التمويل، لجأت الرياض إلى توسيع الاستثمارات الخارجية، حيث سُمح للمستثمرين الأجانب بشراء ملكية كاملة في بعض المناطق العقارية، وجرى فتح شركات عامة أمام استثمارات خارجية. كما عززت السعودية تعاونها الاقتصادي مع تركيا، ووقّعت اتفاقات استثمارية في سوريا بقيمة إجمالية تبلغ 10 مليارات دولار، تشمل تشغيل مطار حلب، ومشاريع تحلية ونقل مياه، ونشر ألياف بصرية، وتطوير شركة الكابلات السورية.
على الصعيد الدولي، حصلت السعودية في نوفمبر على موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدعم مشاريع طاقة نووية مدنية، من دون ربط ذلك بتطبيع العلاقات مع إسرائيل. ويأتي هذا التوجه في ظل اهتمام أميركي بتوسيع إنتاج الطاقة اللازمة لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، حيث يمكن للسعودية أن تكون شريكًا استثماريًا في هذا المجال. كما تعهد ولي العهد في مايو باستثمار تريليون دولار في الاقتصاد الأميركي، وهو تعهد يثير تساؤلات حول قدرة المملكة على تنفيذه في ظل الضغوط الحالية.
أما في ما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل، فقد تراجع الحديث عنه في الأشهر الأخيرة، مع تشدد سعودي في الخطاب الدبلوماسي. بعض التقديرات تربط هذا التراجع بالصعوبات الداخلية المرتبطة بتمويل رؤية 2030، وخشية الحكومة السعودية من الإقدام على مثل هذه الخطوة المثيرة للجدل في ظلّ تراجع ثقة الشارع السعودي برؤية 2030، ورغبتها في التركيز على الأولويات الاقتصادية حاليًا. لكن، في الوقت نفسه، تبقى مسألة التطبيع مرتبطة باعتبارات أوسع تشمل الدور الأميركي ومشاريع إقليمية مثل ممر IMEC من الهند إلى أوروبا، ما يجعل المسار مفتوحًا لكنه غير محسوم في المرحلة الحالية.
مقالات ذات صلة: لمواجهة الدولار.. هل تصدر دول الخليج عملة موحدة؟











