
قبل أسابيع من اندلاع الحرب مع إيران، تولى ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان رئاسة صندوق سيادي يدير أصولًا تقدر بنحو 300 مليار دولار. وبعد أشهر، بات الصندوق يؤدي دورًا محوريًا في تحرك إماراتي واسع لتقليص الاعتماد على مضيق هرمز وبناء طرق بديلة تضمن استمرار تدفق النفط والتجارة إلى الأسواق العالمية.
وبحسب تقرير لوكالة “بلومبرغ”، بات صندوق “لِعماد”، الذي يرأسه الشيخ خالد، أحد الأدوات الرئيسية في استراتيجية تطلق عليها أبوظبي اسم “صفر هرمز”، والتي تستهدف تطوير الموانئ والبنية التحتية ومسارات التجارة خارج المضيق. وتشير تقديرات نقلتها الوكالة عن مصادر مطلعة إلى أن الصندوق قد ينفق عشرات مليارات الدولارات على بنية تحتية جديدة للموانئ خارج هرمز.
ولا يعني رقم 300 مليار دولار أن هذه الأموال مخصصة لتنفيذ خطة “صفر هرمز”، بل يمثل تقديرًا لحجم الأصول التي يديرها “لِعماد”، الذي أصبح تحت رئاسة ولي العهد في وقت يتزايد فيه دوره في إدارة الملفات الاقتصادية والاستثمارية لأبوظبي.
من هو خالد بن محمد الذي يقود هذا التحول؟
الشيخ خالد هو نجل رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وعُيّن وليًا لعهد أبوظبي في عام 2023، كما يتولى رئاسة المجلس التنفيذي للإمارة.
وفي يناير الماضي، تولى رئاسة “لِعماد”، قبل أن تُضم أصول واستثمارات شركة “القابضة” (ADQ) إلى الصندوق. ونتيجة لذلك، أصبحت تحت مظلته محفظة واسعة تضم 25 شركة ومنصة استثمارية وأكثر من 250 شركة تابعة، وتشمل قطاعات الطاقة والطيران والموانئ والخدمات اللوجستية والسكك الحديدية والصحة والخدمات المالية.
وفي يوليو، ترأس الشيخ خالد اجتماعًا لمجلس إدارة الصندوق وأقر إطار عمله الاستثماري والتشغيلي، الذي يركز على قطاعات من بينها الطاقة والمرافق والموانئ والخدمات اللوجستية والطيران والصناعة والتطوير الحضري.
وبذلك، فإن توليه رئاسة “لِعماد” لا يمنحه الإشراف على محفظة مالية ضخمة فحسب، بل يضع تحت مظلة الصندوق شركات وبنى تحتية ترتبط مباشرة بالتحول الذي تريد أبوظبي تنفيذه في طرق نقل الطاقة والتجارة.
“صفر هرمز”
وتظهر أهمية هذا الدور بصورة خاصة في استراتيجية “صفر هرمز”. فالمضيق يمثل المنفذ البحري من الخليج إلى بحر عُمان والمحيط الهندي، ما يجعل حركة التجارة وصادرات الطاقة من موانئ الخليج عرضة للاضطراب عندما تتعطل الملاحة فيه.
وتسعى أبوظبي، بحسب بلومبرغ، إلى تقليل هذه المخاطر عبر زيادة قدراتها خارج المضيق، مع تركيز خاص على الفجيرة الواقعة على خليج عُمان، إلى جانب تطوير موانئ ومسارات تجارية وبنية تحتية تستطيع نقل النفط والسلع إلى الساحل الشرقي للإمارات.
ولا تعني الاستراتيجية بالضرورة توقف الإمارات عن استخدام مضيق هرمز، وإنما بناء قدرة تتيح لها تقليص اعتمادها عليه، بحيث لا يؤدي تعطله إلى توقف جزء كبير من صادراتها وتجارتها الخارجية.

الموانئ في قلب الخطة
ومن أبرز التحركات التي تكشف حجم التغيير الذي يقوده الصندوق مساعيه للاستحواذ الكامل على مجموعة موانئ أبوظبي وإخراجها من البورصة.
وكان “لِعماد”، من خلال “القابضة” (ADQ)، يملك 75.42% من المجموعة قبل أن يقدم عرضًا للاستحواذ على الأسهم المتبقية بسعر 6.25 درهم للسهم، في صفقة تقدر قيمة الشركة بنحو 31.8 مليار درهم، أي نحو 8.7 مليارات دولار. وبعد انتهاء فترة العرض، من المتوقع أن ترتفع حصة الصندوق إلى أكثر من 98.5%، على أن تتم تسوية الصفقة في موعد أقصاه 9 أكتوبر.
وتكتسب الخطوة أهمية تتجاوز عملية الاستحواذ نفسها. فبحسب بلومبرغ، من المتوقع أن ينفق الصندوق عشرات مليارات الدولارات الإضافية على بنية تحتية جديدة للموانئ خارج هرمز، ما يجعل مجموعة موانئ أبوظبي إحدى الأدوات التي يمكن استخدامها لتطوير طرق تجارية بديلة خلال السنوات المقبلة.
ويتركز اهتمام ولي العهد ومسؤولين كبار في أبوظبي، وفق المصادر التي تحدثت إليها الوكالة، بصورة خاصة على توسيع البنية التحتية في الفجيرة، التي تتمتع بأهمية استراتيجية لأنها تقع على الجانب الآخر من المضيق وتفتح مباشرة على خليج عُمان.
الإمارات لا تبدأ من الصفر
ورغم اتساع الخطط الجديدة، فإن فكرة الالتفاف على مضيق هرمز ليست جديدة بالنسبة إلى الإمارات.
فالدولة تمتلك بالفعل بنية تحتية تسمح بنقل جزء من نفط أبوظبي إلى الفجيرة من دون المرور عبر المضيق، وهو ما يمنحها ميزة لا تتوافر بالقدر نفسه لجميع منتجي النفط في الخليج.
لكن استراتيجية “صفر هرمز” تتجاوز نقل النفط وحده. فالمطلوب هو تطوير شبكة أوسع من الموانئ والخدمات اللوجستية ومسارات النقل قادرة على خدمة النفط والمنتجات الصناعية والسلع والتجارة الخارجية.
وهنا تبرز أهمية الجمع داخل “لِعماد” بين أصول في قطاعات مختلفة، من الموانئ والطاقة إلى الطيران والسكك الحديدية. فمحفظة الصندوق تضم، إلى جانب مجموعة موانئ أبوظبي، شركات كبرى مثل “طاقة” و”الاتحاد للطيران” و”قطارات الاتحاد”، ما يمنحه حضورًا مباشرًا في أجزاء مختلفة من منظومة البنية التحتية للإمارة.

ولي العهد ودور اقتصادي أكبر
وتأتي استراتيجية هرمز في وقت يتسع فيه الحضور الاقتصادي للشيخ خالد إلى جانب موقعه السياسي بصفته وليًا للعهد.
فإعادة ترتيب الأصول الحكومية تحت مظلة “لِعماد”، ثم التحرك لتعزيز السيطرة على شركات استراتيجية، يضعان الصندوق في موقع مؤثر في تنفيذ مشروعات طويلة الأجل لأبوظبي.
وتشير بلومبرغ إلى أن الصندوق أصبح أداة رئيسية في مساعي الإمارة لتقليل اعتمادها على المضيق، في وقت أعادت فيه الحرب مع إيران إبراز المخاطر التي يمكن أن يفرضها الموقع الجغرافي على اقتصادات الخليج.
وبهذا المعنى، لا تقتصر قصة “صفر هرمز” على إنشاء موانئ أو خطوط نقل جديدة. فهي تكشف أيضًا عن الدور الاقتصادي المتنامي لولي عهد أبوظبي، الذي بات يشرف على صندوق يضم شركات كبرى في الموانئ والطاقة والنقل، وعن الطريقة التي توظف بها الإمارة أصولها السيادية الضخمة لإعادة رسم طرق وصول نفطها وتجارتها إلى العالم وتقليص أحد أبرز المخاطر الجغرافية التي تواجه اقتصادها.











