
هناك أشياء كثيرة يمكنها تحريك أسواق الأسهم، بدءاً من البيانات الاقتصادية، مروراً بإعلانات البنك الفيدرالي، ووصولاً إلى تطورات الشركات المختلفة. ولكن في الأشهر الـ 15 الماضية، كان وضع المستثمرين في وول ستريت يعتمد بشكل أساسي على مزاج شخص واحد: رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب.
منذ توليه منصبه في يناير الماضي، كانت تصريحات ترامب للصحفيين خلال لقاءاته بهم بالمكتب البيضاوي وفي مؤتمرات صحفية رسمية، وكذلك منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، محركاً مهماً وراء أفضل وأسوأ خمسة أيام لمؤشر S&P 500، وفقاً لتحليل أجرته شركة “فاندسترات ريسيرتش”. وهذا تأثير لم يسبق له مثيل لأي رئيس أمريكي حديث آخر.
“إنه يمسك السوق من خناقه”، تقول هارديكا سينغ، الاستراتيجية الاقتصادية في “فاندسترات”. “لا ينبغي أن يكون للرئيس مثل هذه السيطرة على وضع سوق الأسهم. هذا أمر غير مسبوق حقاً”.
توضّح الحرب في إيران بشكل مثالي كيف تُحرِّك إدارة ترامب سوق الأسهم في الولايات المتحدة. فقد سجل مؤشر S&P 500 أسرع انخفاض وتعافٍ على شكل حرف (V) منذ عام 2020؛ حيث انخفض بنسبة 9% من الذروة التي سجلها في 27 يناير إلى مستوى يقترب من التصحيح التقني (Technical Correction) في 30 مارس، ثم عاد وارتفع إلى مستويات قياسية خلال 11 يوم تداول.

ويتضح تأثير كلمات الرئيس بشكل أكبر عند فحص أيام تداول معينة. فقد انخفض مؤشر S&P 500 بنسبة 1.5% في 20 مارس، عندما قال ترامب إنه لا يريد وقف لإطلاق النار مع إيران. بعد ذلك، في 31 مارس، قفز المؤشر بنسبة 2.9% في أفضل يوم له منذ مايو وقفز أيضاً في بقية أيام الأسبوع، بعد أن قال ترامب للمراسلين إن المفاوضات مع إيران تتقدم بشكل جيد وإن الحرب قريبة من النهاية. وهناك أمثلة أخرى كثيرة.
ليست أسواق الأسهم وحدها هي التي تتاثر بكلمات ترامب؛ فقد سجلت أسعار السلع الأساسية مؤخراً ارتفاعات وانخفاضات حادة على خلفية تصريحاته، كما ارتفع مستوى التقلبات في سوق النفط إلى مستويات لم نشهدها منذ جائحة كورونا.
إن تصريحات ترامب المتقلبة بخصوص الحرب جعلت منه “مضرم الحرائق ومطفئها في آن واحد”، على حد قول ألكسندر ألتمان، رئيس قسم استراتيجيات الأسهم العالمية في بنك باركليز.
“هذا أمر غير مسبوق”
تشبه ردود فعل السوق هذه الانهيارات التي حدثت في العام الماضي نتيجة الإعلان عن الرسوم الجمركية والتعافي الذي أعقب ذلك. في كلتا الحالتين، كانت التقلبات ناجمة عن تغيرات في سياسة ترامب. والآن، باتت “وول ستريت” تتوقع بالفعل تقلبات في سياسات ترامب تظهر في خطاباته وتصريحاته يوماً بعد يوم.
“لقد اعتاد المستثمرون، بشكل منطقي ومبرّر، على أنه إذا ساء الوضع تماماً، خاصة إذا كان ذلك بسبب قرارات اتخذتها الإدارة الأمريكية… اعتادوا على انتظار تغريدة لترامب تقول ‘في الحقيقة، كل شيء على ما يرام'”، يقول روس مايفيلد، استراتيجي استثمارات في “بيرد برايفت ويلث مانجمنت”.
تأثير ترامب على سوق الأسهم ليس جديداً؛ فالارتفاعات والانخفاضات الأكثر حدة في مؤشر S&P 500 تنتج عادة عن مزيج من عوامل جزئية وكلية، وتعد سياسة إدارة ترامب إحداها. لكن ما يختلف في ولاية ترامب الثانية هو أن تقلبات السوق أصحبت مرتبطة مباشرة بمنشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي وتصريحاته.
“لم أرَ من قبل سوقاً يندفع بهذا الشكل وراء تصريحات البيت الأبيض اليومية”، يقول استراتيجي الأسواق المخضرم إد يارديني من شركة “يارديني ريسيرتش”. “ترامب يتحدث كل يوم، وفي كل يوم يقول شيئاً يؤثر على السوق”.
الجميع على دراية بهوس ترامب بسوق الأسهم ورؤيته له كـ”مقياس لنجاحه الشخصي” حتى قبل بدء ولايته الثانية. فالحسابات الرسمية للبيت الأبيض تنشر عن تقلبات السوق، وتنشر رسوماً بيانية متحركة للإشادة بالمستويات القياسية لمؤشر S&P 500، أو تدعو مستثمري “وول ستريت” إلى عدم الذعر عندما تثير تصريحات ترامب أو قراراته المخاوف. حتّى إن ترامب دعا المستثمرين صراحةً إلى شراء الأسهم. “إذا نظرنا مرة أخرى إلى البيانات، نجد أن هذا لم يحدث أبداً في الماضي”، تقول سينغ. “هذا جنون مطلق في نظري”.

ومن بين أفضل أيام مؤشر S&P 500 في ولاية ترامب الحالية كان يوم 9 أبريل 2025، حيث قفز المؤشر بنسبة 9.5% عندما جمّد الرسوم الجمركية، و12 مايو 2025 الذي سجل ارتفاعاً بنسبة 3.3% عندما اتفقت الولايات المتحدة والصين على وقف التصعيد التجاري لمدة 90 يوماً في الحرب التجارية. من ناحية أخرى، شملت أسوأ الأيام هبوطاً بنسبة 6% في 4 أبريل 2025 عندما ردت الصين بفرض رسوم جمركية انتقامية على الولايات المتحدة، وانخفاضاً بنسبة 4.8% في 3 أبريل بعد أن طبق ترامب الرسوم الجمركية لأول مرة.
يدعي بعض الخبراء بالطبع أن العلاقة بين السوق وما يقوله ترامب هو مجرد أمر عرضي ونتيجة لكثرة تصريحات ترامب. “إذا فحصنا مؤشرات التقلب، سنرى أنها تتعارض مع فكرة أن السوق أكثر اضطراباً تحت حكم ترامب مما كان عليه في الإدارات السابقة”، يقول ألتمان من “باركليز”. مؤشر VIX، المعروف بـِ”مؤشر الخوف”، بلغ طوال فترة ولاية كل رئيس أمريكي منذ بدء القياس في عام 1990 متوسطًا قدره 19.3، تماماً كما هو الحال خلال الولاية الثانية لترامب حتى الآن، وكذلك خلال فترة سلفه جو بايدن، وفقاً لتحليله.
“صحيح أن العالم ينجذب إلى أساليب التواصل غير التقليدية للرئيس، ويتوقع بسببها الكثير من التقلبات، ولكن في الواقع تتصرف الأسواق بشكل متسق مع الأنماط التاريخية”، يقول ألتمان. “الوسيلة — أي المنشورات المتكررة على وسائل التواصل الاجتماعي — التي يُعلِّق من خلالها على الأخبار هي التي تغيرت، مقارنة بالرؤساء السابقين، وليس شدة الاستجابة”.
أدى صعود الاستثمارات السلبية إلى جعل السوق أكثر استجابة للأخبار بشكل عام، سواء كانت تصريحات الرئيس أو تقريراً ربع سنوي مفاجئاً لشركة ما، كما يقول مايكل جرين، مدير الاستثمارات والاستراتيجي الرئيسي في شركة “سيمبليفاي أست مانجمنت”. وبحسب ما يعتقد، فإن الحواسيب التي تدير محافظ الاستثمار السلبية مبرمجة على بيع أو شراء الأصول بناءً على العناوين الإخبارية، وهذا ما يسبب التقلبات في المؤشرات الأوسع. وبتقديره، فإن الأسواق باتت تستجيب أكثر بأربع أو خمس مرات مما كانت عليه في الماضي. “التقلبات في عهد ترامب مرتبطة بحقيقة أنه يتحدث بوتيرة أعلى”، يقول جرين.
المقال مترجم ومنشور في وصلة بإذن خاص من The Marker










