
يتجه اقتصاد غزة نحو مزيد من التدهور في ظل تراجع واضح في تدفق السلع مقابل طلب مرتفع، نتيجة القيود المفروضة على المعابر واضطراب حركة الواردات. هذا الواقع ينعكس مباشرة على توفر السلع في السوق وعلى القدرة الشرائية للسكان، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد المحلي بشكل شبه كامل على ما يدخل عبر المعابر دون وجود قدرة حقيقية على التعافي الذاتي.
الممثل “السامي” لغزة في مجلس السلام نيكولاي ملادينوف قال إن 602 شاحنة دخلت إلى القطاع يوم الخميس، واعتبر ذلك نموذجًا يجب أن يتحول إلى معيار يومي، إلا أن الأرقام الفعلية تشير إلى فجوة كبيرة بين التصريحات الدولية والواقع الفعلي، إذ إن عدد الشاحنات التي دخلت في ذلك اليوم بلغ 207 فقط، وهو ما يعكس سردية مضللة متماهية مع الرواية الإسرائيلية.
خلال الأيام التسعة الأولى من أبريل، بلغ إجمالي الشاحنات التي دخلت غزة 1020 شاحنة، منها 416 شاحنة تجارية و604 شاحنات مساعدات. هذا الرقم يعادل احتياج يوم واحد فقط، حيث تشير التقديرات إلى أن القطاع يحتاج إلى نحو 1000 شاحنة يوميًا لتلبية الحد الأدنى من الطلب. في المقابل، ينص البروتوكول الإغاثي على دخول 600 شاحنة يوميًا، ما يعني أن الكميات الفعلية لا تتجاوز ثلث هذا المستوى ولا تقترب من الاحتياج الحقيقي.
تفاصيل الحركة اليومية تظهر تذبذبًا حادًا. يوم 9 أبريل سجل أعلى عدد بدخول 207 شاحنات، منها 129 شاحنة تجارية و78 شاحنة مساعدات. يوم 6 أبريل و7 أبريل دخَل في كل منهما 171 شاحنة. في المقابل، لم تدخل أي شاحنات يوم 3 أبريل، بينما اقتصر يوم 2 أبريل على دخول 59 شاحنة مساعدات فقط دون أي نشاط تجاري. هذا التذبذب يعمّق حالة عدم الاستقرار في السوق ويصعّب على التجار والسكان التكيّف مع الوضع.
مصدر تجاري أوضح لصحيفة العربي الجديد أن الأرقام التي يتم تداولها دوليًا تستند إلى بيانات صادرة عن وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية COGAT، والتي تعتمد طريقة حساب تقوم على توزيع الحمولة على عدد أكبر من الشاحنات، ما يؤدي إلى تضخيم الأرقام الفعلية لعدد الشاحنات الحقيقي التي تدخل القطاع فعلًا. بحسب هذا التفسير، فإن الفجوة بين 602 شاحنة المعلنة و207 الشاحنات الفعلية تعود إلى اختلاف طريقة الحساب، وليس إلى زيادة حقيقية في عدد الشاحنات.
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أكد أن تصريح ملادينوف غير دقيق، مؤكدًا أن العدد الفعلي هو 207 شاحنات فقط، محذرًا من أنّ هذا التباين في الأرقام يؤثر على تقييم الوضع الإنساني والاقتصادي، وعلى قرارات الجهات الدولية المتعلقة بالمساعدات والتدخلات.
من الناحية الاقتصادية، أشار المختص عماد لبد في حديثه للعربي الجديد إلى أن عدد الشاحنات التجارية والإغاثية انخفض منذ بداية مارس بنسبة 39%، وهو ما يعني تراجع المعروض في السوق بوتيرة سريعة مقابل بقاء الطلب مرتفعًا. هذا الوضع يؤدي مباشرة إلى نقص السلع وارتفاع الأسعار، إضافة إلى توسع نشاط السوق السوداء وزيادة عمليات الاحتكار والمضاربة.
لبد أوضح أيضًا أن المؤشرات الاقتصادية في غزة تعكس وضعًا حرجًا، حيث تتجاوز نسبة البطالة 80%، ويزيد معدل الفقر عن 90%، في وقت تعتمد فيه 95% من الأسر على المساعدات. في ظل هذه المعطيات، فإن أي انخفاض إضافي في تدفق السلع لا ينعكس فقط على النشاط الاقتصادي البحت في السوق، بل يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والمعيشي للسكان.










