الثلاثاء, أبريل 7, 2026 22:19
/
/
بين مطرقة التضخم وسندان الركود: الاقتصاد العالمي “عالق” في مضيق هرمز

بين مطرقة التضخم وسندان الركود: الاقتصاد العالمي “عالق” في مضيق هرمز

ماذا تقول لنا حركة السندات الحكومية عن السيناريوهات الاقتصادية التي تنتظرنا والناجمة عن أزمة مضيق هرمز؟ وما هو السيناريو الأكثر خطورة والذي قد يرافقه انخفاض الناتج العالمي 0.5% وارتفاع الأسعار في نفس الوقت 0.9%؟
أيقون موقع وصلة Wasla
Strase von Hormuz
مضيق هرمز، الصورة: ويكيميديا

 

تواجه الأسواق العالمية حالة عدم استقرار واضحة منذ اندلاع الحرب الجارية مع إيران، في ظل تعطل كبير في حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى خلل فعلي في إمدادات الطاقة. هذا التعطل انعكس مباشرة على أسعار النفط وعلى توقعات المستثمرين، وأعاد طرح سيناريو اقتصادي مقلق يجمع بين ارتفاع الأسعار وضعف النمو في آن واحد.

بحسب تقرير لصحيفة “ذي إيكونوميست” انعكست هذه التطورات بسرعة في سوق السندات، الذي يُعد من أهم المؤشرات على اتجاه الاقتصاد العالمي. العائد على السندات الحكومية الأمريكية لأجل 10 سنوات، الذي يشكّل مرجعًا لتسعير الفائدة حول العالم، كان أقل من 4% في 27 فبراير، ثم ارتفع إلى 4.4% في 27 مارس، قبل أن يتراجع إلى 4.3% خلال الفترة الأخيرة. ارتفاع العائد على السندات الأمريكية من أقل من 4% إلى 4.4% يعني أن الاقتراض أصبح أغلى. الحكومات ستدفع فائدة أعلى عندما تقترض، والشركات ستواجه تكلفة أعلى لتمويل نشاطها، والناس سيدفعون فائدة أعلى على القروض، خاصة قروض شراء المنازل. بعد ذلك تراجع العائد إلى 4.3%، ما خفف الكلفة قليلًا، لكنها بقيت أعلى من مستواها قبل الحرب.

الارتفاع لم يقتصر على الولايات المتحدة، بل شمل دولًا أخرى. في بريطانيا وصل العائد على السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى 5.1% في 23 مارس، وهو أعلى مستوى منذ 2008. في ألمانيا وصل هذا العائد إلى 3.1%، وهو الأعلى منذ أزمة ديون منطقة اليورو، وفي اليابان بلغ 2.4% لأول مرة منذ 1997. هذه الأرقام تعني أن الاقتراض أصبح أغلى على الحكومات في هذه الدول، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة المخاوف من التضخم.

تقلب العائد على السندات الحكومية ناتج عن صراع بين اتجاهين. من جهة، هناك تقدير بأن عودة تدفق النفط قد تؤدي إلى انخفاض الأسعار، ما يدفع العائد على السندات إلى الانخفاض. ومن جهة أخرى، هناك مخاوف من استمرار تعطل تدفق النفط، ما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهذا يدفع العائد على السندات إلى الارتفاع. هذا التناقض هو ما يجعل العائد يرتفع وينخفض خلال فترة قصيرة.

ارتفاع أو انخفاض العائد على السندات الحكومية ناتج عن سلوك المستثمرين أنفسهم، فعندما يتوقعون حصول تضخم، يقومون ببيع السندات، ما يؤدي إلى انخفاض أسعار السندات وبالتالي يرتفع العائد عليها لأن سعرها أصبح أرخص وبقيت الفائدة عليها ثابتة. وعندما تزداد المخاوف من تباطؤ اقتصادي، يتجهون إلى شراء السندات، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها وانخفاض العائد عليها لأن سعرها أصبح أعلى. هذه الحركة بين البيع والشراء من قبل المستثمرين هي السبب المباشر في تذبذب عوائد السندات، الذي يجعل العائد يرتفع ثم ينخفض خلال فترة قصيرة.

وبحسب التقرير، لم لم يكن التأثير واحدًا على الدول، بل ارتبط بدرجة اعتماد اقتصاد كل دولة على استيراد الطاقة. بريطانيا كانت الأكثر تأثرًا، حيث ارتفعت توقعات التضخم لديها 2% للفترة 2026–2027، كما ارتفعت عوائد السندات لديها أكثر من 0.4% منذ بداية العام، وهي أكبر زيادة بين دول مجموعة السبع. الهند تأثرت أيضًا بشكل واضح بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، ما جعلها أكثر عرضة لارتفاع الأسعار. في المقابل، كان التأثير محدودًا في كندا، حيث ارتفعت توقعات التضخم 0.3% فقط، ولم تشهد عوائد السندات لديها تغييرات كبيرة.

في ما يتعلق بالنمو الاقتصادي، كانت التغيرات في التوقعات أقل حدة في البداية، لكن المزاج في الأسواق تغيّر سريعًا. في المراحل الأولى، سادت توقعات بأن الفيدرالي الأمريكي قد يتجه إلى وقف خفض الفائدة وربما رفعها لمواجهة الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة. لاحقًا، عادت الأسواق لتسعير سيناريو خفض الفائدة من جديد، في ظل تزايد المخاوف من تباطؤ النشاط الاقتصادي.

هذا الوضع يضع البنوك المركزية في موقف صعب. رفع الفائدة لن يحل مشكلة نقص النفط، لأن السبب هو تعطل الإمدادات بسبب الحرب، وليس زيادة الطلب. وفي المقابل، خفض الفائدة في وقت ترتفع فيه الأسعار قد يؤدي إلى زيادة التضخم أكثر. لذلك، أي قرار تتخذه البنوك المركزية الآن يحمل مخاطر واضحة.

التقديرات الحالية تفترض أن التعطل في إمدادات الطاقة سيبقى محدودًا من حيث المدة الزمنية، وأن الأوضاع قد تبدأ بالتحسن خلال أسابيع. لكن في حال استمر التعطل لفترة أطول، فإن التأثير سيكون أعمق، حيث من المتوقع أن ينخفض الناتج العالمي 0.5% خلال العام المقبل، وأن ترتفع الأسعار 0.9%. في هذه الحالة، سيواجه الاقتصاد العالمي وضعًا معقدًا يجمع بين تضخم مرتفع ونمو ضعيف، وهو السيناريو الذي يفسر حالة القلق المستمرة في الأسواق.

مقالات مختارة

Skip to content