
منذ سنوات، وبحسب تقارير حديثة أيضاً، بات معروفاً أن إيران توفّر لنفسها عملات أجنبية بقيمة مليارات الدولارات سنوياً عبر تعدين العملات الرقمية، وبالأخص البيتكوين، دون أن تملك الدول الغربية حتى الآن القدرة على إيقافها.
حيث يقوم الحرس الثوري الإيراني بتشغيل مراكز (مزارع حواسيب) لتعدين العملات الرقمية، مع تزويدها بالكهرباء بأسعار شبه مجانية، حتى وإن كان المواطنون الإيرانيون يعانون من انقطاعات في التيار الكهربائي وأزمة طاقة. فالكهرباء الرخيصة هي العنصر الأهم في تعدين البيتكوين؛ فإذا كانت مكلفة يصبح التعدين غير مجدٍ وتتجاوز تكلفة الكهرباء قيمة الإنتاج، أما إذا كانت رخيصة فقد تكون الأرباح هائلة.
وبعد عملية التعدين، تحوَّل عملات البيتكوين الجديدة إلى محافظ ومنصات مختلفة لتداول الكريبتو. وفي الوقت الذي تراه السلطات الإيرانية مناسباً، يتم تحويل هذه العملات إلى الدولار أو عملات حقيقية أخرى، لتستخدمها الدولة في احتياجاتها، كشراء الأسلحة مثلاً. وحتى الآن، كان من الصعب جداً على إسرائيل والولايات المتحدة ودول أخرى تعطيل آلة الأموال هذه التي تعمل بعيدًا عن الأضواء.

لكن الآن، ومع تحليق مئات الطائرات المقاتلة الأمريكية والإسرائيلية في سماء إيران، هل سيتم اتخاذ قرار بقصف مراكز بيانات تعدين البيتكوين أيضاً، إذا افترضنا أن أجهزة الاستخبارات تعرف مواقعها؟ هذا السؤال يثير الاهتمام في سياق العمليات الرامية لإضعاف النظام الإيراني والحرس الثوري، ويهم بالتحديد من يمتلكون بيتكويون والمتداولين حول العالم.
هل سيؤدي شلل آلة تعدين البيتكوين الإيرانية، على سبيل المثال، إلى نقص في العملات الرقمية بالسوق، وبالتالي يتسبب في ارتفاع مفاجئ في قيمتها؟
الارتباط الإيراني
لا يُعرف الكثير عن البنية التحتية الإيرانية لتعدين البيتكوين، أو على الأقل لم تُنشر معلومات دقيقة كافية بهذا الشأن. وتُشير التقديرات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي إلى أن إيران مسؤولة عن 15% من الإنتاج العالمي للبيتكوين، ولتوفير الكهرباء اللازمة لهذا الحجم من الإنتاج، يتطلب الأمر طاقة تعادل الطاقة التي تُنتجها محطتين نوويتين، وذلك بناءً على أسعار البيتكوين الحالية.
أما فيما يتعلق بمواقع تعدين البيتكوين، فقد نُشرت تفاصيل تشير إلى وجودها داخل أو بالقرب من محطات الكهرباء، وفي الملاعب الرياضية، والمصانع المهجورة، ومعسكرات الجيش، والمباني العامة، والأنفاق تحت الأرض، وحتى داخل المجمعات التابعة للمساجد التي تتمتع في إيران بأسعار كهرباء منخفضة.
المعروف بشكل أوضح هو حركة البيتكوين والعملات الرقمية المرتبطة بجهات يُعتقد أن لها صلة بالحرس الثوري. فقد أفاد تقرير في “نيويورك تايمز” الأسبوع الماضي بأن تحقيقًا داخليًا (ربما فُتح بطلب من إسرائيل) في منصة بينانس، أكبر منصة تداول عملات رقمية في العالم، كشف عن 1500 حساب يُشتبه في ارتباطها بالسلطات الإيرانية، وأن حسابين من بينها شهدا تحويلات خلال 2024–2025 بلغت 1.7 مليار دولار.
وبحسب التقرير، جرى تحويل جزء من هذه الأموال إلى حسابات مرتبطة بالحوثيين في اليمن. وفي خطوة أثارت تساؤلات، قررت باينانس إنهاء عمل عدد من موظفي الفريق الذي كشف هذه المعطيات، وهو قرار قد يكون مرتبطًا بالشبهات التي أثيرت سابقًا حول علاقات المنصة بإيران وجهات أخرى مصنفة كمنظمات إرهابية. من جانبها، أكدت باينانس أن التحقيق ما زال ساريًا.

كُشف النقاب عن “الارتباط الإيراني” بعد وقت قصير من منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عفواً لمؤسس منصة بينانس والرجل القوي فيها، تشانبينج جاو، الذي أُدين سابقاً بغسيل الأموال وحُكم عليه بالسجن أربعة أشهر؛ وذلك في أعقاب الكشف عن علاقات تجارية بين المنصة وشركات كريبتو مرتبطة بأبناء ترامب.
وفي سياق هذه القضية، تعهدت منصة بينانس بتشديد رقابتها على أنشطة جهات مختلفة، بما في ذلك تلك المرتبطة بإيران.
وبعيداً عن شبهات التورط الإيراني في تحويلات الكريبتو عبر جهات يُفترض أنها خاضعة للرقابة، أثار احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران نقاشاً حول تأثير هذه الأحداث على سعر البيتكوين. وخلال التداولات، استجاب البيتكوين للهجوم الأميركي الإسرائيلي حيث تراجع لمستوى 65 ألف دولار وقت كتابة هذه السطور.
“الذهب الرقمي” يفقد نصف قيمته
بعد سنوات من الترويج للبيتكوين بصفته “ذهباً رقمياً” قادراً على حماية المستثمرين من مخاطر الأسواق المالية التقليدية، أثبتت العملة الرقمية خلال العام الماضي أنها ليست كذلك.
فبينما قفز سعر الذهب بنسب كبيرة نتيجةً للسياسات الاقتصادية الفوضوية للرئيس ترامب والمخاوف من تراجع قيمة الدولار، كان البيتكوين اسثتمارًا مرتفع المخاطر، حيث يرتفع وينخفض بارتباط وثيق مع الأصول الأكثر تقلباً في سوق الأسهم. ومؤخراً، بالتزامن مع هبوط أسهم شركات التكنولوجيا، تراجع سعر البيتكوين من ذروة 126 ألف دولار العام الماضي إلى مستواه المتدني الحالي، ليفقد بذلك نحو نصف قيمته.
وفي إطار النقاشات على منصات التواصل الاجتماعي حول تأثير الهجوم الأمريكي على سعر البيتكوين، ذهب البعض إلى أن استهداف مراكز التعدين الإيرانية قد يقلّص من المعروض من البيتكوين في السوق، ما قد يؤدي إلى ارتفاع سعرها.
وفي المقابل، جادل آخرون بأن الأثر قد يكون عكسياً؛ إذ سيسعى كبار المسؤولين في النظام الإيراني لتسييل ما يملكونه من بيتكوين وتحويله إلى عملات أجنبية لتهريبها خارج إيران، ما سيؤدي إلى زيادة المعروض من العملة الرقمية.
ومع ذلك، رأى أغلب المشاركين في هذه النقاشات أن الحرب في إيران والاحتمالات القائمة لضرب مراكز التعدين لن يكون لها سوى تأثير هامشي على عرض البيتكوين وطلبه. والسبب في ذلك هو أن تعطيل عدد قليل من المنشآت لن يؤثر جوهرياً على إجمالي المعروض العالمي، كما أن عوامل أخرى — كاتجاهات أسواق الأسهم بشكل عام ومستوى شهية المخاطرة لدى المستثمرين — تظل هي الأكثر هيمنة في تحديد سعر العملة الرقمية.
المقال مترجم ومنشور في وصلة بإذن خاص من The Marker.










