الثلاثاء, فبراير 10, 2026 00:26
/
/
الاقتصاد في عصر ترامب وتراجع الدولار: لماذا فقد الاقتصاديون القدرة على التنبؤ؟

الاقتصاد في عصر ترامب وتراجع الدولار: لماذا فقد الاقتصاديون القدرة على التنبؤ؟

هل يحتاج العالم إلى أدوات اقتصادية جديدة؟ وهل يمكن التنبؤ في وقت يوجد فيه رئيسٌ مثل ترامب على قمة أكبر اقتصاد في العالم؟
أيقون موقع وصلة Wasla
wasla brands
ترمب يعرض مخططًا للرسوم الجمركية المتبادلة- الصورة: صفحة البيت الأبيض على موقع فليكر
ترمب يعرض مخططًا للرسوم الجمركية المتبادلة- الصورة: صفحة البيت الأبيض على موقع فليكر

 

يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة غير مألوفة من الغموض، حيث باتت المؤشرات التي اعتمد عليها الاقتصاديون لعقود طويلة عاجزة عن إعطاء إشارات واضحة حول اتجاه النمو أو مخاطر الركود. تقارير اقتصادية تظهر نتائج قوية في وقت يسود فيه تشاؤم عام، وأسواق تواصل الصعود رغم أزمات سياسية وتجارية، ودولار يتراجع رغم الظروف التي كانت تدعمه تاريخيًا. هذا التناقض خلق حالة ارتباك واسعة حتى بين أهم الخبراء الاقتصاديين.

بحسب صحيفة نيويورك تايمز، تجلّى هذا الارتباك مؤخرًا في تقارير دولية أشارت إلى أن النمو العالمي جاء أفضل من التوقعات، في وقت كانت معظم التقديرات الاقتصادية السابقة ترجّح تباطؤًا أو حتى ركودًا. التوقعات الخاطئة لم تعد استثناءً، بل تحولت إلى ظاهرة متكررة، ما طرح سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كانت الأدوات التقليدية لفهم الاقتصاد ما زالت صالحة.

wasla brands

أحد أبرز الأمثلة على هذا الارتباك يظهر في سلوك المستهلكين، وخصوصًا في الولايات المتحدة. فعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي تظهر تشاؤمًا واسعًا وانخفاضًا في ثقة المستهلكين إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من عقد، فإن الإنفاق الاستهلاكي لم يتراجع، بل استمر في الارتفاع. هذا التناقض بين الشعور العام والسلوك الفعلي أربك المحللين الذين اعتادوا الربط المباشر بين التشاؤم وتراجع الاستهلاك.

الأمر نفسه ينطبق على الأسواق المالية. فأسواق الأسهم واصلت الصعود رغم وجود عوامل كان يُفترض أن تؤدي إلى تقلبات حادة، مثل النزاعات التجارية، تغيّر السياسات الاقتصادية بشكل مفاجئ، التوترات الجيوسياسية، وارتفاع مستويات الدين. وأصبح عدم تأثر الأسواق بشكل كبير بهذه الأزمات أمرًا لافتًا بحد ذاته، يحتاج بدوره إلى دراسة.

حتى الشركات لم تتصرف كما تقول كتب الاقتصاد. فعدم اليقين عادةً ما يؤدي إلى تجميد الاستثمارات، لكن الاستثمارات التجارية بقيت مرتفعة، ولم يحصل التراجع المتوقع. هذا الواقع يناقض الفرضية الكلاسيكية التي تعتبر أن الغموض الاقتصادي يؤثرًا سلبيًا وبشكل فوري على قرارات التوسع والإنفاق.

وبحسب التقرير، يرجع جزء كبير من هذا الغموض إلى تغيّرات كبيرة مرّ بها الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة. البداية كانت مع جائحة كورونا، التي سببت صدمة واسعة للاقتصادات حول العالم وأربكت سلاسل الإنتاج والتجارة. بعد ذلك، تغيّرت خارطة التجارة العالمية، مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت، الذي تبنى سياسة اقتصادية اعتمدت على رفع الرسوم الجمركية والنهج التصادمي بدل التعاون والامتثال للقواعد القديمة. هذه التحولات المتسارعة كسرت الأنماط القديمة التي كان الاقتصاديون يعتمدون عليها لفهم الاقتصاد والتنبؤ بمساره.

حتى المؤشرات الاقتصادية التقليدية التي كان الاقتصاديون يعتمدون عليها بثقة عالية لم تعد تعطي نتائج دقيقة. ارتفاع البطالة المفاجئ لم يعد إشارة مؤكدة على ركود قريب، وبعض النماذج التي تنبأت بحدوث ركود في عام 2024 أخفقت بالكامل. كذلك، فإن منحنى عوائد السندات، الذي كان يُنظر إليه كجرس إنذار مبكر، أعطى إشارات خاطئة خلال السنوات الأخيرة.

أما الدولار، الذي كان يقوى عادة في فترات القلق الاقتصادي، فقد انخفض هذه المرة. ويعزو التقرير هذا التراجع إلى الرسوم الجمركية المرتفعة، وإلى قلق الأسواق من تدخل سياسي قد يحدّ من استقلالية الاحتياطي الفدرالي، وهو ما يثير مخاوف من ارتفاع التضخم.

مع ذلك، هذا لا يعني أن ما يحدث بلا تفسير بشكل كامل. إذ يعزو التقرير استمرار الاستهلاك بشكل أساسي إلى فئة صغيرة من أصحاب الدخل المرتفع، الذين يواصلون الإنفاق رغم القلق الاقتصادي. في المقابل، غيّرت شرائح سكانية أضعف اقتصاديًا طريقة إنفاقها، فاتجهت إلى المتاجر الأرخص وقلّلت الصرف على المطاعم والخدمات. هذا يدل على أن الناس قلقون من ارتفاع الأسعار، لكنهم لم يتوقفوا عن الشراء بالكامل.

في المحصلة، يخلص التقرير إلى أن الاقتصاد اليوم أصبح أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتنبؤ باستخدام القواعد البسيطة التي اعتاد عليها الاقتصاديون. التغيرات البنيوية، وتسارع الأحداث السياسية، وتبدل سلوك المستهلكين والشركات، كلها عوامل تجعل التنبؤ الدقيق أصعب من أي وقت مضى. في عصر ترامب وتراجع الدولار، لم تعد المشكلة في نقص البيانات، بل في أن العالم يتغير بوتيرة أسرع من قدرة أدواتنا الاقتصادية على مواكبته.

مقالات ذات صلة: ماذا سيحدث لو أوفت إيران بوعدها بإغلاق مضيق هرمز؟

wasla brands
wasla brands

مقالات مختارة