
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستستولي على ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط الخام الفنزويلي الخاضع للعقوبات، بقيمة تتراوح بين 1.8 و3 مليارات دولار وفق أسعار السوق الحالية. ترامب قال صراحة إن هذا النفط سيُنقل إلى الولايات المتحدة ويُباع بسعر السوق، وإن العائدات ستكون تحت سيطرته المباشرة بصفته رئيسًا للولايات المتحدة، بذريعة استخدامها لـ”مصلحة الشعبين الأميركي والفنزويلي”، في خطوة أثارت غضبًا واسعًا في الصين وقلقًا دوليًا من سابقة غير مسبوقة في السيطرة على موارد دولة عضو في أوبك.
النفط الذي تتحدث عنه الإدارة الأميركية هو نفط فنزويلي كان عالقًا منذ منتصف ديسمبر في ناقلات ومرافق تخزين، بعد أن فرضت واشنطن حصارًا مشددًا على صادرات فنزويلا في إطار حملة ضغط ضد حكومة الرئيس نيكولاس مادورو، انتهت هذا الأسبوع باختطافه على يد قوات أميركية خاصة. هذا التطور دفع الحكومة الفنزويلية المؤقتة، برئاسة ديلسي رودريغيز، إلى السير على حبل رفيع بين التنديد العلني بالـ”بلطجة” الأمريكية، وبين فتح قنوات تعاون نفطي مع واشنطن تحت التهديدات الأمريكية.
عمليًا، تعني الخطوة الأميركية تحويل شحنات نفط كانت مخصصة في الأساس للصين إلى السوق الأميركية. الصين كانت خلال العقد الأخير المشتري الأكبر للنفط الفنزويلي، خصوصًا منذ فرض العقوبات الأميركية عام 2019، إذ اعتمدت مصافيها المستقلة على الخام الفنزويلي الثقيل منخفض السعر. بيانات شركة كبلر تشير إلى أن الصين استوردت في عام 2025 قرابة 389 ألف برميل يوميًا من النفط الفنزويلي، ما يعادل حوالي 4% من إجمالي وارداتها المنقولة بحرًا. كما أن فنزويلا مدينة للصين بـِ10 مليارات دولار، تُسدَّد عبر شحنات نفط تُنقل على متن ناقلات عملاقة مشتركة الملكية بين البلدين.
السيطرة الفعلية على تدفق النفط بين فنزويلا والولايات المتحدة باتت اليوم بيد شركة شيفرون الأميركية، التي أصبحت الشركة الغربية الوحيدة المصرح لها أميركيًا بتصدير النفط من فنزويلا. شيفرون تصدّر حاليًا ما بين 100 ألف و150 ألف برميل يوميًا إلى الولايات المتحدة، ضمن شراكة مع شركة النفط الوطنية الفنزويلية PDVSA وبموافقة الإدارة الأميركية. هذا الوضع يمنح شيفرون موقعًا احتكاريًا عمليًا في ظل العقوبات والحصار، ويأتي بعد عقدين من قرار الشركة البقاء في فنزويلا عندما انسحبت شركات أميركية كبرى مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس احتجاجًا على سياسات التأميم التي قادها هوغو تشافيز.

في حينها، قبلت شيفرون بحصص أقل في المشاريع النفطية بدل الخروج والمطالبة بتعويضات، في رهان طويل الأمد وصفه كثيرون بالمجازفة. هذا الرهان بدأ يؤتي ثماره اليوم، بعد أن غيّر ترامب موقفه خلال الصيف وسمح للشركة بمواصلة العمل، عقب جهود ضغط مكثفة شملت اتصالات مباشرة بينه وبين الرئيس التنفيذي لشيفرون مايك ويرث. مع ذلك، تبقى استفادة فنزويلا نفسها موضع شك، إذ إن PDVSA معزولة عن النظام المالي العالمي، حساباتها مجمّدة، وهي ممنوعة من إجراء معاملات بالدولار، ما يثير تساؤلات حول إمكانية وصولها إلى عائدات النفط المصادَر فعليًا.
الصين ردّت بغضب على الخطوة الأميركية، ووصفتها المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماو نينغ بأنها تنمّر صارخ وانتهاك للقانون الدولي ولسيادة فنزويلا، مؤكدة أن موارد الدولة الفنزويلية ملك لشعبها وحده. بكين رأت في ما جرى خسارة مباشرة لنفوذها النفطي في أميركا اللاتينية، وسابقة خطيرة في إعادة رسم تدفقات الطاقة عبر أدوات سياسية وأمنية. في الوقت نفسه، تراجعت أسعار النفط العالمية بنحو 1% بفعل توقعات زيادة الإمدادات، في ظل الحديث عن تفريغ ملايين البراميل العالقة في الناقلات.
أمام هذا الواقع، يتوقع محللون أن تتجه شركات التكرير الصينية المستقلة إلى تعويض النقص عبر النفط الإيراني والروسي الخاضع للعقوبات. الصين تُعد أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وهي مشترٍ رئيسي للنفط الرخيص القادم من إيران وروسيا وفنزويلا. النفط الإيراني الثقيل يُباع حاليًا بخصم يقارب 10 دولارات للبرميل مقارنة بعقود برنت، ما يجعله الخيار الأرخص اقتصاديًا. إيران تنتج نحو 3.3 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام، إضافة إلى 1.3 مليون برميل من المكثفات وسوائل الغاز، أي ما يعادل حوالي 4.5% من الإمدادات العالمية، فيما تبلغ طاقتها التكريرية نحو 2.6 مليون برميل يوميًا. وقد تأتي زيادة المبيعات إلى الصين بمثابة حبل نجاة للاقتصاد الإيراني، الذي يشهد إحدى أسوأ مراحله على الإطلاق، في وقتٍ يشتعل فيه الشارع الإيراني احتجاجًا على ظروف المعيشة الصعبة.
على المدى القصير، تشير التقديرات إلى أن النفط الفنزويلي الموجود على متن ناقلات في آسيا يكفي لتغطية الطلب الصيني لـ75 يومًا، ما يخفف من أي صدمة فورية في الأسعار. لكن ابتداءً من مارس وأبريل، يرجّح أن تبدأ المصافي الصينية بالتحول التدريجي نحو الخام الإيراني والروسي، مع احتمال اللجوء أيضًا إلى مصادر غير خاضعة للعقوبات مثل كندا والبرازيل والعراق وكولومبيا.
مقالات ذات صلة: كعكة سوداء بتريليونات الدولارات… النفط الفنزويلي وأطماع ترامب












