
دخلت فنزويلا مرحلة غير مسبوقة في تاريخها بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته بواسطة قوات دلتا الأميركية، عقب غارات أميركية مكثفة استهدفت العاصمة كاراكاس ومناطق أخرى في شمال البلاد. التطور العسكري السريع ترافق مع إعلان حالة طوارئ داخل فنزويلا، ومع خطاب سياسي أميركي صريح يضع النفط كهدفٍ أساسيّ للعملة العسكرية، بعيدًا عن الذرائع المتعلقة بالمخدرات.
فبعد ساعات قليلة من اختطاف الرئيس الفنزويلي، قال ترامب في تصريح لشبكة فوكس نيوز، إن واشنطن “ستنخرط بقوة” في قطاع النفط الفنزويلي، وأضاف ”لدينا أعظم شركات النفط في العالم وسننخرط بقوة في ذلك”. كما ذكر ترامب – في مؤتمر صحفي بمنتجع مارالاغو- أنه سيدير فنزويلا وسيوجه شركات نفط أميركية كبيرة إليها، مضيفًا “لن نمنع أي دولة من النفط الفنزويلي وسنبيعه لروسيا بمجرد استقرار الأمور”.
قبل نحو شهر أعلنت الولايات المتحدة تصنيف فنزويلا منظمة إرهابية، مبررة القرار باتهامات تتعلق بتهريب المخدرات إلى أراضيها. غير أن هذه الاتهامات لا تستند إلى أدلة فعلية، إذ تشير تقارير دولية أوردتها صحيفة نيويورك تايمز إلى أن حصة فنزويلا من المخدرات التي تصل إلى الولايات المتحدة ضئيلة جدًا. في المقابل، برز النفط في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب السابقة أيضًا، فقبل نحو عشرة أيام أعلن ترامب أن أي نفط يتم ضبطه من فنزويلا سيبقى بيد الولايات المتحدة، سواء للبيع أو للاستخدام في الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، مؤكدًا أن السفن نفسها ستبقى أيضًا تحت السيطرة الأميركية.
هذا الموقف تُرجم عمليًا بعقوبات إضافية فرضتها واشنطن وقتها على قطاع النفط الفنزويلي، شملت أربع شركات وعددًا من ناقلات النفط، إضافة إلى مصادرة ناقلات في البحر. روسيا تدخلت وقدمت طلبًا دبلوماسيًا رسميًا لوقف ملاحقة ناقلة نفط روسية كانت متجهة إلى فنزويلا، فيما أفادت تقارير بأن سبع ناقلات نفط غيّرت مسارها نتيجة الحصار البحري الأميركي. هذه الإجراءات كانت تستهدف بشكل مباشر الشريان الأساسي للنظام الفنزويلي، في ظل امتلاكه احتياطيات نقدية محدودة.
النفط يشكّل حجر الزاوية في العدوان الأمريكي على فنزويلا، إذ تمتلك الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية 17% من الاحتياطي النفطي العالمي المعروف، أي أكثر من 300 مليار برميل، ما يعادل أربعة أضعاف احتياطي الولايات المتحدة. ورغم هذا المخزون الهائل، فإن الإنتاج الفعلي لفنزويلا كان ضئيلًا للغاية نتيجة انهيار قطاع النفط بسبب العقوبات الأمريكية ونقص الاستثمارات. ففي عام 2025 أنتجت الولايات المتحدة 20 مليون برميل نفط يوميًا، بينما أنتجت فنزويلا أقل من مليون برميل يوميًا، ولم تحتل موقعًا ضمن أكبر عشرة منتجين في العالم.

في هذا السياق لعبت المعارضة الفنزويلية دورًا مباشرًا في تسويق النفط كفرصة اقتصادية كبرى للولايات المتحدة. في نوفمبر ألقت زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل “للسلام”، خطابًا أمام رجال أعمال وسياسيين أميركيين في ميامي بحضور ترامب، تحدثت فيه عن فرصة اقتصادية تقدّر تقارب 1.7 تريليون دولار. ماتشادو عرضت فتح قطاع النفط والغاز في فنزويلا أمام الشركات الأميركية لاستخراجها ونقلها وتكريرها وبيعها، إضافة إلى إتاحة فرص استثمار في قطاع الكهرباء والبنى التحتية وقطاع التعدين.
لاحقًا، وفي يونيو، أعلنت ماتشادو في لقاء مع مجلس الأميركيتين في نيويورك أن خطتها تهدف إلى خصخصة القطاع النفطي وفتح الباب أمام الاستثمار الخاص، مع هدف رفع الإنتاج إلى 3 ملايين برميل يوميًا خلال عشر سنوات، أي ثلاثة أضعاف المستوى الحالي. هذه الوعود تصطدم برفض شعبي فنزويلي، إذ لا يزال قطاع واسع من الشعب الفنزويلي يؤيد بقاء النفط في يد الدولة لأسباب تاريخية.
لعب الصين دورًا في الأحداث، إذ كانت شركة CNPC الصينية الحكومية المستثمر الأجنبي الأكبر في قطاع النفط الفنزويلي، لكنها في عام 2019 تحولت إلى شريك سلبي، أي أنها بقيت شريكًا قانونيًا من دون إدارة حقول النفط أو ضخ استثمارات جديدة في هذا القطاع، لتجنب خرق العقوبات الأميركية. النفط الذي يصل حاليًا إلى الصين يُشترى عبر شركات صينية خاصة، وجزء منه يُستخدم لسداد قروض سابقة. في عام 2020 قُدّر الدين الفنزويلي للصين بقرابة 19 مليار دولار، ومنذ ذلك الحين توقفت بكين عن تقديم قروض جديدة. لكنها لا تزال يشتري 80% من النفط الذي تبيعه فنزويلا.
ترامب ينظر إلى النفط بوصفه تعويضًا مباشرًا عن التدخلات الأميركية في دول أخرى. فبحسب مذكرات مستشاره السابق للأمن القومي جون بولتون، طالب ترامب في عام 2019 زعيم المعارضة آنذاك خوان غوايدو بالتعهد بفتح القطاع النفطي الفنزويلي بأكمله أمام الشركات الأمريكية، وإغلاقه أمام الصين وروسيا في حال نجاحه في الإطاحة بمادورو.
تاريخيًا، أمّمت فنزويلا صناعة النفط في سبعينيات القرن الماضي، ما أدى إلى تقليص نشاط معظم الشركات الغربية. الاستثناء الأبرز كان شركة شيفرون الأميركية التي تعمل في البلاد منذ نحو مئة عام، ولا تزال موجودة بشكل محدود حتى اليوم.
مقالات ذات صلة:












