
تشهد البلاد في السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقلة تتمثل في سحب أموال التقاعد “البنسيا” قبل سن التقاعد، حيث تُشجِّع شركات مالية المواطنين على سحب أموالهم بحجة العثور على “أموال ضائعة”. فحتى اليوم، جرى سحب أكثر من 4 مليارات شيكل من أموال التقاعد في البلاد. ورغم أن هذا المبلغ لا يشكل سوى نسبة صغيرة من إجمالي قيمة صناديق التقاعد، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في اتساع الظاهرة.
أموال التقاعد هي توفيرات طويلة الأمد، حيث يحوّل الأجير وصاحب العمل دفعات شهرية إلى صناديق التقاعد، وهدفها تأمين دخل جيّد بعد التقاعد. عند سحب هذه الأموال قبل سن التقاعد، تُدفَع في أغلب الحالات ضريبة تبلغ 35%. هذا يعني أن من يسحب 100 ألف شيكل لا يحصل سوى على 65 ألف شيكل فقط، ويخسر فورًا 35 ألف شيكل.
لا يقتصر الأمر على الضريبة المرتفعة، فسحب توفيرات التقاعد يعني أن هذه الأموال سيتوقف نموها، إذ لن تستفيد من الفوائد المتراكمة خلال السنوات، وسينعكس ذلك على راتبكم بعد التقاعد، وبالتالي سيتغير مستوى المعيشة الذي اعتدتم عليه. كما أن جزءًا من الأموال المدفوعة لصناديق التقاعد تشكّل تأمينًا في حالة العجز عن العمل، أو في حالة الوفاة، حيث يُدفَع راتب للزوج أو الزوجة وللأطفال.
في هذا السياق، توضح دراسة أسترالية جديدة مخاطر السحب المبكر لأموال التقاعد. فخلال جائحة كورونا سمحت الحكومة الأسترالية لكل عامل بسحب ما يصل إلى 20 ألف دولار أسترالي من أموال التقاعد الخاصة به، وهو مبلغ يساوي راتب ستة أشهر لشخص يتقاضى الأجر المتوسط. خلال أيام قليلة فقط سُحب 38 مليار دولار أسترالي من صناديق التقاعد، أي ما يعادل 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الأسترالي.
ووأضحت الدراسة أن ّ الجزء الأكبر من الأموال المسحوبة صُرف على الاستهلاك اليومي، لا على تحسين الوضع المالي على المدى الطويل. والصادم في الموضوع أن ثاني أكبر إنفاق، بعد المصاريف اليومية، كان على القمار، متقدمًا حتى على تسديد ديون بطاقات الاعتماد. كما تبين أن نسبة كبيرة من الأموال سُحِبَت نقدًا، ولم تبقَ في الحساب البنكي، ما سهّل صرفها. وانتمى غالبية ساحبي الأموال إلى فئات اجتماعية واقتصادية ضعيفة، إضافة إلى فئة الشباب.
وتُقدّم دراسة أخرى أجريت في تشيلي صورة أوضح للخسارة على المدى البعيد. فخلال فترة جائحة كورونا أيضًا، سمحت الحكومة التشيلية بسحب 10% من أموال التقاعد على ثلاث مراحل. واستغلّ 40% ممن لديهم أموال في صناديق التقاعد هذا الخيار، حيث سحبوا ما مجموعه 50 مليار دولار. وأظهرت الدراسة أن هذه الخطوة أدت إلى انخفاض متوسط مخصصات التقاعد بنسبة 7.3%، ووسّعت الفجوات الاقتصادية، وأجبرت الدولة على زيادة إنفاقها العام بنسبة 4.3% لتعويض المتضررين من السحب المبكر.
مقالات ذات صلة: الدليل العملي للتوفير المالي قبل نهاية السنة












