
تشكل سوق غزة كنزًا ثمينًا للشركات الإسرائيلية التي تحقق مئات ملايين الشواكل من إدخال البضائع إلى القطاع، في وقت يعاني فيه سكان غزة من شح المساعدات الإنسانية والبضائع الأساسية. وتتركز البضائع التي تبيعها الشركات الإسرائيلية لعدد محدود من التجار في غزة الذين يحملون تصاريخ خاصة على منتجات استهلاكية غير أساسية، مثل العصائر والمشروبات الغازية والحلويات والمسليات.
وبحسب تقرير لصحيفة كالكاليست، حصلت قرابة 30 شركة إسرائيلية على تراخيص لبيع البضائع إلى غزة، من بينها سلسلة سوبرماركتات فيكتوري، وكارفور، وسوبر سفير، وحاتسي حينام، ومعيان 2000، وشركة مهادريم الزراعية وشركات وموردين آخرين للمواد الغذائية. في وقت تفضل العديد منها عدم إبراز هذا تجارتها مع غزة خشية من انتقاد الإسرائيليين لهم ومقاطعتهم، أو تعرضهم لانتقادات سياسية بعد اكتشاف بضائع غير مصرح بإدخالها إلى القطاع في بعض هذه الشحنات، مثل السجائر والتبغ.
في هذا السياق، كشفت سلسلة سوبرماركتات فيكتوري قبل بضعة أيام أنها باعت خلال شهر واحد بضائع لتجار في غزة بقيمة 100 مليون شيكل، بعد أن طالبتها سلطة الأوراق المالية بتوضيح أسباب الارتفاع الكبير في مبيعاتها. كما باعت شركة مهادريم الزراعية خلال الربع الأول من العام بضائع إلى غزة بقيمة 60 مليون شيكل. وصرّحت سلسلة سوبرماركتات شيكما التابعة لمجموعة رامي ليفي، بأنها حصلت على ترخيص للبيع إلى غزة لكنها لم تستخدمه حتّى الآن ولم تبع بضائع إلى القطاع. ومن بين الشركات التي يورد أسماءها التقرير أيضًا، نيتو، وويلي فود، وبيكوري سديه، وديبلومات، وشستوفيتش، وشنيف. كذلك تُباع في غزة منتجات شركات أخرى عبر موردين مرخصين، من بينها شركة يفئورة–تافوري المنتجة لمشروب تبوزينا، وشركة تمبو الوكيلة الإسرائلية لمشروبات بيبسي.
وكشف التقرير عن عدة محاولات لتهريب بضائع غير مصرح بإدخالها إلى غزة عبر شحنات المواد الغذائية. ففي إحدى الحالات عُثر في إحدى الشحنات إلى غزة على سجائر مخبأة داخل عبوات برينغلز، كما أُحبطت في حادثة أخرى محاولة تهريب مئات الكيلوغرامات من التبغ كانت مخبأة داخل علب ورق العنب.
ويعود توسع هذا النشاط التجاري إلى يناير 2025، عندما تم الاتفاق على زيادة عدد الشاحنات الداخلة إلى غزة إلى 600 شاحنة يوميًا خلال فترة وقف إطلاق النار التي استمرت 42 يومًا. ووفق التقرير، لم تكن المنظمات الدولية قادرة على إدخال سوى 200 شاحنة يوميًا، ما دفع وزارة الدفاع إلى الاستعانة بشركات إسرائيلية خاصة لتزويد التجار في غزة بالبضائع. وبعد توقف إدخال البضائع لفترة تقارب ثلاثة أشهر، جرى اعتماد آلية جديدة مرتبطة بما يعرف بمؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، بالتوازي مع فرض شروط جديدة على التجار الغزيين والشركات الإسرائيلية الراغبة في بيع البضائع إلى القطاع.

وللحصول على ترخيص البيع إلى غزة، خضعت الشركات الإسرائيلية المعتمدة لإجراءات رقابية مشددة فرضتها وزارة الدفاع وسلطات الجمارك. وشملت هذه الإجراءات تفتيش المستودعات، وفحص أنظمة المراقبة والكاميرات، والتأكد من وجود أجهزة تتبع في الشاحنات، إضافة إلى تخصيص مناطق منفصلة داخل المستودعات لإعداد الشحنات المخصصة لغزة تحت رقابة أمنية دائمة.
كما فُرضت قيود على نوعية البضائع المسموح ببيعها. فلا يُسمح ببيع منتجات غير متداولة في السوق الإسرائيلية، كما يُشترط ألا يتجاوز ارتفاع البضائع المحملة على المنصات 1.7 متر حتى تتمكن الشاحنات من المرور عبر أجهزة الفحص الأمنية في المعابر.
ويقول موردون تحدثوا للصحيفة إن الطلب كان مرتفعًا جدًا في بداية استئناف إدخال البضائع بسبب النقص الحاد في السلع داخل القطاع، ما دفع التجار الغزيّين -وهم مجموعة تضم قرابة 10 تجار حصلوا على موافقة الشاباك للشراء من الشركات الإسرائيلية- إلى شراء منتجات بأسعار وصلت إلى خمسة أضعاف أسعارها في إسرائيل. لكن مع زيادة كميات البضائع المتدفقة إلى غزة وزيادة المنافسة بين الشركات الإسرائلية تراجعت الأسعار تدريجيًا، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الأرباح التي تحققها الشركات من هذه التجارة.
وتظهر نتائج الشركات ذلك بوضوح، فرغم الارتفاع الكبير في مبيعات فيكتوري، تراجعت نسبة الربح الإجمالي لديها إلى 23.1% مقارنة مع 23.9% في الفترة نفسها من العام السابق. كما حققت مهادريم مبيعات بقيمة 60 مليون شيكل إلى غزة، لكنها سجلت أرباحًا إجمالية بلغت 4 ملايين شيكل فقط، أي 6.6% من قيمة المبيعات، مقارنة مع 9.5% في مجمل أنشطتها. وبذلك فإن زيادة المبيعات لم تنعكس بالضرورة على الأرباح بالنسبة نفسها.
ويشير التقرير إلى أن الصفقات تتم بسرعة كبيرة بسبب “العدد الكبير من الشاحنات” التي تعبر يوميًا إلى غزة، إذ يتعين على الموردين والتجار وشركات النقل تنسيق عمليات التحميل والنقل والفحص الأمني ضمن جداول زمنية قصيرة ومحددة مسبقًا.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه سكان قطاع غزة أزمة غذائية متفاقمة ونقصًا حادًا في المواد الغذائية الأساسية والتغذية الصحية، بعد تقليص أو توقف عمل عدد من المؤسسات الإنسانية. ففي هذا السياق، أعلنت منظمة “المطبخ المركزي العالمي” الشهر الماضي عن تفليص عملها في القطاع بسبب نفاد المواد الأساسية والوقود، إلى جانب الضغوط المالية وصعوبة إدخال الإمدادات، كما استغنت بشكل مفاجئ عن 400 موظف كانوا يعملون لديها. وكان “المطبخ المركزي العالمي” قد لعب دورًا محوريًا منذ اندلاع الحرب من خلال توفير ملايين الوجبات الساخنة وأرغفة الخبز للعائلات النازحة والمحتاجة، إلا أن توقف نشاطه فاقم معاناة السكان وأدى إلى ازدياد الطوابير أمام نقاط توزيع الطعام المحدودة، في وقت تحذر فيه مؤسسات دولية من اقتراب غزة من مرحلة الجوع الكارثي. وفي ظلّ هذا الواقع، يبرز التناقض بين استمرار دخول وبيع منتجات استهلاكية مثل برينغلز ومشروبات تبوزينا بأسعار مرتفعة، وبين النقص الحاد في مواد أساسية يحتاجها السكان يوميًا مثل الخبز والطحين والأرز والوجبات الساخنة.
مقالات ذات صلة: هكذا قفزت مبيعات “فيكتوري” فجأة بـ100 مليون شيكل












