
تشهد سوق السندات الحكومية الأميركية تراجعًا حادًا منذ عدة أشهر، وتسارعت الخسائر خلال الأيام الأخيرة. وارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات مؤخرًا إلى أكثر من 5.1%، وهو أعلى مستوى منذ 2007. ويؤثر هذا الارتفاع مباشرة في تكلفة الاقتراض، لأن فوائد القروض الاستهلاكية وقروض الشركات والرهون العقارية ترتبط بدرجة كبيرة بعوائد السندات الحكومية، ما يعني ارتفاع تكلفة الائتمان في الولايات المتحدة ودول أخرى.
ورفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة الأسبوع الماضي للمرة الأولى منذ سنوات، فيما تتوقع الأسواق أن يرفعها مرة أخرى خلال 2026 وأن يواصل الأمر في 2027. وتشير أسعار العقود المرتبطة بالفائدة في الأسواق إلى أن المستثمرين يتوقعون أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة 3 مرات خلال العام المقبل، بنسبة 0.25% في كل مرة. وهذا يدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أعلى على السندات الحكومية، لتعويض مخاطر استمرار التضخم وارتفاع الفائدة.
وتعد سوق السندات الأميركية من أكبر وأهم أسواق التمويل في العالم، وتحتفظ بنوك مركزية كثيرة بسندات الخزانة الأميركية ضمن احتياطياتها من العملات الأجنبية. كما تراجعت أسعار سندات حكومية في دول أخرى وارتفعت عوائدها. ورغم أن ارتفاع عوائد السندات يفترض أن يضغط على أسواق الأسهم، فإن تأثيره حتى الآن ظهر أساسًا في زيادة التقلبات، بينما واصلت البورصات الأميركية تسجيل مستويات قياسية.
ومن أبرز أسباب ارتفاع العوائد عودة التضخم منذ 2021 بعد جائحة كورونا والسياسات الاقتصادية التي رافقتها. ووصل التضخم في الولايات المتحدة إلى 9.1% في منتصف 2022، قبل أن تؤدي سلسلة قوية من زيادات الفائدة إلى خفضه إلى 3%. لكن الاحتياطي الفيدرالي لم ينجح حتى الآن في إعادته إلى هدفه البالغ أقل من 2%.
وساهمت الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في زيادة الضغوط التضخمية، إذ رفعت الرسوم الجمركية واضطرابات سلاسل التوريد أسعار عدد كبير من السلع. كما أدى إغلاق إيران مضيق هرمز إلى ارتفاع سعر النفط، الذي تجاوز 100 دولار للبرميل. وتضاعف سعر الديزل في الولايات المتحدة، وارتفعت أسعار البنزين أيضًا، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا تؤثر في إمدادات الحبوب والمواد الغذائية.
وتفترض معظم توقعات النمو الحالية، بما فيها توقعات منظمة OECD، أن الحرب ستنتهي خلال فترة قصيرة. لكن إذا استمرت، فمن المرجح أن يبقى التضخم مرتفعًا وكذلك أسعار الفائدة. كما أن إعادة ترتيب العلاقات الدولية، وتحركات الاتحاد الأوروبي وكندا والصين والهند ودول أخرى، قد تجعل آثار الأزمة أطول مما كان متوقعًا.
وترجع صحيفة «ذا ماركر» الأسباب طويلة الأمد لأزمة السندات إلى تراكم الديون الحكومية. فمنذ بداية الألفية اعتادت الاقتصادات المتقدمة على أسعار فائدة منخفضة جدًا، وصلت إلى الصفر وأصبحت سلبية في بعض الفترات بعد أزمة 2008، ما شجع الحكومات على زيادة الاقتراض. لكن مع عودة أسعار الفائدة إلى الارتفاع بعد جائحة كورونا، ارتفعت تكلفة تمويل هذه الديون بشكل حاد.
ويؤدي ارتفاع تكلفة فوائد الديون إلى استنزاف جزء أكبر من ميزانيات الحكومات، ما يترك أموالًا أقل للإنفاق على البنية التحتية والخدمات الاجتماعية. وتزداد المشكلة في الدول التي تواجه شيخوخة سكانية واتساعًا في عدم المساواة، مع استمرار نمو عدد السكان رغم انخفاض معدلات الولادة.
ويؤدي ارتفاع الدين الحكومي إلى زيادة قلق المستثمرين بشأن قدرة الدول على السداد، حتى في الولايات المتحدة. وكلما ارتفعت الديون، طلب المستثمرون فائدة أعلى على السندات مقابل المخاطر. وفي سوق السندات، يراقب بعض المستثمرين إنفاق الحكومات وديونها عن كثب. فإذا اعتبروا أن دولة ما توسع وتيرة الاقتراض والإنفاق بشكل مفرط، لا يشترون سنداتها إلا مقابل عائد أعلى.
وتورد الصحية ألمانيا كمثال على تأثير الانضباط المالي في سوق السندات. ففي العقود الماضية حافظت الحكومات الألمانية على سياسة تقشفية وخفضت الدين إلى مستويات تتوافق مع قواعد معاهدة ماستريخت، ما جعل عوائد سنداتها من الأدنى عالميًا، ووصلت في بعض الفترات إلى مستويات سلبية. لكن خلال جائحة كورونا زادت ألمانيا الإنفاق، ثم رفعت مخصصات البنية التحتية والدفاع بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، ما أدى إلى ارتفاع الفوائد التي تدفعها ألمانيا على ديونها، وارتفاع العائد على سنداتها الحكومية.
وفي الولايات المتحدة أصبحت المشكلة أكثر حدة، إذ ارتفع الدين الوطني إلى 40 تريليون دولار للمرة الأولى، وبلغ العجز في السنة المالية الحالية 1.9 تريليون دولار، بما يعادل 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن يواصل الارتفاع.
وتؤثر عوامل سياسية وجيوسياسية أيضًا في سوق السندات. فصعود الشعبوية وتراجع الثقة بالمؤسسات وتغيرات سوق العمل والتكنولوجيا تؤدي إلى ضغوط سياسية تشجع الحكومات على زيادة الإنفاق. كما أن تراجع مكانة الولايات المتحدة كقوة مهيمنة وحيدة وتسارع الانقسام في النظام العالمي يزيدان مخاوف المستثمرين من اضطرابات الإمدادات واستمرار الضغوط التضخمية.
وفي الوقت نفسه، يخشى المستثمرون أن تجد الحكومات صعوبة أكبر في ضبط نفقاتها، بينما تقل قدرة المشترين التقليديين للسندات على الاستمرار في شرائها بالمعدلات السابقة بسبب تغيرات في هيكل السوق والتركيبة السكانية.
وتحدث تغييرات كبيرة أيضًا داخل الأسواق المالية نفسها. فطفرة الذكاء الاصطناعي دفعت شركات عملاقة إلى إصدار كميات كبيرة من سندات الشركات لتمويل استثماراتها. وتتنافس هذه السندات مع السندات الحكومية على أموال المستثمرين، ما يجبر الحكومات على تقديم عوائد أعلى لجذب المشترين.
كما تغيرت طريقة عمل صناديق التقاعد. فعدد متزايد من هذه الصناديق لم يعد ملزمًا بتوفير معاشات محددة مسبقًا، كما تشجع بعض القواعد التنظيمية على زيادة الاستثمار في الأسهم. ويؤدي ذلك إلى انخفاض الطلب على السندات.
وحل مستثمرون أفراد محل جزء من الطلب الذي كانت توفره المؤسسات الكبيرة. وهؤلاء أكثر حساسية لتغيرات الفائدة من المستثمرين طويلَي الأجل، لذلك يطلبون عوائد أعلى لشراء السندات الطويلة الأجل.
وحتى إذا انخفض التضخم، فإن هذه التغيرات تعني أن المستثمرين قد يستمرون في المطالبة بفائدة حقيقية أعلى. وقد تساعد العوائد المرتفعة في مرحلة ما على جذب المستثمرين مجددًا واستقرار السوق، وهو ما تراهن عليه الحكومات والجهات المصدرة للسندات.










