
مؤشر التأمين يتصدر خسائر السوق عقب صعوده بـ 380% خلال عامين: تساؤلات حول جدوى الاحتفاظ بأسهم القطاع للمدى الطويل وسط التآكل الشرس لقيمتها السوقية.. وخبير مالي يؤكد: الارتباط بين أداء البورصة وقطاع التأمين تضاعف في الآونة الأخيرة.
قاد مؤشر قطاع التأمين موجة صعود جنونية، محققًا عائدًا استثنائيًا ناهز 380% على مدار العامين الماضيين، بل وسجل قراءات أعلى من ذلك عند ذروته. أما الآن، وفي ظل ظروف السوق القاسية والمريرة التي باتت على شفا نزيف حاد، يتصدر المؤشر ذاته حركة الهبوط. فمنذ ذروته القياسية في مايو الماضي، سجل مؤشر التأمين “شبه انهيار” تجاوزت نسبته 20%، مخلفًا وراءه خسائر بقيمة 40 مليار شيكل تبخرت من المحافظ الاستثمارية، ويبدو أن نزيف التصحيح لم ينتهِ بعد.
ومع ذلك، ورغم هذه الموجة العنيفة، لا يزال المؤشر متمسكًا بعائد إيجابي يقترب من 20% منذ مطلع العام الجاري. ووفقًا للمسار الراهن، قد تصبح هذه الأرقام طي النسيان خلال أيام معدودة، إلا أنها تظل شاهدًا على قوة الطفرة التي شهدها قطاع التأمين، حتى وإن بدت اليوم جزءًا من التاريخ.
لقد تحول قطاع التأمين من “بطة قبيحة” لم يجهد أحد نفسه في فهم قوائمها المالية وميزانياتها المعقدة، إلى “سندريلا” عصرية تهافتت المحافظ على خطب ودها دون قيد أو شرط، ليصبح اليوم النجم الأبرز في مقابلات المحللين ذوي النظرة الدببية.
والآن، مع تسجيل القطاع تراجعات حادة على أساس يومي، يفرض السؤال نفسه: هل استنفد مؤشر قطاع التأمين زخمه وأصبح عبئًا ثقيلًا في المحافظ، أم أن حالة الهلع مبالغ فيها، وقد تقود قريبًا إلى مستويات تقييم جاذبة ومجزية على المدى الطويل؟
“من السهل فهم أسباب هبوط المؤشر”
لقد سال حبر كثير حول الصعود الصاروخي لقطاع التأمين في العامين الماضيين؛ إذ أدى التحول في المعايير المحاسبية، والذي دخل حيز التنفيذ في الربع الأول من عام 2025، إلى تمكين الشركات من الاعتراف بأرباح تأمينات الحياة والصحة في فترة مبكرة مقارنة بالسابق. ساهم هذا الإجراء في إظهار القيمة الحقيقية الكامنة للشركات، وانتشلها من الركود الكئيب إلى أضواء الارتفاعات الفلكية.
علاوة على ذلك، تحسنت الشركات على الصعيد التشغيلي، وتحولت إلى مجموعات مالية قوية تدير أصولًا ضخمة وخدمات ائتمانية شبه بنكية متزايدة، فضلًا عن تحولها إلى شركات استثمار عملاقة. وتُعد شركة “هَفينيكس”، صاحبة القيمة السوقية الأعلى وإحدى أكثر الأسهم سيولة في البورصة، وحشًا استثماريًا له حضور في كل قطاع حيوي في الاقتصاد، من العقارات والبنية التحتية، إلى الطاقة والاستهلاك. وصارت الشركة نموذجًا يحتذى به للمؤسسات المالية في مجال الاستثمار، حيث تمنح مستثمريها عائد توزيعات أرباح يصل إلى 5.5%، وهو من بين الأفضل في مؤشر “تل أبيب 35”.
يُضاف إلى ذلك النمو الملحوظ في نشاط المستثمرين الأجانب في أسهم القطاع خلال العامين الماضيين، بالتزامن مع انضمام “هفينيكس” إلى مؤشرات مورغان ستانلي العالمية (MSCI)، إلى جانب الانتعاش العام في سوق المال، والذي تعد أسهم التأمين أول المستفيدين منه.
وفي حين يرى البعض أن التغيير في المعايير المحاسبية خلق تأثير كرة الثلج التي تدحرجت أبعد مما ينبغي، مما يبرر هذا التصحيح العنيف لقيم الشركات، يعتقد آخرون أن القفزة كانت مبررة وصححت غبناً تاريخياً، وأن قطاع التأمين لا يزال خياراً استثمارياً رابحاً على المدى الطويل — حتى وإن لم يحقق عوائد بذات الضخامة — نظراً للنمو السكاني وتدفق أموال المدخرات طويلة الأجل. لكن الحقيقة تكمن في أن السبب الرئيسي الذي يحرك المؤشر في هذه المرحلة لا يرتبط بالضرورة بالشركات نفسها أو بأنشطتها التشغيلية.
إذ يتمتع مؤشر التأمين بارتباط وثيق للغاية مع معنويات سوق المال، لدرجة أنه تحول عملياً إلى أداة مضاعِفة لحركة البورصة ككل. فعندما سعرت السوق الإسرائيلية طوال شهور، السيناريو الأشد تفاؤلاً على الصعيد الجيوسياسي — والمتمثل في سقوط النظام الإيراني وتحقيق سلام إقليمي مع دول الخليج — انطلق قطاع التأمين بقوة. ولكن بمجرد الإدراك بأن هذا السيناريو لن يتحقق، أصيبت السوق بخيبة أمل شديدة أدت إلى سحق المؤشر.
قطاع التأمين بقوة. ولكن بمجرد الإدراك بأن هذا السيناريو لن يتحقق، أصيبت السوق بخيبة أمل شديدة أدت إلى سحق المؤشر.
يقول يانيف باغوت، نائب الرئيس التنفيذي للتداول في البورصة وعضو مجلس الإدارة السابق في شركة “أيالون”: “التأمين قطاع معقد، ولذلك يصعب جدًا تقييم شركاته. وبسبب هذه الصعوبة، كان هناك دائمًا ارتباط وثيق بين أداء سوق المال ومؤشر تأمين تل أبيب، وقد تزايد هذا الارتباط في العامين الماضيين. فعندما يرتفع السوق، تربح الشركات أكثر، سواء من خلال الأصول المدارة أو عبر محفظة الاستثمارات الذاتية (Nostro). علاوة على ذلك، كلما ارتفع السوق ارتفعت رسوم الإدارة، ولذلك يسهل فهم سبب هبوط المؤشر بنسبة حادة عندما تتراجع البورصة بنحو 10%”.
ويشير باغوت إلى سبب آخر للهبوط الحاد في قطاع التأمين قائلًا: “من الناحية النفسية، يسهل على الأفراد البيع عندما يكونون في نطاق الربح مقارنة بحالة الخسارة. فالقطاع الذي حقق ارتفاعات قوية يُصنف نفسيًا بأنه ‘متضخم’، ولذا يكون أول ما يتم تسييله عند التراجع؛ فالناس يرغبون في جني الأرباح ونقل الأموال إلى جيوبهم، وهو أمر مشروع تمامًا”.
حتى المتشائمون يخشون البيع المكشوف (Short)
ومع ذلك، فإن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام يتعلق بالنظرة المستقبلية: هل يجدر في ضوء هذا الاتجاه السلبي تصفية المراكز في قطاع التأمين، أم التمسك بها بانتظار مرور عاصفة الهبوط، أم استغلال هذه التراجعات كفرصة للدخول مجددًا؟
ترى أطراف عديدة في السوق أنه على الرغم من التراجعات، فإن أسهم التأمين لا تزال تتداول بأسعار كاملة – وإن لم تكن متضخمة – ويفضل الكثيرون في الوقت الحالي قطاع البنوك الذي يعد الأرخص تقييمًا.
يقول أحد المحللين الماليين في السوق: “سيكون من الصعب على شركات التأمين تحقيق نمو مرتفع يكفي للاستمرار في تبرير هذه التقييمات. يتداول قطاع التأمين اليوم بمضاعفات ربحية لم نشهدها في الماضي، وتعتبر مرتفعة بالمعايير العالمية. ففي جميع أنحاء العالم، تتداول شركات التأمين حول مضاعف ربحية معدل يتراوح بين 12 و13، بينما وصلنا هنا في ذروة الارتفاعات إلى مستوى 18 في الشركات الكبرى. واليوم، بعد التراجعات، ندور حول مضاعف ربحية معدل يتراوح بين 15 و16، وهو ما لا يعد رخيصًا بعد”.
ورغم ذلك، يقر المتشائمون أيضًا بأن قطاع التأمين يظل في نهاية المطاف عملًا تجاريًا ممتازًا بغض النظر عن مسألة التقييم. ويضيف المصدر ذاته الذي يتحفظ على أسعار الأسهم الحالية: “كم عدد القطاعات التي تعرفها حيث يدفع العميل نقدًا الآن ويتسلم المنتج بعد 30 عامًا؟ شركة مثل ‘هفينيكس’ تقول: ‘أنا لست شركة تأمين على الإطلاق، أنا شركة استثمار وإدارة أصول’. هذا يحدث في وقت تتلقى فيه هي وباقي شركات التأمين أموالًا مجانية طوال الوقت، إذ تملك منصة تدر السيولة بانتظام ودون انقطاع من خلال أوامر الخصم المباشر. وعلى المدى الطويل، ستنمو الأصول المدارة بدقة كعقارب الساعة، لينعكس ذلك في صورة أرباح”.
يبدو باغوت واثقًا من أن مؤشر التأمين سيتعافى بالتزامن مع السوق الذي يشهد حاليًا عملية “تبديل مياه في المسبح” – أي دخول “أيدٍ قوية” مستثمرة بدلًا من “الأيدي الضعيفة” التي تلوذ بالفرار هربًا من الهبوط. ويتابع: “أعتقد أن سوق المال سيعود في نهاية المطاف إلى مسار الارتفاع، ولذلك أرى أن ذات الرياح المواتية من سوق المال ستدعم مؤشر التأمين مجددًا”.
ويجمع المتشائمون والمتفائلون بمستقبل التأمين على أمر واحد، وهو النفور من فكرة فتح مراكز بيع مكشوف (Short) على هذه الشركات، ويرجع ذلك إلى معامل “بيتا” (Beta) العنيف للقطاع. ويقول باغوت في هذا الصدد: “ما هبط بعنف، قد يرتفع بعنف أيضًا؛ فالسوق قادر على تصحيح 10% في غضون أسبوع واحد”.
ثمة إجماع آخر يتبلور بشأن مستقبل الاحتفاظ بأسهم التأمين: فبينما تحظى البنوك بتوصية شراء شاملة، يظل قطاع التأمين محل جدل كبير، ويوصى به حاليًا بوزن مساوٍ للسوق فقط (Market Weight). وتتلخص الترجمة العملية لهذه التوصية في عدم سحب الأموال المستثمرة بالفعل، باستثناء الحالات التي يرغب فيها المستثمر في تسييل أرباح جوهرية حققها (وهو إجراء ضروري ومستحب بذاته)، وفي الوقت نفسه، عدم ضخ سيولة جديدة في هذا القطاع.











