
يواصل «بريفات بنك PrivatBank»، أكبر بنك في أوكرانيا، توسيع نشاطه رغم استمرار الحرب الروسية والهجمات على البنية التحتية للبلاد. وبحسب تقرير نشرته صحيفة «إيكونوميست»، ارتفعت قيمة القروض التي يمنحها البنك بنسبة 40% خلال عام 2025، وبنسبة 30% بعد احتساب التضخّم، فيما حافظ على وتيرة نمو مماثلة خلال النصف الأول من عام 2026. ويسعى البنك، الذي تملكه الدولة، إلى تعزيز دوره في تمويل الشركات والاستعداد للمشاركة في إعادة إعمار أوكرانيا، إلى جانب تهيئة أعماله للمتطلّبات المصرفية الأوروبية في حال انضمام البلاد إلى الاتحاد الأوروبي.
ويُظهر أداء البنك قدرة الشركات الأوكرانية على مواصلة أعمالها رغم الأضرار الناجمة عن الحرب. ويروي المدير العام للبنك، السويدي ميكائيل بيوركنيرت، الذي تولّى منصبه في يناير 2025، أنّ شركة لتصنيع معدات التبريد تعرّض مصنعها للتدمير في هجوم روسي، لكنّها لم تطلب شطب ديونها أو إعلان إفلاسها، بل طلبت تأجيل دفعة مستحقّة لبضعة أيام. ووافق البنك على تأجيل السداد، وساعد الشركة في العثور سريعًا على مبنى بديل، كان سقفه قائمًا لكنّه يفتقر إلى الجدران الداخلية، كما ساعدها على الاحتفاظ بموظفيها وشراء معدات مستعملة من شركات منافسة. وتمكّنت الشركة من استئناف الإنتاج خلال ثلاثة أشهر، وبعد مرور عام أصبح البنك يدرس منحها قرضًا جديدًا لتمويل استثماراتها.
ورغم ظروف الحرب، بقيت نسبة القروض المتعثّرة في النشاط الائتماني الأساسي للبنك منخفضة نسبيًا، إذ بلغت 2.9% خلال النصف الأول من عام 2026، ويتوقّع بيوركنيرت انخفاضها إلى 2.6% بحلول نهاية العام. وللمقارنة، تبلغ هذه النسبة 2% تقريبًا في مناطق أوروبية أكثر استقرارًا، بينما وصلت نسبة القروض المتعثّرة في اليونان إلى ما يقارب نصف إجمالي القروض خلال ذروة الأزمة المصرفية في عامَي 2016 و2017. ويؤكّد بيوركنيرت أنّ التزام زبائن البنك بسداد قروضهم لا يزال قويًا.
ويواصل البنك تشغيل أكثر من 1,000 فرع في أنحاء أوكرانيا رغم الحرب. وتُغلق بعض الفروع مؤقتًا خلال الهجمات الجوية، لكنّ إغلاقها لأسباب أخرى، مثل انقطاع الكهرباء أو الإنترنت، قد يثير مخاوف بين المواطنين من وقوع تطوّرات خطيرة. ولتجنّب إثارة الذعر والحفاظ على استمرارية الخدمات المصرفية، زوّد البنك فروعه بمولّدات كهربائية وخدمات الإنترنت الفضائي التابعة لشركة «ستارلينك».
وكانت الدولة قد أمّمت «بريفات بنك» في عام 2016، بعد شبهات الاحتيال واكتشاف فجوة مالية بقيمة 5.5 مليارات دولار في حساباته. وفي عام 2025، رفضت المحكمة العليا الأوكرانية محاولة المالك السابق للبنك، رجل الأعمال إيغور كولومويسكي، إلغاء قرار التأميم. وكان كولومويسكي قد نفى ارتكاب أيّ مخالفات قانونية.
ويفضّل مسؤولون سياسيون ومصرفيون خصخصة البنك وغيره من البنوك الحكومية، وهي خطوة يُتوقّع تنفيذها مستقبلًا إذا انضمّت أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي. ويقول بيوركنيرت إنّ البنك بات يطبّق معايير دولية في الإدارة والرقابة، من بينها الفصل بين مجلس الإدارة المسؤول عن تسيير الأعمال والمجلس المسؤول عن الإشراف عليها. لكنّ استمرار الحرب يجعل تنفيذ الخصخصة في الوقت الراهن غير ممكن.
ويخدم «بريفات بنك» 18.1 مليون زبون من الأفراد، وهو عدد يعادل نصف سكان أوكرانيا تقريبًا قبل اندلاع الحرب، إضافة إلى 945 ألف زبون من الشركات. ويسعى مديره العام إلى تحويله من بنك يركّز أساسًا على الخدمات المصرفية للأفراد إلى بنك شامل يقدّم مختلف أنواع التمويل للأفراد والشركات، بما يتلاءم مع احتياجات إعادة إعمار البلاد ومتطلّبات الأنظمة المصرفية الأوروبية.
وتشير التوقّعات الاقتصادية إلى إمكان استمرار نمو نشاط البنك، رغم تصاعد الهجمات الروسية على منشآت الطاقة والموانئ وغيرها من مرافق البنية التحتية. فقد أبقى صندوق النقد الدولي، في آخر تحديث لتوقّعاته الصادر في 12 أكتوبر، على تقديراته لنمو الاقتصاد الأوكراني بنسبة 1% في عام 2026، و3.5% في عام 2027.
لكنّ التحدّيات لا تزال كبيرة، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء الخامس منذ اندلاع الحرب، واستمرار الهجمات على البنية التحتية. ويؤكّد بيوركنيرت أنّ النظام المالي الأوكراني لا يزال بعيدًا عن المعايير السائدة في أوروبا، وأنّ سوق العقارات والقروض العقارية تحتاج إلى قوانين أكثر وضوحًا، إلى جانب تطوير سوق رأس مال محلية قادرة على توفير التمويل للاستثمارات.
وتبرز محدودية قدرة البنوك الأوكرانية على تمويل إعادة الإعمار من خلال حجم أصول «بريفات بنك» نفسه، الذي يبلغ 925 مليار هريفنيا أوكرانية، أي ما يعادل 20 مليار دولار تقريبًا. ورغم أنّه أكبر بنك في أوكرانيا، فإنّه لو كان يعمل في سلوفاكيا، وهي دولة أصغر بكثير من أوكرانيا، لاحتلّ المرتبة الرابعة فقط من حيث حجم الأصول المصرفية.
وبحسب التقرير، يُتوقّع أن تؤدّي البنوك الأجنبية دورًا مهمًا في توفير التمويل اللازم لإعادة إعمار أوكرانيا. فقد واصلت بنوك أجنبية عديدة العمل في البلاد منذ بدء الحرب، وقد تدخل بنوك أخرى السوق الأوكرانية إذا تحقّق سلام طويل الأمد. لكنّ سنوات الحرب واستمرار المخاوف المرتبطة بالفساد تجعل الاستثمار في القطاع المصرفي الأوكراني يتطلّب من البنوك الأجنبية قدرة مالية قوية واستعدادًا لتحمّل مخاطر كبيرة.










