الخبراء حائرون، يتساءلون: هل سيخفّض بنك إسرائيل الفائدة غدًا؟

الثلاثاء, سبتمبر 1, 2026 15:49
/
/
الخبراء حائرون، يتساءلون: هل سيخفّض بنك إسرائيل الفائدة غدًا؟

الخبراء حائرون، يتساءلون: هل سيخفّض بنك إسرائيل الفائدة غدًا؟

يظهر الانقسام بوضوح في استطلاع أجرته بلومبرغ وشمل 16 اقتصاديًّا؛ إذ يتوقّع تسعة منهم خفض الفائدة إلى 3.25%، فيما يتوقّع سبعة إبقاءها 3.5%. ومن غير المعتاد أن تتباين تقديرات الاقتصاديّين بهذا الشكل بشأن قرار الفائدة.
أيقون موقع وصلة Wasla
أمير يارون محافظ بنك إسرائيل. الصورة: صفحة البنك على فيسبوك
أمير يارون محافظ بنك إسرائيل. الصورة: صفحة البنك على فيسبوك

 

لم يعد قرار بنك إسرائيل بشأن الفائدة محسومًا كما بدا قبل أسابيع. فبعد تخفيضها أربع مرات، ينقسم الخبراء الافتصاديون حول ما إذا كان البنك سيخفضها مجدّدًا من 3.5% إلى 3.25%، أم سيُبقيها دون تغيير. إذ باتت المعطيات الاقتصاديّة والأمنيّة والماليّة والسياسيّة ترسم صورة أكثر تعقيدًا، حيث توجد أسباب تدعم خفض الفائدة بنسبة 0.25%، وفي المقابل توجد أيضًا أسباب تدفع إلى إبقائها 3.5% وانتظار اتّضاح تأثير التخفيضات السابقة والمخاطر المقبلة.

ويظهر الانقسام بوضوح في استطلاع أجرته بلومبرغ وشمل 16 اقتصاديًّا؛ إذ يتوقّع تسعة منهم خفض الفائدة إلى 3.25%، فيما يتوقّع سبعة إبقاءها 3.5%. ومن غير المعتاد أن تتباين تقديرات الاقتصاديّين بهذا الشكل بشأن قرار الفائدة. وكانت آخر مرّتين انقسمت فيهما التوقّعات على هذا النحو في شباط، قبيل اندلاع الحرب الأخيرة مع إيران، وفي أيّار، قبيل وقف إطلاق النار، حين لم يكن واضحًا ما إذا كان سيصمد.

أبرز الحجج المؤيّدة للخفض هي تراجع التضخّم. فقد بلغ معدّل التضخّم السنويّ في نهاية تمّوز 1.5%، وهو ضمن النطاق المستهدف لبنك إسرائيل البالغ 1%-3%. كما بقيت توقّعات التضخّم منخفضة؛ إذ تشير التوقّعات المستخلصة من أسعار السندات المتداولة في البورصة إلى أنّ التضخّم سيبلغ 1.4% سنويًّا، فيما تشير تقديرات المحلّلين ومؤشّرات ماليّة أخرى إلى أنّه سيتراوح بين 1.7% و2%. وفي الوقت نفسه، تعكس عوائد السندات توقّعات بارتفاع التضخّم إلى 1.8% بعد عامين. وبما أنّ الفائدة تبلغ 3.5% والتضخّم 1.5%، فإنّ الفائدة بعد احتساب التضخّم تبلغ 2% تقريبًا. وهي مرتفعة مقارنة بالدول المتقدّمة الأخرى، ما يعني أنّ السياسة النقديّة لا تزال مقيّدة للنشاط الاقتصاديّ. وكلّما انخفض التضخّم من دون خفض الفائدة، تصبح السياسة النقديّة أكثر تشدّدًا من الناحية الفعليّة.

ويشكّل سعر صرف الشيكل عاملًا مهمًّا في القرار. فقد ظلّ الدولار قريبًا من 3 شواكل، رغم التطوّرات الأمنيّة الأخيرة. في حديثه مع صحيفة داماركر، يعتقد مودي شفيرير، كبير استراتيجيّي الأسواق الماليّة في بنك هبوعليم، أنّ تجاوز الدولار حاجز الـ3 شيكل سيقلّل احتمال خفض الفائدة، بينما سيزداد هذا الاحتمال إذا اقترب السعر من 2.95 شيكل. ويساعد الشيكل القويّ على خفض تكلفة الواردات وكبح أسعار السلع، وبالتالي الحدّ من التضخّم. وفي المقابل، إذا أصبحت الفائدة في إسرائيل أقلّ من الفائدة في دول أخرى، فقد يضعف الشيكل، لأنّ المستثمرين قد يفضّلون الاستثمار بعملات تمنحهم عائدًا أعلى. لكنّ قرارات المستثمرين تعتمد أساسًا على توقّعاتهم بشأن أسعار الفائدة خلال فترة أطول، غالبًا عامين، كما أنّ بنك إسرائيل لا يحدّد فارقًا مستهدفًا بين الفائدة في إسرائيل والفائدة في الدول الأخرى.

في المقابل، لا يشير الوضع الاقتصاديّ إلى أزمة تستدعي خفضًا عاجلًا للفائدة. فقد ارتفع الناتج في الربع الثاني بأكثر من 15% بالمعدّل السنويّ مقارنة بالربع الأوّل، وبقرابة 4% بالمعدّل الفصليّ، متجاوزًا التوقّعات، وإن كان جزء كبير من الارتفاع تصحيحًا للربع الضعيف خلال الحرب، كما أنّ جزءًا من هذا النموّ يعود إلى نشاط اقتصاديّ لشركات إسرائيليّة يجري خارج إسرائيل. ويشير بنك هبوعليم إلى أنّ الاقتصاد ينمو في ظلّ الفائدة الحاليّة، وبالتالي لا يحتاج بالضرورة إلى خفضها لدعم النموّ، فيما لا يؤدّي هذا النموّ في الوقت الراهن إلى تجاوز التضخّم نطاقه المستهدف.

في المقابل، تشير بيانات أخرى إلى تباطؤ النشاط الاقتصاديّ. في هذا الصدد، يشير يوسي منشيه، المدير العامّ لألتشولر شاحم فايننشال سيرفيسز، في حديثه مع الصحيفة، إلى أنّ النموّ في النصف الأوّل من السنة كان سيبلغ 1% فقط لولا نشاط ميلانوكس تحت مظلّة إنفيديا، في وقت انكمش فيه الاستهلاك الخاصّ 0.5% تقريبًا في الفترة نفسها. كما انخفض المؤشّر المركّب لبنك إسرائيل 0.12% في تمّوز مقارنة بحزيران، وأظهرت بيانات مشتريات بطاقات الاعتماد بين حزيران وآب مؤشّرات على ضعف الاستهلاك، إلى جانب تراجع ثقة المستهلكين في تمّوز. وتدعم هذه المعطيات خفض الفائدة.

ويشكّل سوق العمل عاملًا مهمًّا في قرار الفائدة، لأنّ ارتفاع الأجور قد يؤدّي إلى ارتفاع الأسعار. وتبلغ نسبة البطالة حوالي 3%، وهي نسبة منخفضة، في وقت لا يزال فيه عدد الوظائف الشاغرة مرتفعًا وتواصل الأجور ارتفاعها بوتيرة سريعة. وقد يدفع ارتفاع تكاليف الأجور أصحاب العمل إلى رفع أسعار السلع والخدمات. في المقابل، تشير بيانات الفئة العمريّة 25-65 عامًا، التي يركّز عليها بنك إسرائيل لأنها لا تشمل الجنود والطلّاب، إلى تراجع طفيف في قوّة سوق العمل؛ إذ ارتفعت نسبة البطالة من 2.7% في أيّار إلى 2.8% في حزيران و2.9% في تمّوز. كما لا تزال أسعار عدد من الخدمات مرتفعة بالبلاد، وخصوصًا إيجارات المساكن.

وأضيف إلى هذه الاعتبارات عامل أمنيّ جديد بعد الهجوم الأميركيّ على جزيرة لارك الإيرانيّة أمس الأحد، وردّت إيران بهجوم على قواعد أميركيّة في الأردن، ما أعاد احتمال تجدّد التصعيد، بما في ذلك إمكان امتداده إلى إسرائيل. وبدأت أسعار النفط في العقود الآجلة بالارتفاع، واستمرار هذه الحركة قد يرفع التضخّم. كما سجّلت البورصة ارتفاعًا في أسهم البنوك، التي تستفيد من بقاء الفائدة مرتفعة بسبب حفاظها على هامشها الماليّ بين فوائد القروض والتوفيرات، مقابل تراجع أسهم شركات العقارات التي تتضرّر من ارتفاع تكاليف التمويل وضعف الطلب على المساكن. وقد تشير هذه التحرّكات في البورصة إلى أنّ المستثمرين باتوا يرجّحون إبقاء الفائدة كما هي أكثر ممّا كانوا يرجّحون ذلك قبل الهجوم الأميركيّ على إيران. في المقابل، يعتقد يوناتان كاتس، كبير الاقتصاديّين في ليدر، في حديثه مع الصحيفة أنّ الهجمات الأمريكية الإيرانية الأخيرى لن تؤثّر بالضرورة في القرار، لأنّ تصعيدات مشابهة سبقت تخفيضات الفائدة الأخيرة ولم تؤدّ التطوّرات الأخيرة إلى إضعاف الشيكل بصورة ملموسة. ويقدّر كاتس احتمال خفض الفائدة بـ60%، مقابل 40% لإبقائها من دون تغيير. ويرى أنّ الاقتصاد الإسرائيليّ يمرّ بدورة نقديّة مختلفة عن الاقتصادات الأخرى، بسبب انخفاض التضخّم وانتهاء حرب طويلة لم تُخفّض خلالها الفائدة قرابة عامين. 

بنك إسرائيل- تصوير: استر إنبر- المصدر: ويكيميديا
بنك إسرائيل- تصوير: استر إنبر- المصدر: ويكيميديا

 

بدورها، تقدّم بيانات ميزانيّة الدولة صورة متباينة. فقد انخفض العجز المتراكم خلال الأشهر الـ12 المنتهية في تمّوز إلى 3.3% من الناتج المحلي، مقارنة بسقف يبلغ 4.9% محدّد ضمن الميزانيّة. ويعود ذلك أساسًا إلى ارتفاع إيرادات الدولة بنسبة 12% منذ بداية العام مقارنة بالفترة الموازية من العام السابقة، ما دفع كبير الاقتصاديّين في وزارة الماليّة إلى تعديل توقّعات الإيرادات مرّات عدّة. ويمنح انخفاض العجز الحاليّ بنك إسرائيل مجالًا أكبر لخفض الفائدة.

لكنّ انخفاض العجز لا يعني تراجع الإنفاق الحكوميّ، ولا سيّما الإنفاق العسكري. فقد تضخّمت الموازنة العسكرية لعام 2026 بصورة كبيرة، وتدرس الحكومة زيادة إضافيّة تصل إلى 25 مليار شيكل، ما يرفعها إلى 183 مليار شيكل. ووفق حسابات بنك إسرائيل، قد تؤدّي زيادة كهذه إلى رفع العجز من قرابة 4.9% إلى قرابة 5.5% من الناتج، وإضافة 0.3% إلى التضخّم خلال السنة المقبلة. لذلك، قد تدعم بيانات الميزانية الحالية قرار خفض الفائدة، بينما قد يقرّر بنك إسرائيل التريث بسبب الالتزامات الماليّة المقبلة خصوصًا العسكرية منها.

ويتوقّف الأثر التضخّميّ للإنفاق العسكري أيضًا على طبيعته. فالمشتريات الخارجية تؤثّر بدرجة أقلّ في الطلب المحليّ، بينما تؤدّي النفقات على الأجور والاحتياط والمشتريات من الشركات العسكرية الإسرائيليّة والخدمات المحليّة إلى زيادة الطلب محليًا في اقتصاد يعاني أصلًا قيودًا في العرض ونقصًا في القوى العاملة. كما أنّ زيادة عدد جنود الاحتياط تقلّل عدد العاملين المتاحين في القطاع الخاصّ، بالتزامن مع زيادة الإنفاق الحكوميّ والطلب. وهذا المزيج قد يؤدّي إلى ارتفاع التضخّم أكثر من زيادة الإنفاق الحكوميّ في الظروف العاديّة.

وتختلف التقديرات أيضًا بشأن تأثير الخطوات التي قد تتّخذها الحكومة المقبلة لخفض العجز. ويرى كاتس أنّ خطوات مثل رفع الضريبة على السجائر أو إلغاء الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة على الفواكه والخضراوات سترفع الأسعار مرّة واحدة، وليس بصورة مستمرّة. وستظهر هذه الزيادة في حساب التضخّم طوال سنة، ثمّ ينتهي تأثيرها على معدّل التضخّم. لذلك، يرى كاتس أنّ هذه الإجراءات لا تعني استمرار ارتفاع التضخّم، وأنّ بنك إسرائيل لا ينبغي أن يؤجّل خفض الفائدة بسببها. وبرأيه، إذا اتّخذت الحكومة خطوات لخفض العجز، فمن المفترض أن يمنح ذلك بنك إسرائيل مجالًا أكبر لخفض الفائدة، لا أن يدفعه إلى إبقائها مرتفعة. في المقابل، ترى يوسي منشيه أنّ احتمال زيادة الميزانية العسكرية لا يزال يشكّل خطرًا، لأنّ زيادة الإنفاق قد ترفع العجز والطلب وتؤدّي في النهاية إلى ارتفاع التضخّم. ويعتقد اقتصاديّو بنك هبوعليم بأنّ الحكومة المقبلة قد تضطر إلى اتخاذ إجراءات لخفض العجز لم تنفّذها الحكومة الحاليّة، وقد يؤدّي بعضها إلى ارتفاع الأسعار.

ويؤثّر موعد الانتخابات أيضًا في قرار بنك إسرائيل. ويرى اقتصاديّو بنك هبوعليم أنّ تأجيل خفض الفائدة قد يجعل خفضها لاحقًا أكثر صعوبة، بسبب احتمال ارتفاع التضخّم أو تدهور الوضع الأمنيّ، وكذلك بسبب اقتراب الانتخابات. فالقرار المقبل بشأن الفائدة سيصدر قبل الانتخابات بأسبوع فقط، وقد يُنظر إلى خفض الفائدة في ذلك التوقيت على أنّه خطوة تساعد أحزاب الحكومة في حملتها الانتخابيّة. ومع اقتراب الانتخابات، يزداد الغموض بشأن ميزانيّة 2027، وحجم الميزانيّة العسكريّة، والالتزامات الماليّة التي ستتحمّلها الحكومة المقبلة، وكذلك بشأن استقلاليّة بنك إسرائيل. كما أنّ قوّة الشيكل الحاليّة قد لا تستمرّ، إذ يمكن أن يتغيّر سعر صرفه خلال أيّام بسبب تطوّرات سياسيّة أو عسكريّة أو تغيّرات في سياسة الحكومة الماليّة.

535x75 1

مقالات مختارة

Skip to content