
دخلت منظومة المياه في البلاد في أزمة بعد ارتفاع نسبة تعكّر مياه البحر المتوسط وتوقف خمس من أصل ست محطات لتحلية المياه. وتشير التقديرات الحالية إلى أن السبب هو تجمع كثيف لطحالب مجهرية تستطيع المرور عبر المرشحات الأولية للمحطات، لكنها تعلق في الأغشية الدقيقة المستخدمة في عملية التحلية وتسدّها. ولهذا أوقفت المحطات عملها لتجنب إتلاف هذه الأغشية، لأن استمرار التشغيل في ظل هذه الظروف قد يؤدي إلى انسدادها بسرعة، ما يستلزم استبدال أغشية التحلية ويُبقي المحطات خارج الخدمة لفترة طويلة.
وبحسب صحيفة داماركر، أجرت وزارة الطاقة في السنوات الأخيرة تدريبات على سيناريوهات تتعلق بتضرر محطة تحلية واحدة أو أكثر بصاروخ إيراني. وارتفعت نسبة تعكّر المياه على الساحل الجنوبي يوم السبت إلى مستويات تتجاوز الحد الملائم للتشغيل. ويمكن لمحطة التحلية أن تعمل في هذه الظروف لفترة قصيرة، لكن ذلك يزيد خطر انسداد الأغشية الدقيقة التي تفصل الأملاح عن المياه.
أشارت التقديرات الأولية إلى أن الطحالب وصلت من جهة السواحل المصرية، لكن تقديرات لاحقة ربطت الظاهرة أيضًا بتلوث مياه الصرف الصحي المتدفقة من قطاع غزة. وقالت جمعية «تسالول» إن إغلاق معظم محطات التحلية قد يكون نتيجة تضافر عدة عوامل، بينها عدم معالجة مياه الصرف الصحي في غزة وتصريفها إلى البحر مباشرة، على بعد عدة كيلومترات جنوب محطات التحلية. وأضافت الجمعية أن صور الأقمار الصناعية تُظهر أن التلوث يساهم في ازدهار طحالب مجهرية في البحر، وأن كتلًا منها تصل من غزة ومن دلتا النيل، فيما دفعتها الأحوال الجوية والتيارات البحرية خلال عطلة نهاية الأسبوع باتجاه سواحل إسرائيل بتركيز مرتفع.
ارتفاع نسبة تعكّر المياه ليس ظاهرة نادرة بحد ذاته، إذ قد يحدث بسبب اضطراب البحر والطقس العاصف كل بضعة أشهر، خصوصًا في الشتاء. وعادة تستمر هذه الحالات بضع ساعات وحتى يوم واحد. وعندما ترتفع نسبة التعكّر، تتوقف محطات التحلية مؤقتًا، ثم تستأنف العمل بعد انخفاضها. ولهذا اعتقدت سلطة المياه في البداية أن عاصفة في البحر المتوسط كانت السبب، قبل أن يتبين أن الظاهرة مستمرة لفترة أطول.
تعمل في إسرائيل ست محطات لتحلية المياه: في عسقلان، وأسدود، وبلماحيم، ومحطتان في منطقة سوريك، ومحطة في الخضيرة. بين السبت والأحد توقفت محطتا عسقلان وأسدود، ثم توقفت في اليوم التالي ثلاث محطات إضافية، وبقيت محطة الخضيرة وحدها تعمل. وفي المساء انخفضت نسبة تعكّر المياه قليلًا، فقررت سلطة المياه إعادة تشغيل المحطات الواقعة شمالًا، لكن نسبة التعكّر ارتفعت مجددًا في ساعات الصباح الباكر، فتوقفت هذه المحطات مرة أخرى.
ولا يزال سبب ظهور هذه الكمية من الطحالب في هذا التوقيت وطريقة وصولها غير واضحين. وجمع معهد أبحاث البحار والبحيرات يوم الاثنين عينات من الطحالب لتحليلها، ومن المتوقع أن يستغرق تحديد طبيعتها بدقة يومين أو ثلاثة. وحتى تتضح الصورة، فإن الإجراء الأكثر أمانًا بحسب الصحيفة هو الانتظار حتى تنخفض نسبة تعكّر المياه، وعدم التعجيل في إعادة تشغيل المحطات، لأن تشغيلها مبكرًا قد يؤدي إلى انسداد الأغشية وتعطيل المحطات لفترة أطول. ومع ذلك، تخطط الحكومة لإعادة تشغيل محطتي سوريك وبلماحيم رغم استمرار المخاطر.
تعتمد إسرائيل بدرجة كبيرة على تحلية مياه البحر، إذ يأتي 70%–80% من المياه التي تصل إلى المنازل من محطات التحلية. ومع توقف خمس محطات، تفقد المنظومة 80% من المياه التي كانت توفرها هذه المحطات، بما يعادل 1.8 مليون متر مكعب يوميًا في المتوسط. ويُفترض تعويض هذا النقص بالسحب من بحيرة طبريا ومن المياه الجوفية، لكن مخزونات المياه الجوفية منخفضة جدًا، فيما تقع بحيرة طبريا تحت الخط الأحمر.
كان من الممكن لهذه المصادر أن توفر جزءًا كبيرًا من احتياجات المياه لفترة طويلة لو كانت المخزونات الاستراتيجية ممتلئة، إلا أن استخدامها حاليًا ممكن لفترة محدودة فقط. وتتمثل المشكلة التشغيلية الأساسية في إيصال المياه إلى جنوب البلاد، لأن المصدرين الرئيسيين المتاحين حاليًا، وهما محطة الخضيرة وبحيرة طبريا، يقعان بعيدًا عن الجنوب. لذلك، إذا حدثت اضطرابات في إمدادات المياه للمنازل، فمن المرجح أن تتركز في الجنوب، فيما لا يُفترض أن يشعر سكان حيفا، مثلًا، بتغيير ملحوظ.
ولضمان استمرار وصول المياه إلى المنازل في الجنوب، أمرت سلطة المياه بوقف امدادات المياه الزراعية، كما طلبت من البلديات وقف ري الحدائق العامة. ومن المتوقع أن تستمر إمدادات المياه لبقية الاستخدامات في البلاد من دون انقطاع. لكن استمرار ارتفاع نسبة تعكّر المياه بالتزامن مع ضعف المخزونات يعني أن إسرائيل دخلت أزمة مياه فعلية.
وتكشف الأزمة أيضًا أثر قرارات سياسية سابقة أضعفت المخزونات الاستراتيجية. فالسحب من بحيرة طبريا أرخص من إنتاج المياه المحلاة، إذ تبلغ كلفته 0.35 شيكل للمتر المكعب مقابل 2.5 شيكل في المتوسط للمتر المكعب من المياه المحلاة. لكن الحفاظ على إمدادات مياه مستقرة في حالات الطوارئ يتطلب إعطاء الأولوية للتحلية على السحب من طبريا ما دامت البحيرة تحت الخط الأحمر الأعلى.
ورغم التحذيرات التي صدرت في السنوات الأخيرة، ضغط وزير الطاقة إيلي كوهين للإبقاء على أسعار المياه منخفضة بهدف توفير عشرات الأغورات شهريًا لكل أسرة بحسب الصحيفة. وفي يناير 2025، رغم التوقعات التي أكدت شح الأمطار وزيادة نسبة الاستهلاك، قرر مجلس سلطة المياه تقليص كمية المياه المحلاة. وأيد القرار المدير العام لوزارة الزراعة أورون لافي والمدير العام لوزارة الطاقة يوسي ديان.
ولم يكن هذا القرار وحده سبب الوضع الحالي، لكنه تبعته خطوات أخرى هدفت إلى إبقاء أسعار المياه منخفضة على حساب المخزونات الاستراتيجية، بينها خفض أسعار المياه للمزارعين، وتأجيل مدفوعات شراء المياه المحلاة، وتأجيل تشغيل محطة سوريك لتجنب دفع سعر أعلى، إضافة إلى مهاجمة الوزير للجهات المهنية كلما طرحت الحاجة إلى رفع تعرفة المياه.
وتكشف الأزمة أيضًا مشكلة في التوزيع الجغرافي لمحطات التحلية. خمس من المحطات الست تقع من ريشون لتسيون جنوبًا، وجميعها متوقفة حاليًا. ومن المقرر أن يتغير هذا جزئيًا في العام المقبل، مع استكمال أعمال محطة «الجليل الغربي» بعد تأخيرات طويلة خلال الحرب. كما تخطط الحكومة لإنشاء محطة تحلية كبيرة أخرى في عيمق حيفر في بداية العقد المقبل، مع توقع اعتراضات محلية على المشروع.
وبعد انحسار التلوث، ستحتاج سلطة المياه إلى شراء كميات إضافية من المياه المحلاة لإعادة ملء الخزانات التشغيلية التي فرغت، وربما أيضًا لزيادة ضخ المياه إلى بحيرة طبريا. وتباع المياه المحلاة بسعر أقل عندما تُنتج وفق خطة تشغيل موسمية ويومية محددة، بينما ترتفع كلفتها عند تجاوز هذه الخطة. لذلك ستضطر سلطة المياه إلى شراء مياه بسعر أعلى، ما سيؤدي إلى ارتفاع كلفة المياه.
وكان وزير الطاقة إيلي كوهين قد نجح في تغيير القانون بحيث تُحدّث تعرفة المياه مرة واحدة سنويًا بدل مرتين، ضمن محاولات تأجيل رفعها. لذلك ستظهر آثار القرارات السابقة والأزمة الحالية في التعرفة الجديدة التي ستُحدّث في بداية العام المقبل.
وتربط الصحيفة الأزمة أيضًا بالوضع في قطاع غزة، إذ إن استمرار تضرر البنية التحتية للصرف الصحي هناك يعني استمرار تدفق مياه الصرف إلى الشوارع والبحر. ومع حركة التيارات البحرية، قد يصل هذا التلوث إلى سواحل إسرائيل ويؤثر في المياه التي تعتمد عليها محطات التحلية لإنتاج مياه الشرب.










