العمر: 29، الوظيفة: بروفيسور في جامعة ادنبرة

الثلاثاء, سبتمبر 1, 2026 16:30
/
/
العمر: 29، الوظيفة: بروفيسور في جامعة ادنبرة

العمر: 29، الوظيفة: بروفيسور في جامعة ادنبرة

أيقون موقع وصلة Wasla
366091 5 SMART REFRESH Arabic 53 1140x145px 300 ppi

بعد حصول كارول حنا على اللقب الأول في علوم الحاسوب، اكتشفت مبكرًا أن شغفها الحقيقي هو البحث الأكاديمي، لتنطلق في مسيرة قياسية انتهت بتعيينها بروفيسورًا في إحدى أعرق الجامعات الأوروبية، قبل أن تبلغ الثلاثين.

a2d694cf 4bf5 4d68 abb0 7e740a356b2f e1788265058507
كارول حنا

كارول، عرّفينا عن نفسك.

أنا كارول حنا، عمري 29 سنة ومن حيفا. درست المرحلة الثانوية في الكلية الأرثوذكسية، ثم درست علوم الحاسوب في التخنيون وواصلت دراستي الأكاديمية في بريطانيا. ومؤخرًا حصلت على تعيين رسمي بروفيسور في قسم علوم الحاسوب بجامعة إدنبرة.

من طالبة سنة أولى في التخنيون إلى بروفيسور في جامعة أوروبية عريقة خلال نحو عشر سنوات؛ تصفين الأمر كأنه شيء عادي.

عندما تختصر المسيرة بهذه الطريقة، تبدو فعلًا سريعة وغير عادية. لكنني عشتها خطوةً خطوة، ولم أضع منذ البداية خطة تقول إنني سأصبح بروفيسور قبل سن الثلاثين. في كل مرحلة كنت أركز على الفرصة الموجودة أمامي: الدراسة، ثم البحث، ثم الماجستير والدكتوراه، وبعدها التقدم إلى الوظيفة. كان وراء هذه النتيجة الكثير من العمل والضغط والشك أيضًا، إلى جانب دعم المشرفين والفرص التي حصلت عليها. أنا فخورة جدًا بما حققته، لكنني أراه نتيجة تراكم يومي، وليس قفزة واحدة حدثت فجأة.

نعود إلى البداية، لماذا اخترتِ علوم الحاسوب أصلًا؟

في المرحلة الثانوية لم يكن توجهي نحو الحاسوب واضحًا. كنت أميل إلى العلوم، وتخصصت في الكيمياء والبيولوجيا والبيوتكنولوجيا، واعتقدت أن مجالي سيكون أقرب إلى المختبر والكيمياء. لذلك، كان المسار الطبيعي بالنسبة إليّ في البداية أن أواصل في أحد التخصصات العلمية المرتبطة بالمختبرات.

لكن عندما بدأت أبحث بجدية في التخصصات الجامعية وطبيعة العمل التي تنتظرني بعدها، اكتشفت أنني أحب العلوم، لكنني لا أرى نفسي أعيش يوميًا داخل المختبر. «كان واضحًا لي أنني لا أريد حياة المختبرات». كنت أبحث عن مجال يجمع بين التفكير المنطقي والرياضيات، ويمنحني في الوقت نفسه مساحة لحل المشكلات وبناء أشياء جديدة. هكذا بدأت أتعرف إلى البرمجة وعلوم الحاسوب. لم يكن قرارًا بنيته على معرفة مسبقة طويلة بالمجال، بل اكتشافًا تدريجيًا بأن هذه هي البيئة الفكرية التي تناسبني. لذلك اخترت دراسة علوم الحاسوب في التخنيون، ومع الوقت أدركت أنني اتخذت القرار الصحيح.

ماذا حصل بعد التخرج من التخنيون؟

بدأت العمل في شركة “موبايلي” (شركة تكنولوجيا متخصصة في تطوير أنظمة مساعدة السائق وتقنيات القيادة الذاتية)  قبل تخرجي بنحو عام ونصف، بوظيفة طالبة وبدوام جزئي، ثم واصلت العمل فيها بدوام كامل لمدة عام تقريبًا بعد التخرج. كانت تلك فترة كورونا، ولذلك عملت معظم الوقت من المنزل. كانت هذه أول تجربة مهنية حقيقية لي في شركة هايتك كبيرة، وتعلمت منها كثيرًا.

أحببت عملي، لكنني شعرت بأنه أصبح روتينيًا جدًا، وكنت أريد أن أحدث تغييرًا. في الوقت نفسه، واصلت العمل بصورة جزئية على مشروع بحثي بدأته في السنة الأخيرة من دراستي في التخنيون، ووجدت نفسي أعود إليه بحماس حتى بعد انتهاء يوم العمل. هذه المقارنة هي التي دفعتني إلى إعادة التفكير في مساري. كنت أعمل طوال اليوم في وظيفة أصبحت روتينية بالنسبة إليّ، ثم أعود في وقت فراغي إلى البحث لأنني أحببته فعلًا. عندها أدركت أن شغفي الحقيقي موجود في البحث، وبدأت أفكر جديًا في دراسة الماجستير والانتقال إلى الأكاديميا.

acdcb0c8 978d 4688 a02e f816f7eff4bc e1788265004990
كارول حنا

 

كيف كان الانتقال من الصناعة” إلى الأكاديميا؟

لم يكن الانتقال قرارًا مفاجئًا أو قطيعة كاملة مع العمل في الصناعة، بل بدأ برغبة في اختبار مسار مختلف. كنت أعرف أنني أستمتع بالبحث، لكنني لم أكن متأكدة بعد من أن الأكاديميا ستكون مهنتي. لذلك اخترت دراسة الماجستير خارج البلاد وقلت لنفسي سأجرّب البحث الأكاديمي بصورة جدية، وبعدها أقرر إن كنت أريد الاستمرار إلى الدكتوراه.

اخترت الدراسة في “يونيفيرستي كوليدج لندن” في بريطانيا لأن برامج الماجستير فيها تستمر عامًا واحدًا، وكان ذلك مناسبًا لي في تلك المرحلة. كنت أرغب كثيرًا في الخروج وتجربة الدراسة في الخارج، لكنني لم أكن قد عشت وحدي من قبل، كما أن الانتقال حدث في فترة كورونا، حين كان هناك الكثير من عدم اليقين.

سنة الماجستير كانت سنة صعبة ومضغوطة جدًا، لكنها كانت أيضًا سنة مثمرة للغاية. خلال هذه الفترة أدركت أنني لا أستمتع بالبحث فقط، بل أريد أن أبني مسيرتي المهنية حوله. عندها أصبح الانتقال إلى الدكتوراه، ومن ثم إلى الأكاديميا، خطوة طبيعية أكثر منه قفزة إلى المجهول.

ماذا كان موضوع أبحاثك؟

تركزت أبحاثي بشكل عام على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات الأتمتة (automation) لإصلاح الأخطاء البرمجية.

في مرحلة الماجستير، عملت على ما يُعرف بالإصلاح الآلي للبرمجيات، حيث نُنتج عدة تعديلات مختلفة على الكود، ثم نستخدم تقنيات مثل التحسين الجيني والتعلّم المعزز للبحث بصورة آلية عن التعديل الأفضل لإصلاح الخطأ. أما في الدكتوراه، فركزنا على فئة محددة من الأخطاء البرمجية التي تعتبر شديدة الخطورة أو التي يكون فيها عامل الوقت وسرعة التصحيح أمر في غاية الأهمية، والتي قد تؤثر بشكل مباشر في استمرارية عمل الأنظمة والخدمات. هذه الأعطال تحتاج إلى معالجة سريعة (hot fixing)، لأن التأخر في التعامل معها قد يؤدي إلى توقف الخدمة أو إلى آثار أكبر على المستخدمين والمؤسسات.

هل نتجت عن أبحاثك حلول جديدة لمشكلات موجودة؟

نعم. من أهم نتائج البحث أننا وضعنا أسسًا علمية لدراسة ما يُعرف بالإصلاحات البرمجية العاجلة، وطورنا قاعدة بيانات واختبارات تضم مئات الأعطال الحقيقية، بحيث يستطيع الباحثون اختبار تقنيات الإصلاح الآلي عليها. كما درست مدى قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على اقتراح إصلاحات سريعة، ووجدنا أنها قد تقدم حلولًا مفيدة، ولكنها قد تسبب أيضًا مخاطر جديدة إذا استُخدمت من دون رقابة. لذلك أعمل الآن على تطوير طرق تجعل استخدام الذكاء الاصطناعي في حالات الطوارئ البرمجية أكثر أمانًا وموثوقية.

هل كان قرار الاستمرار إلى الدكتوراه واضحًا منذ البداية؟

خلال الماجستير عملت مع المشرفة الرائعة بروفيسور جستينا بيتكه ومع برفيسورة فيديرسيا سارو، وتطوّر بحثنا بصورة جيدة. عندما أوشكت على الانتهاء كانت لدى بروفسيور بيتكه منحة متاحة للدكتوراه وعرضتها عليّ. جهزت مقترح البحث ورسائل التوصية خلال وقت قصير، وقدمت للدكتوراه ثم واصلت العمل معها.

بعد الانتهاء من الدكتوراه لم تفكري في العودة إلى حيفا؟

بالتأكيد فكرت في العودة. كنت متحيرة بين مواصلة مساري الاكاديمي في لندن أو العودة إلى البلاد. سألت عن الفرص الأكاديمية هنا لكن كان عليّ الانتظار حتى يتم فتح باب الترشح لوظائف بحثية في جامعات البلاد. بعد ذلك جاءت الحرب، فتراجعت أكثر عن فكرة الانتظار. في هذه الأثناء علمت بأن جامعة ادنبرة تعرض وظيفة اكاديمية، وهذه كانت فرصة مهنية ممتازة بالنسبة لي فتقدمت لها.

33b78107 1fbc 4997 870e 01148d0c56bb
كارول حنا

 

المسار الطبيعي لمن تنهي الدكتوراه هو مواصلة الأبحاث ونشر المقالات، ثم الانتقال لاحقًا إلى وظيفة ثابتة في جامعة، خصوصًا إذا كانت مرموقة مثل جامعة إدنبرة. كيف تجاوزتِ كل هذه المراحل؟

هناك اعتقاد خاطئ بأنك مجبر على إنهاء الدكتوراه، ثم المواصلة إلى مرحلة الـ”بوست دكتوراه”، وبعدها فقط تستطيع الحصول على وظيفة دائمة. لكن في الواقع الأمر ليس كذلك دائما. الهدف من هذه المرحلة هو أن تثبت قدرتك على العمل كباحث مستقل وأنا خلال الدكتوراه نشرت 19 بحثًا أكاديميًا، وشاركت في مشاريع وتعاونات مختلفة، وساعدت في الإشراف على طلاب ماجستير، واكتسبت خبرة في التدريس. بمعنى آخر، أنجزت خلال الدكتوراه جزءًا كبيرًا مما ينجزه الباحث عادةً خلال البوست دكتوراه.

عندما ظهر المنصب في إدنبرة، قالت لي مشرفتي إن احتمالات قبولي ضئيلة لكنها شجعتني على التقديم. أعددت تصورًا لبرنامجي البحثي ولطريقة تدريسي، وتقدمت إلى الوظيفة وقبلت بناء على ما أنجزته حتى الآن.

حدثينا عن منصبك كبروفيسور في علوم الحاسوب في جامعة ادنبرة.

هو منصب أكاديمي دائم يجمع بين البحث والتدريس، لكنه يميل بصورة واضحة إلى الجانب البحثي، نحو 70% من عملي سيكون في البحث و30% في التدريس. هذا يعني أنني سأبني برنامجي البحثي الخاص في هندسة البرمجيات، وأحدد الأسئلة التي أريد دراستها، وأتقدم للحصول على منح بحثية، وأستقطب طلابًا وأشرف عليهم. سأشارك أيضًا في تدريس علوم الحاسوب وهندسة البرمجيات. المسؤولية كبيرة، لأن المطلوب ليس نشر أبحاث فقط، بل بناء مجموعة بحثية وتطوير مسار أكاديمي مستقل داخل الجامعة. وهذا تحديدًا ما يجعل المنصب خطوة مهمة جدًا بالنسبة إليّ.

كيف تعاملت عائلتك مع قرار بقائك في بريطانيا؟ انت عملياً هاجرتِ.

عندما ذهبت إلى الماجستير شجعوني كثيرًا، لأنه كان لسنة واحدة وكنت سأعود. عندما قُبلت للدكتوراه أصبح الأمر أصعب؛ أربع سنوات أخرى ليست مثل سنة، والآن مع الوظيفة الجديدة الأمر ليس سهلا بالنسبة لهم لكنهم يتفهمون ويشجعون بدون حدود.

لا أحب أن أقول إنني هاجرت. الكلمة تبدو نهائية، وفي سياقنا تحمل وجعًا خاصًا. أفضل أن أقول إنني في بريطانيا منذ خمس سنوات، ولدي الآن عمل جديد. إذا بدأت ولم أحب الوظيفة، أو تغيرت حياتي، يمكنني اتخاذ قرار آخر. الحياة ديناميكية جدًا. كانت خطتي عندما خرجت أن أبقى سنة وأعود، ولم تكن إدنبرة في الخطة أصلًا.

ما رسالتك لطالبة الثانوية التي تقرأ قصتك وتحلم بتحقيق مسارك؟

الرسالة الأولى التي يهمني إيصالها هي أن المسار المهني لا يكون دائمًا خطًا مستقيمًا، وليس من الضروري أن يعرف الإنسان منذ البداية إلى أين يريد الوصول بالضبط، فكثير من الفرص والاتجاهات تتضح له خلال الطريق. أما الفكرة الثانية، فهي أن الرفض والفشل جزء طبيعي من أي مسار مهني، ولا سيما في المجال الأكاديمي. ففي نشر الأبحاث، والتقدّم للمنح، والتنافس على الوظائف، يخضع العمل باستمرار للمراجعة والنقد. لذلك، لا يعني الرفض بالضرورة نهاية الطريق، بل قد يكون أحيانًا خطوة تقود إلى فرصة أنسب، أو فكرة أقوى، أو نتيجة أفضل.

مقالات مختارة

Skip to content