إيلا الكلعي: “الاقتصاد ينمو لكن ذلك لا يعود بالفائدة على الجميع”

الأحد, أغسطس 30, 2026 18:41
/
/
إيلا الكلعي: “الاقتصاد ينمو لكن ذلك لا يعود بالفائدة على الجميع”

إيلا الكلعي: “الاقتصاد ينمو لكن ذلك لا يعود بالفائدة على الجميع”

أيقون موقع وصلة Wasla

تنخفض أسعار الفائدة، وترتفع البورصة، وتصبح توقعات النمو الاقتصادي أكثر تفاؤلًا. رغمًا عن ذلك، ما تزال العديد من العائلات في المجتمع العربي تواجه فجوات في التعليم، والتشغيل، والإسكان، والقدرة على الادخار وتكوين رأس المال. فهذه المعطيات المشجعة لا تنعكس بالضرورة على الحساب المصرفيّ. وتوضّح إيلا الكلعي، رئيسة مجلس إدارة صناديق الاستثمار المشتركة في IBI، أن “اقتصاد الـK ” في العصر الحالي ليس قدرًا محتومًا، وهو اقتصاد يزداد فيه الإغنياء ثراءً والفقراء فقراً.

تحمل العناوين الاقتصاديّة في الفترة الأخيرة مؤشّرات إيجابيّة: انخفاض الفائدة إلى 3.5%، وتراجع التضخّم، وارتفاع توقّعات بنك إسرائيل للنمو الاقتصاديّ لعام 2026 إلى 4%، وبقاء معدّلات البطالة منخفضة، واستمرار تداول الأسهم بمستويات مرتفعة.

غير أنّ وراء هذه المعطيات يكمن سؤال مهم: من المستفيد فعلًا من هذا النمو؟ بالنسبة إلى العديد من العائلات، ولا سيما في المجتمع العربي، قد يكون الواقع اليومي مختلفًا تمامًا عن الصورة التي تعكسها العناوين.

توضّح إيلا الكلعي، رئيسة مجلس إدارة صناديق الاستثمار المشتركة في IBI، كيف يمكن للمؤشّرات العامة أن تعكس اقتصادًا قويًّا، لكنه يعود بالفائدة على فئات محددة بينما لا تحظى فئات واسعة من المجتمع إلا بالفتات.

الا الكلعي، تصوير: إيلان بسور
إيلا الكلعي، تصوير: إيلان بسور

 

عندما تقرئين عن انخفاض الفائدة، وتراجع التضخم، ونمو الاقتصاد، ألّا ترين في ذلك مؤشّرات إيجابيّة؟

بالتأكيد، هذه مؤشّرات إيجابيّة. نحن نريد أن نشهد نموًّا اقتصاديًّا، وانخفاضًا في البطالة، وتراجعًا في نسب التضخّم، وانخفاضًا في أسعار الفائدة. لكن هذه المعطيات لا تعكس كيفيّة توزّع النمو بين المواطنين. فقد ينمو الاقتصاد، في حين لا تشعر شريحة كبيرة من المجتمع بأيّ تحسن في مستوى معيشتها. لذلك، لا يقتصر السؤال على معدل النمو فحسب، بل يتعلق أيضًا بعدد الأشخاص الذين يشاركون فيه فعلًا ويستفيدون من ثماره.

تتحدثين عن «اقتصاد الـ K» في إسرائيل، ماذا يعني ذلك؟

يرمز حرف K إلى مسارين يتحركان في اتجاهين متعاكسين. في المسار الصاعد، نجد من يمتلكون رأس مال، أو عقارًا، أو استثمارات مالية، أو ممتلكات أخرى. ومع ارتفاع قيمة هذه الأصول، تزداد ثرواتهم ويبدأون العام التالي من وضع مالي أفضل.

أما في المسار التنازلي، فنجد من يعتمدون بصورة أساسية على دخلهم الشهري، ويضطرون أحيانًا إلى الاقتراض أو استخدام التسهيلات الائتمانية لتغطية نفقاتهم الجارية. فبدلًا من تحقيق عائد على أموالهم، يدفعون فوائد على الأموال التي يقترضونها. وكلما استمر هذا الوضع، اتسعت الفجوة بين المجموعتين. وعندما يُموَّل الشراء بالائتمان، يدفع المشتري مقابل المنتج أكثر ممن يشتري المنتج نفسه من دون تمويل. وبذلك تنتقل الأموال ممن لا يملكونها إلى من يملكونها، وبكلمات أُخرى، هذا يشكّل ضريبة على الفقراء.

k shape اقتصاد الـ K

لماذا يبرز هذا التفاوت في المجتمع العربي خصوصًا؟

عندما تبدأ فئة من السكان من نقطة تعاني فيها أصلًا من فجوات في التعليم والبنية التحتية وفرص العمل، وفي الحصول على وظائف مرتفعة الأجور، سيكون من الصعب على الأسر الادخار وبناء ثروة.

فالأسرة التي تنفق معظم دخلها على مصروفاتها اليومية لا يمكنها الاستفادة من ارتفاع سوق الأسهم أو من فرص استثمارية أخرى، حتى وإن كانت على دراية بها. ومن دون فائض مالي، تظل قدرتها على الادخار والاستثمار محدودة. وهكذا، تتحول الفجوات في التعليم والتشغيل مع الوقت إلى فجوات في الثروة والممتلكات أيضًا.

هل يمكنك توضيح ذلك بمثال ملموس؟

لنفترض أن امرأة كان لديها في بداية عام 2025 مبلغ 10 آلاف شيكل في حسابها الجاري، فاستثمرتها في سوق الأسهم في تل أبيب، وفي نهاية العام بلغت قيمة استثمارها نحو 15 ألف شيكل. وفي المقابل، كان شخص آخر يحتاج إلى عشرة آلاف شيكل لتغطية نفقاته، فاضطر إلى اقتراضها ودفع نحو 1,400 شيكل مقابل استخدام هذا المال.

ولا يقتصر الفرق على أن الأولى حققت ربحًا، فيما دفع الثاني فائدة؛ فالأولى ستدخل العام التالي برأس مال أكبر، وبقدرة على الاستثمار مجددًا بمبالغ أكبر. أمّا الثاني، فيبدأ العام بأموال أقل، وقد يحتاج إلى ائتمان إضافي. وهكذا تستمر الفجوة في الاتساع عامًا بعد عام.

“إن وقف البرامج الهادفة إلى النهوض بالمجتمع العربي أو تقليصها يؤثّر سلبًا. فهي لا تمس فقط بميزانية سلطة محلية أو ببرنامج معين؛ بل تقلل قدرة الأطفال والشباب والعائلات على تحسين أوضاعهم الاقتصاديّة، والمشاركة في هذا النمور الاقتصاديّ، والاستفادة منه.” – إيلا الكلعي

 مع انخفاض الفائدة، من المفترض أن يشعر أصحاب القروض أيضًا ببعض الارتياح.

يمكن لانخفاض الفائدة بالتأكيد أن يقلل جزءًا من تكاليف الائتمان والقروض، لكنه لا يحل المشكلة البنيوية. فحتى عندما تنخفض الفائدة، يواصل من يمتلك ثروة ورأس مال الاستفادة من العائد، في حين يظل من لا يملك رأس مال معتمدًا على دخله الشهري.

وفقًا لمعطيات جمعية «بعمونيم»، أنفقت نحو 40% من الأسر في إسرائيل خلال عام 2025 أكثر مما كسبته. فيما سجّلت 23% فقط فائضًا ماليًّا، وكانت نحو 37% في حالة من التوازن بين الدخل والمصروفات. ومن الصعب جدًا على الأسرة التي تعاني من عجز مالي أن تدخر مدخرات أو تستثمر أو حتى تتعامل مع مصروف غير متوقّع.

يقال للناس في الخطاب الاقتصادي: ادخروا واستثمروا. لكن هل الاستثمار متاح للجميع؟

الادخار والاستثمار أداتان مهمتان لبناء الأمان الاقتصادي، لكن لكي تستثمر، عليك أوّلًا أن تحقق فائضًا ماليًا. لا يمكن أن نقول لأسرة تنهي الشهر برصيد سالب إنّ الحلّ ببساطة هو أن تبدأ بالاستثمار.

يمكن للثقافة المالية أن تساعد الناس على اتخاذ قرارات أفضل، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة الفجوات في الأجور، أو التعليم، أو التشغيل، أو البنية التحتية. لا تقع المسؤولية على عاتق الأسرة وحدها؛ فللدولة أيضًا دور في توفير الظروف التي تمكّن الأسر من الادخار وبناء رأس المال».

وماذا يمكن أن تفعل الأسرة التي تبقى لديها مبلغ إضافي من المال في نهاية الشهر؟ هل من الصواب الاستثمار فيه سوق رأس المال على الفور؟

أولًا، هناك هنا رسالة للشباب الذين لا يتحملون بعد تكاليف إعالة أسرة، لا تدخلوا في دائرة الديون، افعلوا كل ما في وسعكم للاستثمار بأموالكم بصورة مسؤولة. أمّا بالنسبة إلى الأسرة التي لديها احتياطي مالي محدود، فيكون عليها الاستثمار بحذرٍ ووعي. وقبل اتخاذ لأي قرار استثماري، من المهم فحص الصورة الاقتصاديّة كاملة: هل لديها احتياطي مالي للنفقات غير المتوقعة؟ هل عليها ديون مرتفعة التكلفة؟ متى سنحتاج إلى هذا المال؟ وما مستوى المخاطر الذي تستطيع تحمّله؟

يتيح لنا سوق المال الاستثمار في الصناديق النقديّة، وصناديق السندات الحكوميّة، وأدوات مشابهة، بما يساعد على الحفاظ على قيمة الأموال في ظل التضخم، دون تعريضها لمخاطر الأسواق، لكنّها في المقابل لا تتيح الفرصة لتكوين رأس مال كبير.

يوضح مثال عام 2025 الفجوة بين من يحصل على عائد على أمواله ومن يدفع الفائدة، لكنّ هذا لا يعني أنّ سوق الأسهم يرتفع كلّ عام، أو أن كل مبلغ متاح يجب استثماره في السوق. يجب أن يتلاءم الاستثمار مع الأهداف، والفترة الزمنيّة، ووضع كلّ أسرة.

جانب من فريق العمل في بيت الاستثمار IBI، تصوير: علاقات عامة
جانب من فريق العمل في بيت الاستثمار IBI، تصوير: علاقات عامة

 

ما الخيارات المتاحة أمام من قرر البدء بالاستثمار؟

لا يوجد حلّ واحد يناسب الجميع. في IBI، نقدّم مجموعة متنوّعة من الخيارات التي تلائم الاحتياجات المختلفة، والمستويات الاستثماريّة المتفاوتة. قد يكون التداول المستقل مناسبًا لمن يبدأ بمبالغ استثمار صغيرة نسبيًّا، أو لمن يريد اتخاذ قراراته الاستثماريّة بنفسه، ومتابعة السوق وإدارة نشاطه رقميًّا.

أما من يملك رأس مال مناسبًا ويفضّل إسناد إدارة استثماراته إلى مختصين، فيمكنه اختيار خدمة إدارة الاستثمارات، فتُدار أمواله بما يتناسب مع احتياجاته ومستوى المخاطرة الذي حدده. وثمّة خيارات أخرى، مثل صناديق الاستثمار، وأدوات تتيح الاستثمار في الأسواق أو الاستفادة من الفرص التي يوفرها الاقتصاد العالميّ.

الأهم ألّا نختار وسيلة استثمار لمجرد أنّها رائجة، بل أن نسأل أوّلًا ما الذي يناسبنا فعلًا: كم لدينا من المال الممكن استثماره؟ وكم من الوقت يمكننا الاستثمار فيه؟ وما الغرض الذي نستثمر لأدجله مستقبلًا؟ وهناك أيضًا سؤال شخصي لا يقل أهمية: كيف سنتصرف عندما تمر الأسواق بفترة هبوط؟

ما الذي ينبغي على الدولة فعله لتعزيز مشاركة المجتمع العربي في النمو الاقتصاديّ؟

على الدولة أن تستثمر في البنى التحتية التي تمكّن الأفراد من المشاركة في النمو الاقتصادي والاستثمار بأموالهم: توفير تعليم عالي الجودة منذ سن مبكرة، وتأهيل ملائم لسوق العمل، وتوسيع فرص التشغيل، وإتاحة الخدمات الصحّيّة، وتقديم حلول للإسكان. فكلما اندمج عدد أكبر من الناس في الاقتصاد وأصبحت لديهم رأس مال يمكنهم من الاستثمار، انعكس الأمر إيجابًا على الجميع. وهذا يتطلب خدمات اجتماعية (التعليم، الصحة، الإسكان، البيئة، الرفاه…) متساوية؛ أي أن تتمتع أي طفلة في شفاعمرو على ذات الفرص التعليميّة التي تحصل عليها أي طفلة في تل-ابيب.

إن وقف البرامج الهادفة إلى النهوض بالمجتمع العربي أو تقليصها يؤثّر سلبًا. فهي لا تمس فقط بميزانية سلطة محلية أو ببرنامج معين؛ بل تقلل قدرة الأطفال والشباب والعائلات على تحسين أوضاعهم الاقتصاديّة، والمشاركة في هذا النمور الاقتصاديّ، والاستفادة منه.

shekel atm e1738673509395
أنفقت نحو 40% من الأسر في البلاد خلال عام 2025 أكثر مما كسبته – صورة توضيحية

 

أنتِ ترين أن الانتماء إلى الفئة الاقتصاديّة بات أكثر أهمية من الانتماء إلى الفئات المختلفة في المجتمع الإسرائيلي.

على مدى سنوات، اعتدنا الحديث عن المجتمع الإسرائيلي بوصفه مكوّنًا من فئات مختلفة: علمانيين، ومتدينين قوميين، وحريديم، وعرب. لكن من الناحية الاقتصادية، تتبلور تدريجيًا فئتان مختلفتان: فئة تحصل على فوائد وعوائد من أموالها، وفئة تقضي جزءًا كبيرًا من حياتها في دفع الفوائد.

هذه الفئات الاقتصادية تتجاوز الفئات المجتمعية المختلفة، لكنها لا تؤثر على الجميع بالقدر نفسه. فالفئة التي تبدأ بقدر أقل من الممتلكات، وتعاني فجوات بنيويّة أعمق، تكون أكثر عرضة للبقاء في المسار التنازلي لاقتصاد الـK.

لماذا ينبغي أن يشغل ذلك أيضًا من يستفيدون اليوم من النمو الاقتصاديّ؟

إن مجتمعًا لا تستفيد فيه شريحة متزايدة من السكان من ثمار نموه الاقتصادي لا يمكنه أن يظل مستقرًا على المدى الطويل. فالمسألة لا تقتصر على الأسر التي تعاني عجزًا ماليًّا، بل تتجاوز ذلك وتشكّل خطرًا على الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.

وإذا لم تُتح للمجتمع العربي وفئات أخرى فرصة حقيقية للمشاركة في الاقتصاد والاستفادة من النمو، فإن الدولة تهدر جزءًا كبيرًا من إمكاناتها الاقتصادية. ويستخدم الأمريكيون مصطلح «السُّلَّم المائل» لوصف حالة تُغلق فيها أبواب الاقتصاد أمام فئة معينة، فتتجه إلى إنشاء تنظيمات إجرامية، واقتصاد بديل يعمل بموازاة الاقتصاد الرسمي. فعندما يكون السُّلَّم مستقيمًا، يستطيع الجميع الصعود والتقدّم، أمّا عندما يكون مائلًا، فإن من يُغلق أمامه المسار يبحث عن طرق بديلة للتقدّم.

وهذا يعني أن الخطر لا يهدد من تخلّفوا عن الركب وحدهم؛ ففي نهاية المطاف، نحن جميعًا في مركب واحد، وأي خلل في توازنه سيطالنا جميعًا.

ماذا سيجيب الـ AI عندما يُسأل عنك؟ scaled

مقالات مختارة

Skip to content