
ستنهي لوكسمبورغ في 31 أغسطس مسؤوليتها عن الموافقة على نشرات إصدار سندات الحكومة الإسرائيلية المعروفة باسم «إسرائيل بوندز» (Israel Bonds)، وهي الموافقة المطلوبة حتى تتمكن إسرائيل من عرض هذه السندات على المستثمرين في دول الاتحاد الأوروبي. ويأتي القرار بعد عام واحد فقط من نقل هذه المهمة من أيرلندا إلى لوكسمبورغ. وابتداءً من 1 سبتمبر 2026، لا يُعرف أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي الـ27 ستتولى هذه المهمة، ما يضع إسرائيل أمام ضرورة إيجاد دولة أخرى إذا أرادت مواصلة جمع الأموال من خلال هذه السندات في أوروبا.
وأعلنت هيئة الرقابية المالية في لوكسمبورغ رسميًا أنها لن تستمر في الموافقة على نشرات إصدار «إسرائيل بوندز». وهذه السندات تصدرها الحكومة الإسرائيلية لاقتراض الأموال من المستثمرين، وتُعرض أساسًا على اليهود والمنظمات اليهودية المؤيدة لإسرائيل في الخارج. ورغم أنها تشكل جزءًا صغيرًا من إجمالي السندات التي تصدرها الحكومة الإسرائيلية، جمعت إسرائيل من خلالها أكثر من 2.5 مليار دولار خلال العام الأخير، ومبلغًا مماثلًا في العام الذي سبقه، بحسب بيانات وزارة المالية.
وسندات «إسرائيل بوندز» غير قابلة للتداول، أي إن المستثمر الذي يشتريها لا يستطيع بيعها لاحقًا في سوق السندات، وإنما يحتفظ بها حتى موعد استحقاقها. وهناك حد أدنى للمبلغ المطلوب للاستثمار في كل نوع منها، بينما تُدفع الفائدة مرة أو مرتين في السنة بحسب نوع السند. كما أن سعر الفائدة عليها أعلى من سعر الفائدة على السندات الحكومية الإسرائيلية المتداولة في الأسواق. فعلى سبيل المثال، يبلغ سعر الفائدة على سندات «Jubilee» الدولارية لمدة 10 سنوات، التي تستحق في سبتمبر 2036، 5.9%، مقابل 3.8% على السندات الحكومية الإسرائيلية لأجل 10 سنوات المتداولة في تل أبيب. وتستخدم وزارة المالية الأموال التي تجمعها من «إسرائيل بوندز» لتمويل تطوير الاقتصاد الإسرائيلي.
وبحسب قوانين الاتحاد الأوروبي، تحتاج دولة من خارج الاتحاد، مثل إسرائيل، إلى موافقة جهة رقابية مالية في إحدى دول الاتحاد على نشرة إصدار السندات غير القابلة للتداول حتى تتمكن من عرضها على المستثمرين في الاتحاد. وكانت بريطانيا الجهة التي تتولى هذه المهمة حتى خروجها من الاتحاد الأوروبي فعليًا في 2020،
وبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، انتقلت مهمة الموافقة إلى أيرلندا. لكن العلاقات بين أيرلندا وإسرائيل تدهورت بشدة بعد الحرب على غزة. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، طالبت حكومات أيرلندية مختلفة بتعليق العلاقات التجارية بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، وفرض عقوبات على إسرائيل، ومحاكمة مسؤولين إسرائيليين لتورطهم في الإبادة الجماعية في غزة، والحدّ من العلاقات المالية والتجارية بين أيرلندا وإسرائيل. وفي ديسمبر 2024، أغلقت إسرائيل سفارتها في دبلن.
وفي أيرلندا، تصاعدت أيضًا الضغوط الشعبية والسياسية على البنك المركزي لوقف الموافقة على نشرات «إسرائيل بوندز». واتهم معارضو هذه السندات أيرلندا بأنها تساعد، من خلال السماح لإسرائيل بجمع الأموال، «آلة الحرب الإسرائيلية»، كما أثاروا مخاوف من ارتباط ذلك بجرائم حرب في غزة. وطالبت عدة أحزاب أيرلندية البنك المركزي بوقف الموافقات.
وفي أغسطس 2025، قررت وزارة المالية الإسرائيلية نقل مهمة الموافقة على نشرات الإصدار من أيرلندا إلى لوكسمبورغ. وقالت إسرائيل في ذلك الوقت إن الأمر يمكن أن يشكل فرصة للاقتصاد الإسرائيلي بسبب مكانة لوكسمبورغ كمركز مالي عالمي مهم في مجال إصدار السندات.
لكن لوكسمبورغ نفسها تتبنى موقفًا شديد الانتقاد للسياسة الإسرائيلية. وأثار توليها مهمة الموافقة على نشرات «إسرائيل بوندز» انتقادات شعبية منذ البداية، إلا أن الهيئة المالية في لوكسمبورغ قالت حينها إنها لا تجد سببًا لرفض نقل المهمة إليها. وبعد عام من الضغوط الشعبية والسياسية، قررت الهيئة عدم مواصلة هذه المهمة لسنة أخرى. كما أيدت لوكسمبورغ، إلى جانب أيرلندا وإسبانيا، تعليق اتفاقيات التجارة الحرة مع إسرائيل، وتدعم ممارسة ضغوط على الحكومة الإسرائيلية من خلال العقوبات.
ورغم الضغوط السياسية التي سبقت القرار، لم تصرّح الهيئة المالية في لوكسمبورغ بأنّ موقفها الناقد لإسرائيل هو السبب وراء الرفض، بل قدمت سببًا تقنيًا. وقالت إن أيرلندا كانت الجهة المسؤولة أصلًا عن الموافقة على نشرات إصدار «إسرائيل بوندز»، وإن لوكسمبورغ وافقت على تولّي هذه المهمة بدلًا منها بصورة استثنائية. وبحسب تفسير الهيئة لقواعد الاتحاد الأوروبي، لا يمكن تكرار هذا النقل من أيرلندا إلى لوكسمبورغ كل سنة وتحويل الترتيب الاستثنائي إلى ترتيب دائم.
لكن هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية (ESMA) لم توافق على تفسير لوكسمبورغ للقواعد. وردًا على سؤال من صحيفة Luxembourg Times، قالت الهيئة الأوروبية إن القواعد المعمول بها لا تمنع لوكسمبورغ من الموافقة على طلب أيرلندا نقل هذه المهمة إليها بشكل متجدد عامًا تلو الآخر. أما الهيئة المالية في لوكسمبورغ، فتمسكت بموقفها، وقالت إن نقل مسؤولية الموافقة على نشرات السندات من دولة أوروبية إلى أخرى يجب أن يكون استثنائيًا ومبررًا بظروف خاصة، مثل أن تكون الجهة الرقابية في الدولة التي ستتولى المهمة أكثر خبرة بهذا النوع من السندات، أو أن تكون إسرائيل تصدر سنداتها بالفعل على نطاق واسع في سوق تلك الدولة. ولذلك قررت لوكسمبورغ عدم الاستمرار في الموافقة على نشرات «إسرائيل بوندز» بعد 31 أغسطس، وأكدت أن قرارها نهائي.
ولا يُعرف حتى الآن كيف ستواصل إسرائيل إصدار «إسرائيل بوندز» في الاتحاد الأوروبي بعد هذا التاريخ. ومن بين الاحتمالات المطروحة العودة إلى أيرلندا، لكن البنك المركزي الأيرلندي قال إنه لم يتلق، حتى الأسبوع الأخير، طلبًا من إسرائيل لاستئناف الموافقة على النشرات. وطرحت صحيفة غلوبس احتمال اللجوء إلى القضاء لمحاولة إلزام لوكسمبورغ بمواصلة هذه المهمة، أو الاتفاق مع دولة أوروبية أخرى -غير إيرلندا ولوكسمبورغ- أكثر استعدادًا لتولي المهمة. وفي النهاية، قد تضطر إسرائيل إلى التخلي عن جمع الأموال في أوروبا بهذه الطريقة إذا لم تجد حلًا.
ويمثل قرار لوكسمبورغ إحراجًا لإسرائيل وضربة لصورتها الاقتصادية في أوروبا، خصوصًا أنه يأتي بعد عام واحد فقط من اختيارها بديلًا لأيرلندا. ورغم أن الأموال التي تجمعها إسرائيل بواسطة «إسرائيل بوندز» تشكل جزءًا محدودًا من إجمالي ديونها، فإن هذا المسار يدر أكثر من ملياري دولار سنويًا على الأقل. ورحبت منظمة العفو الدولية «أمنستي» بقرار لوكسمبورغ، ودعت جميع الدول الأوروبية إلى رفض الموافقة على نشرات هذه السندات.
من جهتها، قالت وزارة المالية الإسرائيلية إن الحكومة لا تعتمد على «إسرائيل بوندز» وحدها للاقتراض، بل تجمع الأموال من مصادر متعددة في إسرائيل والأسواق العالمية، وبعملات مختلفة ولفترات زمنية مختلفة. وأضافت أن دائرة المحاسب العام استطاعت منذ بداية الحرب توفير التمويل اللازم لجميع أنشطة الحكومة واحتياجاتها، وأن إسرائيل جمعت أكثر من 700 مليار شيكل من خلال الاقتراض منذ اندلاع الحرب. وبحسب الوزارة، يعكس ذلك ثقة المستثمرين في إسرائيل وخارجها باستقرار الاقتصاد الإسرائيلي وقوته.










