
أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن عقوبات اقتصادية جديدة وغير مسبوقة على إيران، في تحول من التهديد بمزيد من التصعيد العسكري إلى محاولة تجفيف آخر الشرايين الاقتصادية لطهران وقطع جميع علاقاتها المالية مع العالم. وكشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، أمس الاثنين، عن عشرات العقوبات الجديدة على على عشرات الشركات والمؤسسات والأشخاص والسفن المرتبطة بإيران، لكن العنصر الأهم في الخطة هو التهديد بفرض عقوبات ثانوية على الشركات والدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران.
لكن العقبة الأساسية أمام نجاح هذه السياسة هي التنين الصيني، حيث تستورد الصين 90% من النفط الإيراني وتشكل حلقة أساسية تربط إيران بالاقتصاد العالمي. لذلك، فإن محاولة حرمان طهران من مصادرها المالية المتبقية لن تكون فعالة من دون استهداف الشركات الصينية التي تتعامل معها. وكان ترامب قد هدد في وقت سابق بفرض عقوبات ثانوية على أي دولة أو شركة تشتري النفط الإيراني، لكنه لم ينفذ هذا التهديد فعليًا. وفي المقابل، فإن تطبيقه الآن على الصين قد يحول الضغط الاقتصادي على إيران إلى مواجهة اقتصادية مباشرة بين أكبر اقتصادين في العالم.
وتأتي هذه الخطوة بينما تحاول واشنطن الحفاظ على هدنة هشة في الحرب التجارية مع بكين، وقبل أسابيع فقط من اللقاء المقرر بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في سبتمبر. وعندما سُئل بيسنت مباشرة عن احتمال استهداف الصين بالإجراءات الجديدة، قال إن «لا أحد فوق العقوبات الأميركية»، لكنه شدد على تفضيله الدبلوماسية الهادئة وقال إن الإدارة لن تسمي جهات بعينها في هذه المرحلة.
وفي حديثه مع صحيفة داماركر، قال كريغ سينغلتون، الباحث البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، إن بيسنت تهرب إلى حد كبير من الأسئلة المتعلقة بالصين. ورأى أن ذلك مفهوم تكتيكيًا قبل القمة الأميركية الصينية المقررة الشهر المقبل، لكنه حذّر من أن هذا التردد قد يعزز اعتقاد بكين بأن واشنطن لا تريد فرض عقوبات قاسية على الشركات والجهات الصينية التي تتعامل مع إيران.
وترفض الصين منذ سنوات العقوبات الأميركية الأحادية على إيران وتعتبرها غير شرعية. وقد التزمت الشركات الصينية المملوكة للدولة بمعظم العقوبات الأميركية، خشية أن يؤدي انتهاكها إلى منعها من التعامل مع البنوك والمؤسسات المالية الأميركية، لكن بكين سمحت لمصافٍ خاصة باستخدام مسارات التفافية لاستيراد النفط الخام الإيراني وتكريره. وفي مايو، أمرت الحكومة الصينية الشركات المحلية بعدم الامتثال للعقوبات الأميركية المفروضة على خمس مصافٍ، ما وضع البنوك الصينية المرتبطة بهذه الشركات أمام خطر فقدان الوصول إلى النظام المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان إن العقوبات وأساليب الضغط لا تساعد على حل المشكلات، وإنما تؤدي إلى تصعيد لا يخدم مصالح أي طرف.
وقد تصبح المواجهة أكثر خطورة إذا انتقلت واشنطن من استهداف شركات تجارية إلى فرض عقوبات مؤثرة على مؤسسة مالية أو بنك صيني. وقال مايكل سوبوليك، الباحث البارز في معهد هدسون، للصحيفة إن بكين قد تعتبر خطوة كهذه إجراءً مزعزعًا للاستقرار ومهينًا، إضافة إلى كونها خرقًا للهدنة التجارية التي اتفق عليها ترامب وشي. وقد ترد الصين بإجراءات تلحق أضرارًا كبيرة بالولايات المتحدة، بينها تشديد القيود على تصدير المعادن الحيوية الضرورية للصناعات العالمية أو تقييد صادرات أدوية أساسية إلى السوق الأميركية.
وتتجاوز مخاطر العقوبات الجديدة العلاقات الأميركية الصينية، لأنها تأتي بعد الأضرار الاقتصادية العالمية التي تسببت بها الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في أواخر فبراير. فقد أدت الحرب بالفعل إلى اضطراب إمدادات الطاقة وحركة الشحن البحري عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات تجارة السلع في العالم. كما أدت الاضطرابات في أسواق النفط والغاز إلى ارتفاع تكاليف النقل والأسمدة ومدخلات إنتاج أخرى، وزيادة الضغوط التضخمية عالميًا على المستهلكين والشركات، فيما أضاف ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين ضغوطًا أخرى على سلاسل الإمداد العالمية.
وأقر بيسنت نفسه بأن فرض العقوبات الجديدة بصورة شديدة العدوانية ينطوي على مخاطر، وأشار إلى أن الإدارة الأميركية ستمنح الدول والشركات أولًا فرصة لقطع علاقاتها مع إيران قبل فرض عقوبات يمكن أن تمتد آثارها إلى الأسواق العالمية. وبرر هذا النهج بالقول إن واشنطن تمنح الجميع فرصة لتغيير سلوكهم، متسائلًا عن سبب رغبته في «تفجير النظام المالي العالمي».
ولا تقتصر الدول المعرضة لتداعيات العقوبات الثانوية الجديدة على الصين. فبحسب فالي ناصر، الأستاذ في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز والمستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية، فإن معاقبة الدول التي تواصل التعامل مع طهران ستلحق أضرارًا اقتصادية أيضًا بالهند وتركيا ودول في منطقة الخليج. ويرى ناصر أن الولايات المتحدة، باتباع هذه السياسة، تخاطر بتحويل حربها في الخليج إلى صراع أوسع بكثير بينها وبين قوى ودول أخرى في أنحاء العالم.












