
دخلت المنافسة بين OpenAI وأنثروبيك مرحلة جديدة مع استعداد الشركتين لطرح أسهمهما في البورصة، بعدما تمكنت أنثروبيك للمرة الأولى من تجاوز منافستها في الإيرادات، إلى جانب تحقيق نتائج أفضل من حيث النمو والربحية. وتتشابه الشركتان في جوهر التكنولوجيا التي تطورانها، لكنهما اختارتا مسارين تجاريين مختلفين، إذ وسّعتْ OpenAI نشاطها إلى عدد كبير من المنتجات والمجالات واعتمدت بدرجة كبيرة على جذب المستخدمين الأفراد، بينما ركزت أنثروبيك على أداة Claude وعلى الشركات والمبرمجين واستخدام الذكاء الاصطناعي في العمل.
وللمنافسة بينهما جانب شخصي أيضًا. فقد أسس أنثروبيك عدد من كبار الموظفين الذين غادروا OpenAI بعد أزمة ثقة داخل الشركة. كما تسود علاقة متوترة بين الرئيس التنفيذي لأنثروبيك داريو أمودي والرئيس التنفيذي لـOpenAI سام ألتمان. وظهر الخلاف علنًا في أكثر من مناسبة؛ إذ تجنب الاثنان التواصل المباشر خلال قمة للذكاء الاصطناعي في الهند في فبراير، وسخرت أنثروبيك في حملتها الإعلانية خلال مباراة السوبر بول من قرار OpenAI إدخال الإعلانات إلى ChatGPT، فيما وصف ألتمان الحملة بأنها «كاذبة». كما قال أمودي مرارًا إنه لا يثق بألتمان، بينما يعتقد ألتمان أن أمودي حاول الإضرار بـOpenAI.
وتصدرت OpenAI قطاع الذكاء الاصطناعي منذ إطلاق ChatGPT، ثم تبنت استراتيجية توسّع واسعة شملت خططًا لتطوير الرقائق وأجهزة إلكترونية موجهة للمستهلكين، وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، والدخول في صناعة الفيديو وشبكات التواصل والمتصفحات والتطبيقات والإعلانات. إلا أن الشركة تخلت لاحقًا عن بعض هذه المشاريع، مثل إغلاقها منصة Sora لإنتاج الفيديو بواسطة الذكاء الاصطناعي. في المقابل، ركزت أنثروبيك بصورة أكبر على Claude واستخدامه داخل الشركات، وأدوات البرمجة، وزيادة إنتاجية الموظفين وحل المشكلات المرتبطة بالعمل، وهو توجه ساهم في تسارع نمو أعمالها.
وبلغت إيرادات OpenAI في الربع الثاني من العام الحالي 6.7 مليار دولار، بزيادة 18% عن الربع الأول، بينما بلغت إيرادات أنثروبيك 11.6 مليار دولار، بزيادة تجاوزت 100%. وبناءً على حجم الإيرادات التي تحققها الشركتان حاليًا، يُتوقع أن تتجاوز إيرادات OpenAI خلال عام كامل 40 مليار دولار، مقابل 65 مليار دولار لأنثروبيك. ويمثل الرقم الخاص بأنثروبيك زيادة تتجاوز 600% مقارنة بـ2025، ومن المتوقع أن تبلغ إيرادات الشركة 100-120 مليار دولار بنهاية 2026.
ويتزامن هذا النمو مع استعداد الشركتين لطرح أسهمهما في البورصة. وقدمت كل منهما بالفعل مستنداتهما (بشكل غير معلن بعد) إلى الجهات الرسمية تمهيدًا للطرح العام. وقد تكشف أنثروبيك أوراق الطرح للجمهور خلال الأسابيع المقبلة، مع احتمال تنفيذ الطرح في سبتمبر أو أكتوبر. وذكرت تقارير أن الشركة تستهدف جمع 100 مليار دولار من المستثمرين من خلال طرح أسهمها بقيمة إجمالية للشركة تبلغ 2 تريليون دولار. وفي المقابل، أبلغت OpenAI موظفيها بأن طرح أسهمها قد يتأجل إلى 2027.
ولا يقتصر تفوق أنثروبيك الحالي على الإيرادات. فقد ارتفعت الخسارة التشغيلية لـOpenAI، بما يشمل المكافآت التي تمنح للموظفين على شكل أسهم، من 9.3 مليار دولار في الربع الأول إلى 12.3 مليار دولار في الربع الثاني، أي إن خسائرها ارتفعت بوتيرة أسرع من إيراداتها. أما أنثروبيك فأعلنت تحقيق ربح محدود بعد إجراء بعض التعديلات المحاسبية، وقالت للمستثمرين إنها أصبحت أكثر كفاءة في استخدام موارد الحوسبة. لكن طريقة احتساب هذا الربح ليست واضحة حتى الآن، وستكون أوراق الطرح ضرورية لمعرفة وضع الشركة المالي بدقة.
وتثير نتائج OpenAI قلق بعض مساهميها، خصوصًا مع تفوق أنثروبيك عليها في الإيرادات والنمو والربحية. وتزداد المخاوف أيضًا بسبب الاتفاقيات الضخمة التي وقّعتها OpenAI لاستخدام مراكز البيانات والرقائق اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها وتشغيلها، والتي تفرض على الشركة نفقات هائلة خلال السنوات المقبلة. ولكي تتمكن من تغطية هذه النفقات، ستحتاج إلى زيادة إيراداتها إلى مئات مليارات الدولارات، بينما لا تزال بعيدة عن ذلك حاليًا. كما شهدت إدارة OpenAI سلسلة من الاستقالات خلال الأسابيع الأخيرة، إذ غادر الشركة عدد من كبار المسؤولين، بينهم براد لايتكاب ومديرة الإيرادات دينيس دريسر. وأصبحت قيادة الشركة متركزة في يد قلة من المسؤولين، بينهم ألتمان، والمديرة المالية سارة فراير، ورئيس الشركة غريغ بروكمان.
يعود جزءٌ من تفوق أنثروبيك في الإيرادات إلى اختلاف الطريقة التي اختارتها كل شركة لتحقيق الأرباح. فقد ركزت OpenAI منذ البداية على جذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين الأفراد، على أمل تحقيق إيرادات من الاشتراكات المدفوعة والإعلانات. ويستخدم ChatGPT حاليًا ما يقارب مليار شخص شهريًا، لكن عدد المستخدمين الذين يدفعون مقابل الاشتراك كان أقل من توقعات الشركة. كما تواجه OpenAI منافسة قوية من Gemini التابع لغوغل، الذي يقدم للمستخدمين خدمات واسعة مجانًا، ما يزيد صعوبة إقناعهم بالدفع مقابل ChatGPT. وبدأت OpenAI أيضًا عرض الإعلانات في ChatGPT ووسعت هذه الخدمة الأسبوع الماضي إلى دول إضافية
أما أنثروبيك، فحققت الجزء الأكبر من تقدمها بالتركيز على الشركات والموظفين والمبرمجين، الذين أظهروا استعدادًا أكبر لدفع مبالغ مرتفعة مقابل أدوات الذكاء الاصطناعي التي يستخدمونها في العمل. وأصبح Claude بالنسبة إلى أنثروبيك منتجًا موجهًا بالدرجة الأولى إلى الاستخدام المهني أثناء العمل، بدل الاعتماد على جذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين الأفراد.
ودفع نجاح هذا النموذج OpenAI إلى زيادة تركيزها بسرعة على الشركات، من خلال Codex وتطبيقات مخصصة للمؤسسات والعمل، في محاولة لمنافسة Claude مباشرة، بالتوازي مع استمرار تطوير ChatGPT للمستخدمين الأفراد وتوسيع الإعلانات. وتشير تقارير حديثة إلى أن النماذج الجديدة التي أطلقتها OpenAI في يوليو ساعدت بالفعل على تسريع نمو الإيرادات، ولا سيما من الإيرادات التي مصدرها الشركات، لكن من المبكر تحديد ما إذا كان ذلك سيعيد إليها الصدارة.

وتحاول OpenAI أيضًا تعزيز قدرتها التنافسية من خلال خفض أسعار الاشتراكات لديها وتحسين علاقتها بالحكومة الأميركية إلى جانب تقديم نفسها كشركة تتحمل مسؤولية أخلاقية في تطوير تماذج الذكاء الاصطناعي، وهي الصورة التي ارتبطت أساسًا بأنثروبيك. وقال ألتمان إن الشركة أبطأت مؤقتًا تطوير بعض النماذج لإضافة إجراءات حماية، بعد حادثة تمكن فيها أحد نماذجها من الخروج من بيئة الاختبار واختراق أنظمة شركة أخرى. كما أتاحت للزبائن خيارًا يمنع الشركة من الاحتفاظ ببياناتهم، في حين تحتفظ أنثروبيك ببيانات الزبائن لمدة 30 يومًا.
لكن أنثروبيك تواجه بدورها مخاطر كبيرة قبل دخول البورصة. فقد عقدت الشركة اجتماعات مع مصرفيين ومستثمرين في سان فرانسيسكو لقياس حجم اهتمامهم بالطرح، وتلقى مديرها المالي كريشنا راو أسئلة عن المنافسة، وهوامش الأرباح التي تستطيع الشركة تحقيقها في ظل وجود نماذج مفتوحة المصدر أرخص، وعن تأثير أي تباطؤ في بناء مراكز البيانات على أعمالها.
وتحتاج أنثروبيك، مثل OpenAI، إلى توسع سريع في البنية التحتية لتلبية الطلب على نماذج وخدمات جديدة. وتنفق شركات التكنولوجيا الكبرى مئات مليارات الدولارات هذا العام على إنشاء مراكز البيانات وشراء وحدات معالجة الرسوميات اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي. إلا أن المعارضة الشعبية لبناء المزيد من هذه المراكز تتزايد في الولايات المتحدة. وأظهر استطلاع أجرته غالوب في مايو أن 7 من كل 10 أميركيين يعارضون بناء مراكز بيانات في مناطقهم، وأن قرابة نصف المشاركين يعارضون ذلك بشدة، مقابل ربع المشاركين الذين يؤيدونه.
وأصبحت القضية سياسية أيضًا قبل انتخابات الكونغرس المقررة بعد ثلاثة أشهر، مع اعتراض سياسيين من الحزبين على بناء مراكز بيانات إضافية. وكان الموضوع حاضرًا في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في فلوريدا، التي فاز بها براين دونالدز، المؤيد لفرض قيود على مراكز البيانات. وفي اليوم نفسه، وقع حاكم بنسلفانيا الديمقراطي جوش شابيرو أمرًا تنفيذيًا يحدد شروطًا صارمة لإقامة هذه المراكز في الولاية. وتتوقع أنثروبيك أن تدرج تصاعد المعارضة الشعبية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات ضمن المخاطر الرئيسية التي قد تؤثر في أعمالها بعد دخولها البورصة.
وتواجه OpenAI وأنثروبيك تحديات أخرى، أبرزها النفقات الضخمة المطلوبة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. كما تواجهان منافسة من نماذج صينية مفتوحة المصدر بأسعار رخيصة، ما قد يدفع بعض الشركات والمطورين إلى استخدامها بدلًا من خدمات OpenAI وأنثروبيك. كما تخشى الشركتان أن تبدأ المؤسسات المالية بتقليص استثماراتها في الذكاء الاصطناعي إذا وجدت أن المبالغ الكبيرة التي تنفقها عليه لا تحقق نتائج تبرر هذه النفقات.
ورغم تقدم أنثروبيك الحالي، لم تُحسم المنافسة. فقد أظهرت بيانات حديثة تحسن نمو إيرادات OpenAI خلال الربع الحالي، خصوصًا من الشركات. وفي ظل سرعة تغير موازين القوى في قطاع الذكاء الاصطناعي، ستعتمد المنافسة المقبلة على قدرة كل شركة على تحويل الاستخدام الواسع لنماذجها إلى إيرادات وأرباح، مع السيطرة في الوقت نفسه على تكاليف الحوسبة ومواجهة المنافسة المتزايدة والمعارضة الشعبية لتوسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.











