سوق قيمته 32 تريليون دولار… حرب الولايات المتحدة على سنداتها

الإثنين, أغسطس 24, 2026 00:50
/
/
سوق قيمته 32 تريليون دولار… حرب الولايات المتحدة على سنداتها

سوق قيمته 32 تريليون دولار… حرب الولايات المتحدة على سنداتها

ما الأزمة التي تعصف بأكبر سوق للسندات في العالم؟ كيف ستتأثر الأسواق والاقتصاد الأمريكي وأسعار الذهب والبيتكوين والدولار وقيمة الجمارك؟ وما الإجراءات التي تتخذها إدارة ترامب لمواجهتها؟
أيقون موقع وصلة Wasla
IBI SMART 535 x 75 px 1
1280px The White House 54443121271 cropped
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتوسط وزيرة خزانته سكوت بيسنت (يمين) ووزير التجارة هوارد لوتنيك

 

دخل سوق سندات الخزانة الأميركية، وهو أكبر سوق للسندات الحكومية في العالم وتبلغ قيمة السندات المتداولة فيه 32 تريليون دولار، في حالة اضطراب خلال الأشهر الأخيرة. فقد انخفضت أسعار سندات الخزانة، خصوصًا السندات طويلة الأجل التي يحين موعد سدادها بعد 10 سنوات و30 سنة. وجاء هذا الانخفاض على عكس ما كان متوقعًا؛ إذ كانت الأسواق تتوقع أن تتراجع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، وهو ما يؤدي عادة إلى ارتفاع أسعار السندات المتداولة في السوق.

وفي منتصف الأسبوع الماضي، ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية المسُتحَقة بعد 30 عامًا إلى 5.3%، وهو أعلى عائد لها منذ 20 عامًا. ويعني ارتفاع العائد أن المستثمرين أصبحوا يطلبون عائدًا أكبر مقابل إقراض الحكومة الأميركية، بسبب مخاوفهم من استمرار التضخم في الولايات المتحدة ومن بقاء أسعار الفائدة مرتفعة. وحدث الأمر نفسه في أسواق السندات الحكومية في اليابان وفرنسا وبريطانيا، التي تعاني هي الأخرى من ارتفاع ديون حكوماتها.

ويشكل ارتفاع عوائد السندات مشكلة كبيرة للولايات المتحدة، لأن الحكومة تصبح مضطرة إلى دفع فوائد أعلى عند إصدار سندات جديدة، سواء لتمويل نفقاتها أو لسداد ديون سابقة حان موعد سدادها. كما تنتقل أسعار الفائدة المرتفعة إلى الشركات والأسر، فترتفع تكلفة القروض والرهون العقارية، ما قد يقلل الاستهلاك والاستثمار ويدفع الاقتصاد الأميركي إلى التباطؤ أو الركود. وقد تجاوز الدين الحكومي الأميركي الأسبوع الماضي 40 تريليون دولار، وستدفع الحكومة الأميركية هذا العام تريليون دولار لسداد فوائد ديونها وأجزاء من الديون التي يحين موعد سدادها، وهو مبلغ يعادل 20% من موازنتها السنوية. ولهذا تتابع الحكومة الأميركية سوق السندات باهتمام بالغ، لأن ارتفاع العوائد يؤثر مباشرة في تكلفة تمويلها.

وحاول وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت وقف ارتفاع عوائد السندات بعدة خطوات. فقبل أكثر من أسبوعين، تدخل في سوق العملات في محاولة لوقف تراجع الين الياباني. والسبب هو أن اليابان تمتلك سندات خزانة أميركية بأكثر من تريليون دولار. وإذا استمر الين في الانخفاض، فقد يضطر المستثمرون والمؤسسات اليابانية إلى بيع جزء من هذه السندات للحصول على الأموال التي يحتاجون إليها. وزيادة بيع السندات الأميركية تعني زيادة المعروض منها، ما يؤدي إلى انخفاض أسعارها وارتفاع عوائدها أكثر. لذلك حاول بيسنت دعم الين لتقليل احتمال بيع اليابانيين كميات كبيرة من السندات الأميركية.

ثم اتخذ بيسنت خطوة ثانية الأربعاء الماضي، وهذه المرة تدخل مباشرة في سوق السندات. فلدى وزارة الخزانة الأميركية برنامج قائم تشتري من خلاله كميات محدودة من السندات الحكومية طويلة الأجل، بهدف الحفاظ على سهولة تداولها في السوق. وقرر بيسنت توسيع هذا البرنامج، فرفع المبلغ المخصص لشراء السندات من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار، ثم أعلن أن المشتريات يمكن أن تزداد أكثر إذا لزم الأمر. ومن خلال زيادة شراء السندات، تسعى الوزارة إلى رفع الطلب عليها والحد من انخفاض أسعارها، وبالتالي وقف ارتفاع عوائدها. وبالتوازي مع ذلك، حاول بيسنت طمأنة المستثمرين، مؤكدًا أن الاقتصاد الأميركي في وضع جيد وأن المخاوف من استمرار التضخم وبقاء أسعار الفائدة مرتفعة غير مبررة.

لكن الأسواق لم تتفاعل إيجابيًا مع هذه الخطوات إلا لفترة قصيرة جدًا. فبعد إعلان بيسنت مباشرة، زاد الطلب على سندات الخزانة وارتفعت أسعارها. وفي اليوم التالي توقف الارتفاع، ثم عادت الأسعار إلى الانخفاض يوم الجمعة. وبنهاية الأسبوع، أصبحت أسعار السندات قريبة من أسعارها قبل إعلان الخطة، أي إن التدخل لم ينجح حتى الآن في تغيير اتجاه السوق.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الذهب والفرنك السويسري وبيتكوين، وهي أصول يزداد الطلب عليها عادة عندما يخشى المستثمرون حدوث اضطرابات مالية، بينما تراجع الدولار بوضوح أمام العملات الأخرى. وتعكس هذه التطورات تزايد شكوك المستثمرين في قدرة إدارة ترامب على معالجة ارتفاع الدين والعجز في الموازنة ووقف تراجع أسعار سندات الخزانة.

960px Courtesy Call from the U.S. Presidential Delegation Led by Secretary of the Treasury Bessent
وزير الخزانة الأمريكي رفقة رئيس الوزراء الياباني في 2025، الصورة: ويكيميديا

 

وتواجه إدارة ترامب مشكلة إضافية تتعلق مصدر الأموال التي ستستخدمها وزارة الخزانة لشراء السندات طويلة الأجل. فالمبلغ المعلن، 4 مليارات دولار، ضئيل جدًا مقارنة بسوق تبلغ قيمتها 32 تريليون دولار. وإذا أرادت وزارة الخزانة زيادة مشترياتها من السندات، فعليها توفير الأموال اللازمة لها. وهي لا تستطيع تمويل شراء السندات عن طريق إصدار أموال جديدة، لأن الاحتياطي الفيدرالي هو الجهة التي تملك صلاحية زيادة المعروض النقدي في الولايات المتحدة.

وخلال الأزمة المالية في 2008 وجائحة كورونا، ضخّ الاحتياطي الفيدرالي أموالًا جديدة، واستخدمها لشراء كميات ضخمة من سندات الخزانة المتداولة في السوق. وأدى ذلك إلى زيادة الطلب على السندات وارتفاع أسعارها وانخفاض عوائدها. في المقابل، لا تمتلك وزارة الخزانة هذه الصلاحيات، ولذلك إذا أراد بيسنت شراء المزيد من السندات طويلة الأجل، فعليه جمع الأموال من مكان آخر، وأحد الخيارات هو إصدار المزيد من السندات قصيرة الأجل وبيعها للمستثمرين، ثم استخدام الأموال التي يحصل عليها لشراء السندات طويلة الأجل.

وقد توقع المستثمرون بالفعل أن تزيد وزارة الخزانة إصدار السندات قصيرة الأجل، فتراجعت أسعار هذه السندات في نهاية الأسبوع. كما بات واضحًا أن شراء وزارة الخزانة للسندات بمفردها قد لا يكون كافيًا لوقف ارتفاع العوائد طويلة الأجل، وأن تدخلًا واسعًا وفعالًا سيحتاج على الأرجح إلى مشاركة الاحتياطي الفيدرالي. وحتى الآن لم يعلن رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش موقفه من التطورات.

وتزيد مشكلة المصداقية من صعوبة مهمة إدارة ترامب. ففي أبريل 2025، أعلن ترامب فرض رسوم جمركية مرتفعة على عدد كبير من الدول في إطار ما سماه «يوم التحرير»، لكن أسعار السندات الأميركية انخفضت بقوة بعد الإعلان، ما دفعه إلى التراجع عن جزء كبير من خطته. ومن هنا ظهر تعبير TACO، وهو اختصار لعبارة Trump Always Chickens Out، في إشارة إلى إعلان ترامب خطوات اقتصادية حادة ثم التراجع عنها تحت ضغط الأسواق.

كما تعرضت مصداقية بيسنت للضرر بعدما كلفه ترامب مرارًا بطمأنة الأسواق، وبعدما أعلن أكثر من مرة أن اتفاقًا لوقف إطلاق النار مع إيران بات وشيكًا من دون أن يتحقق ذلك. وهذا مهم في الأزمة الحالية، لأن نجاح الحكومة في تهدئة سوق السندات يعتمد أيضًا على اقتناع المستثمرين بأن الإدارة قادرة فعلًا على تنفيذ ما تعلنه.

وتواجه إدارة ترامب الآن “عواصف مالية” في سوق تبلغ قيمته 32 تريليون دولار ويشارك فيها عدد هائل من المستثمرين، من حكومات تحتفظ بسندات الخزانة الأميركية ضمن احتياطياتها، إلى البنوك والمؤسسات الاستثمارية ومئات الملايين من المستثمرين الأفراد. ولذلك لن يكون من السهل على الحكومة تغيير اتجاه السوق بمجرد تصريحات أو مشتريات محدودة. وإذا استمر انخفاض أسعار السندات وارتفاع عوائدها، فقد تضطر الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية أكبر لإقناع المستثمرين بقدرتها على ضبط ديونها وماليتها العامة، وقد تترتب على هذه الإجراءات تكاليف اقتصادية كبيرة.

مقالات مختارة

Skip to content