
صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضغوط الاقتصادية على إيران، مهددًا كل دولة أو شركة تواصل علاقاتها التجارية مع طهران بعقوبات وإجراءات قاسية. وقال ترامب إن تهريب النفط، وخطوط المقايضة، وتحويلات الأموال النقدية، وشركات الصرافة، والسفن، والشركات الوهمية، كلها أدوات يجب وقفها فورًا، داعيًا حلفاء الولايات المتحدة إلى عزل إيران اقتصاديًا.
ويستهدف التصعيد الأمريكي ما يُعرف بـ”اقتصاد الظل” الإيراني، وهو شبكة واسعة من القنوات غير الرسمية التي تستخدمها طهران للالتفاف على العقوبات الغربية. وتشير تقديرات إلى أن هذه المنظومة تمثل ما يقارب ثلث النشاط الاقتصادي الإيراني، وتساعد النظام على الاستمرار في تمويل عملياته رغم القيود المفروضة عليه.
وتعتمد إيران في تشغيل هذه الشبكة على شركات وهمية ووسطاء ماليين وشبكات نقل وشحن معقدة تسمح لها ببيع النفط وإجراء التحويلات المالية بعيدًا عن قيود النظام المصرفي الرسمي. وتدرس واشنطن فرض عقوبات على الجهات التي تتعامل مع إيران، على غرار الإجراءات التي اتبعتها ضد كوريا الشمالية عام 2017. وهذا يعني أن شركات وبنوك ودولًا عديدة قد تجد نفسها أمام خيار قطع العلاقات مع طهران أو مواجهة إجراءات أمريكية.
وتأتي الصين في مقدمة الدول التي قد تتأثر بهذه الخطوة، إذ تشتري أكثر من 90% من صادرات النفط الإيرانية. وحتى الآن، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على بعض المصافي الخاصة الصينية وشركات الشحن والسفن التي تُستَخدَم ضمن ما يسمى “أسطول الظل” لتهريب النفط الإيراني، لكنها لم تستهدف البنوك الصينية الكبرى التي تمول الصفقات التجارية مع إيران.
كما تلعب هونغ كونغ دورًا مهمًا في شبكة التجارة الإيرانية، إذ فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أفراد وشركات مقرها هونغ كونغ والصين ساعدت في شراء أسلحة للحرس الثوري الإيراني ووزارة الدفاع الإيرانية، بينها شركة مرتبطة بشبكة مصرفية سرية تستخدمها إيران.
وتظهر آثار الضغط الأمريكي على التبادل التجاري بين الصين وإيران، إذ بلغت قيمة التجارة غير النفطية بين البلدين أقل من 823 مليون دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من الحرب، بين مارس ويونيو، وهو ما يعادل ربع المستوى المسجل خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وتعد الإمارات العربية المتحدة من أبرز الدول التي ارتبطت اقتصاديًا بإيران، إذ كانت حتى وقت قريب بوابة التجارة الرئيسية لطهران بسبب موقعها الجغرافي ودور دبي كمركز تجاري ومالي. وقبل إعلان ترامب تصعيد العقوبات بيوم واحد، علّقت الإمارات العلاقات المالية والاقتصادية مع إيران بعد اتهام طهران بإطلاق صاروخين باليستيين باتجاه أراضيها.
وتُعد الإمارات من أهم الممرات التجارية لإيران، إذ استوردت طهران منها بضائع بقيمة 21 مليار دولار عام 2024، أي أكثر من 30% من إجمالي وارداتها، وكانت المنتجات الإلكترونية من أبرز هذه الواردات. وفي المقابل، بلغت صادرات الإمارات إلى إيران قرابة 7 مليارات دولار، معظمها من النفط. كما تستخدم إيران شركات وهمية ومكاتب صرافة في دبي لتحويل الأموال والالتفاف على القيود المفروضة على نظامها البنكي.
وتستخدم إيران أيضًا شركات وهمية ومكاتب صرافة في دبي لتحويل الأموال التي تحصل عليها من بيع النفط باليوان الصيني إلى عملات يمكن استخدامها فعليًا، بعيدًا عن النظام المصرفي الرسمي. وتعتمد نسبة كبيرة من المعاملات المالية الإيرانية على الإمارات، حيث تُباع شحنات النفط الإيراني إلى مصافي صينية عبر شبكة من الوسطاء المرتبطين بالحرس الثوري ووزارة الاستخبارات الإيرانية.
ولا تقتصر وسائل الالتفاف الإيراني على الصين والإمارات، إذ تحاول إيران نقل جزء من تجارتها عبر دول أخرى مثل العراق وتركيا وروسيا وباكستان وأفغانستان ودول آسيا الوسطى. ويبرز في هذا المجال دور شركة “خاتم الأنبياء”، الذراع الهندسية والتنفيذية الرئيسية للنظام الإيراني، التي تدير شبكة من مئات الشركات التابعة العاملة في قطاعات مثل الزراعة والنقل والعقارات والطاقة والأدوية.
وتشارك هذه الشركة في مشاريع في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأمريكا الوسطى والجنوبية. وفي العراق وسوريا ولبنان واليمن، شاركت في مشاريع تشمل بناء قواعد وطرق وسكك حديدية وأنفاق ومشاريع زراعية وسكنية.
وتستخدم إيران العراق أيضًا كمسار لتهريب النفط، إذ يجري نقل جزء من النفط الإيراني إلى البصرة، حيث تقوم شبكات تهريب بخلطه مع النفط العراقي وبيعه على أنه نفط عراقي، ثم إعادة الأموال إلى إيران نقدًا. كما تستخدم إيران محطات عبور في ماليزيا وسنغافورة لإعادة تسمية النفط الإيراني على أنه “خليط ماليزي” بهدف إخفاء مصدره الحقيقي.
وتلعب دول مثل بنما والكاميرون دورًا في شبكة الشحن المرتبطة بإيران من خلال السماح بتسجيل سفن ضمن سجلاتها البحرية، بحيث تبحر هذه السفن تحت علمها، وهو ما يُستخدم أحيانًا ضمن ما يُعرف بـ”أسطول الظل” لنقل النفط والغاز الإيرانيين.
وتبرز الهند أيضًا كإحدى الدول التي قد تتأثر بالعقوبات الأمريكية الجديدة بسبب علاقاتها التجارية مع إيران. فقد تراجع تصدير الهند إلى إيران بنسبة 60% خلال الأشهر الأولى من الحرب ليصل إلى 150 مليون دولار فقط. وتعد الهند موردًا رئيسيًا للمواد الخام الدوائية لإيران، إضافة إلى الأرز البسمتي والفواكه والخضروات، لكنها أوقفت الشحنات بعد إغلاق مضيق هرمز، واشترطت استئنافها ضمان مرور آمن للسفن الهندية. في المقابل، ارتفعت واردات الهند من إيران 4 مرات خلال النصف الأول من العام لتصل إلى مليار دولار، بسبب زيادة شراء النفط الخام والغاز النفطي المسال.
ولا تقتصر العلاقات الاقتصادية مع إيران على الدول الآسيوية، إذ توجد تعاملات محدودة أيضًا مع بعض الدول الأوروبية. ففي بريطانيا، بلغ حجم التبادل التجاري مع إيران حتى نهاية الربع الثاني من عام 2025 قرابة 420 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل 570 مليون دولار. وشمل ذلك واردات بريطانية من إيران بقيمة 275 مليون جنيه إسترليني، بزيادة 10% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مقابل صادرات بريطانية إلى إيران بقيمة 145 مليون جنيه إسترليني. وفي ألمانيا، بلغ حجم الصادرات إلى إيران عام 2022 قرابة 1.9 مليار دولار، مقابل واردات ألمانية محدودة من إيران بلغت 178 مليون دولار.
ويضع التصعيد الأمريكي شبكة التجارة الإيرانية غير الرسمية تحت ضغط متزايد، إذ لا تستهدف العقوبات طهران فقط، بل تستهدف أيضًا الدول والشركات والوسطاء الذين يساعدونها على تجاوز القيود والحفاظ على تدفق الأموال والطاقة والبضائع.










