هكذا تخنق الدولة التطوير العمراني للمجتمع العربي

الخميس, يوليو 30, 2026 01:03
/
/
هكذا تخنق الدولة التطوير العمراني للمجتمع العربي

هكذا تخنق الدولة التطوير العمراني للمجتمع العربي

في عرّابة، تمّ إزالة 480 دونم في اللحظة الأخيرة من مخطط التطوير، وفي عيلبون قيل إنه لا حاجة إلى مشاريع بناء جديدة لأن السكان يغادرون البلدة، وفي النقب أُلغيت مخططات سبق أن أُقرت. لا يمثّل ذلك أخطاءً ثانوية، بل سياسة ممنهجة، بحسب ما تؤكد جهات التخطيط في المجتمع العربي، في رسالة وجّهتها إلى مديرية التخطيط.
أيقون موقع وصلة Wasla
Woman sitting on the ruins of her house destroyed by Israel in Masafer Yatta January 2023
امرأة تجلس على أنقاض منزلها الذي هدمته السلطات الإسرائيلية، صورة توضيحية، المصدر: ويكيميديا

 

في 6 يناير، قررت “اللجنة الفرعية للقضايا التخطيطية المبدئية” التابعة لمديرية التخطيط تقليص مساحة التطوير المقترحة شمال سخنين بـ140 دونمًا. كما قررت اللجنة نفسها تقليص مساحة التطوير في عرّابة بـِ480 دونمًا: 230 دونم جنوب شرق المدينة، و70 دونم في شمالها الشرقي قرب دير حنا، و180 دونم غرب المدينة.

قد تبدو هذه الأرقام صغيرة، لكنها في نظر الجهات المعنية بالتخطيط في المجتمع العربي تُشكِّلُ جزءًا من ظاهرة واسعة. ففي رسالة وجّهتها مؤخرًا اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية -بالتعاون مع جمعية سيكوي-أفق، والمركز العربي للتخطيط البديل، ومركز مساواة- إلى المدير العام لمديرية التخطيط رافي المليح، جاء أنه منذ مطلع عام 2023، أي منذ تشكيل الحكومة الحالية، تبرز سياسة واضحة تتمثل في تقليص مساحات التطوير في البلدات العربية، وتجميد المخططات الهيكلية الشاملة، وتأجيل مخططات وصلت أصلًا إلى مراحل متقدمة، بعد أن اسُتِثمرت في إعدادها الأموال العامة وسنوات من العمل.

وطالبت الجهات الأربع بوقف هذه السياسة والعودة إلى اعتماد معايير مهنية تراعي الاحتياجات الحالية والمستقبلية للسكان.

وتقول خلود إدريس، المديرة الشريكة لقسم تخطيط السّياسات في جمعية سيكوي-أفق: “لا يمكن تفسير ما نراه على أنه سلسلة من الأخطاء المهنية المنفصلة”. وتوضح أن القرارات اتُّخذت في بلدات مختلفة ومن قبل لجان مختلفة، لكن النتيجة واحدة. وتضيف: “نحن لا نطالب بمعاملة خاصة، وإنما بأن تعود مؤسسات التخطيط إلى فحص الحاجة الحقيقية للسكان وإمكانية إنشاء الوحدات السكنية، وألا تكتفي بالأرقام الموجودة على الورق. لأنّها إن لم تقم بذلك، فإنّ الضرر لن يقتصر على البلدات فحسب، بل ستتأثر أيضًا مهنية جهاز التخطيط وثقة المواطنين به”.

“المخططات تصل إلى مراحل متقدمة، ثم تُغيَّر المعايير التي تُقيَّم على أساسها هذه المخططات أو يُعاد تفسيرها، لتنتهي جميعها بالنتيجة نفسها: تقليص التطوير في البلدات العربية.”

وتوضح المهندسة المعمارية والباحثة في المركز العربي للتخطيط البديل، هيا زعاترة، أن “من الممكن الانطلاق من معطى صحيح والوصول من خلاله إلى استنتاج خاطئ تمامًا”. وتقول إن المشكلة لا تكمن فقط في بيانات دائرة الإحصاء المركزية، بل أيضًا في فصلها عن واقع الحياة في البلدات العربية، بما في ذلك هيكلية الملكية الخاصة للأراضي، والإمكانية العملية لبناء الوحدات السكنية المصادق عليها، وأنماط السكن، والاحتياجات الحقيقية للعائلات.

وتضيف زعاترة: “بلدة عيلبون مثال واضح على ذلك. فقد جرى تصوير الهجرة السلبية منها كما لو أنها تدل على تراجع الطلب على المساكن فيها، من دون التساؤل أصلًا عن سبب مغادرة السكان. فعندما لا يجد الشباب أرضًا متاحة، ولا حلًا سكنيًا أو إمكانية للبناء في البلدة التي نشأوا فيها، فإنهم يضطرون إلى المغادرة. وبعد ذلك، تستخدم لجان التخطيط ذريعة الهجرة السلبية الناجمة بالأساس عن أزمة السكن كدليل على عدم الحاجة إلى مزيد من التطوير“.

وتقول زعاترة إنه في “كسرى سميع” جُمّدت مخططات التوسعة بذريعة أن الوحدات السكنية القائمة أو المصادق عليها تكفي لتلبية احتياجات البلدة لعقود مقبلة، من دون التمييز بين الوحدات المدرجة في المخططات والوحدات التي يمكن بناؤها فعليًا. فملكية الأراضي الخاصة المجزأة، والظروف الطبوغرافية، وغياب الطرق والبنى التحتية، قد تجعل الوحدة السكنية مدرجة في الجداول، لكنها في الواقع غير متاحة للبناء أو السكن فيها.

2048px Baqa el gharbiya 2007 04 14
باقة الغربية، الصورة: ويكيميديا

 

في مخطط “تمال 1077” في شارع عين جرار في أم الفحم، أُضيف أيضًا “اعتبار أمني” إلى المخطط. وتقول زعاترة إنه بعد إحراز تقدم في إعداد المخطط، طُرح مطلب بإقامة منطقة عازلة تمنع الامتداد العمراني وتوسّع المدينة. وأدى هذا المطلب إلى مصادرة أراضٍ ووضع علامة على 13 مبنى تمهيدًا لهدمها. وتؤكد أن وزارة الدفاع هي الجهة التي طرحت هذا المطلب.

وتضيف زعترة: “عندما يكون رد جهاز التخطيط أن جهة أمنية حسمت المسألة، من دون عرض مبررات تخطيطية يمكن فحصها أو الاعتراض عليها، فإن الأمر لم يعد خلافًا حول شارع أو حي أو حدود مخطط، بل سابقة تسمح بإدخال اعتبارات خارجية إلى منظومة التخطيط، وتحديد الأماكن التي يُسمح فيها للبلدة العربية بالتطور، والأماكن التي يتوقف عندها هذا التطور”.

وتضيف إدريس: “إن خطاب السيطرة على الأراضي، الذي يبدأ بتصريحات سياسية وحملات جماهيرية، يتسلل إلى النقاش التخطيطي ويمنح شرعية لهذه القرارات”. وتشير إلى أن إحدى الاعتراضات على مخطط عين جرار، على سبيل المثال، قدمتها جمعية “ريغافيم” اليمينية، التي شغل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في السابق منصب مديرها العام.

وبحسب رسالة رؤساء السلطات المحلية، فإن المخططات الهيكلية الشاملة لكسيفة واللقية أُعدّت بمبادرة من مديرية التخطيط، وبالتعاون مع الوزارات والسلطات المحلية، وباستثمار موارد عامة. ومع ذلك، قررت اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء في اللواء الجنوبي، في نوفمبر 2025، استبعادهما من مسار التخطيط بعد سنوات من العمل، من دون الإشارة إلى أي خلل تخطيطي جوهري يبرر الإلغاء الكامل.

وجاء في الرسالة أيضًا أنه في مجد الكروم رُفض مخطط لتنظيم حي سكني، وفي باقة الغربية-جت رُفض مخطط لإقامة منطقة تشغيل، رغم أنه سبق أن حظي بمصادقة اللجنة اللوائية. وتؤكد الرسالة أن الحالات تختلف من بلدة إلى أخرى، وأن لجان التخطيط تملك صلاحية تعديل المخططات أو رفضها. لكن ما يحدث، بحسب الرسالة، هو أن المخططات تصل إلى مراحل متقدمة، ثم تُغيَّر المعايير التي تُقيَّم على أساسها هذه المخططات أو يُعاد تفسيرها، لتنتهي جميعها بالنتيجة نفسها: تقليص التطوير في البلدات العربية.

وكان وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير قد تفاخر بأن 5,700 مبنى هُدمت في البلدات العربية في النقب خلال عام 2025. وتنضم هذه المباني إلى عشرات آلاف المنازل التي هُدمت في السنوات الأخيرة. ويقول رؤساء السلطات المحلية إن عمليات الهدم، وكذلك البناء من دون ترخيص واستمرار إجراءات الترخيص لفترات طويلة، هي نتيجة مباشرة للتأخر في المصادقة على المخططات.

وبحسب التقرير المرفق بالرسالة الموجهة إلى رئيس مديرية التخطيط، فإن الحصول على رخصة بناء في البلدات العربية يستغرق نحو ثماني سنوات، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المدة اللازمة في البلدات اليهودية. ويشير التقرير إلى أن 87% من المباني التي أُنشئت من دون ترخيص بالبناء الصلب، والمخصصة أساسًا للسكن، و55% من المباني التي أُنشئت من دون ترخيص بنظام البناء الخفيف، والمستخدمة غالبًا لأغراض زراعية، أُقيمت داخل نطاق المخططات الهيكلية للبلدات. وفي معظم الحالات، أُقيمت على أراضٍ خاصة يملكها السكان.

وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير- المصدر: ويكيميديا
وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير تفاخر بهدم بيوت العرب- المصدر: ويكيميديا

 

وجاء في الرسالة أنه عندما تغلق سلطات التخطيط والدولة المسار القانوني أمام البناء، أو تجعل إجراءات الترخيص تمتد لثماني سنوات، ثم تتعامل مع البناء من دون ترخيص وكأنه لا علاقة له بهذه السياسة، فإنها تتنصل من مسؤوليتها عن نشوء المشكلة. وتضيف الرسالة أن هذا التأخير ينعكس أيضًا على أوضاع السلطات المحلية، إذ إن غياب مناطق تشغيل مصادق عليها يدفع السلطات المحلية العربية إلى العجز المالي ويحدّ من قدرتها على تقديم الخدمات الملائمة.

“يستغرق الحصول على رخصة بناء في البلدات العربية نحو ثماني سنوات، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المدة اللازمة في البلدات اليهودية.”

ولعرقلة إجراءات التخطيط أثر أيضًا على الجريمة. في هذا الصدد، يقول سالم عباسي، منسق الوحدة الاقتصادية في مركز مساواة: “عندما تتأخر إجراءات التخطيط، وتسجيل الأراضي، والحصول على تراخيص البناء، لا يستطيع المواطن استخدام منزله أو أرضه التي يملكها كضمان للحصول على قرض إسكاني (مشكنتا) منظم. فتتقلص إمكانية الوصول إلى الاقتراض البنكي، ويلجأ بعض الناس إلى السوق السوداء، بما يعزز منظمات الجريمة. ولذلك، من غير المنطقي تعطيل سبل الاقتصاد القانوني أمام المواطنين لسنوات، ثم التعامل مع السوق السوداء وضعف السلطات المحلية كما لو أنهما مشكلتان منفصلتان عن التخطيط”.

وتُظهر المعطيات أيضًا أنه بين عامي 2015 و2023، جرى الترويج لنحو نصف الوحدات السكنية المخطط لها في البلدات العربية عبر “اللجنة القطرية للتنظيم والبناء الخاصة بالمناطق المفضلة للسكن”. إلا أنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لم يُروَّج لأي مخططات جديدة عبر هذا المسار في البلدات العربية، باستثناء مخطط واحد في كابول. ويرتبط هذا التوقف، على ما يبدو، بتوجه وزيرة الاستيطان أوريت ستروك، التي طالبت مديرية التخطيط بوقف الترويج لهذه المخططات، بحجة أنها تمس “التوازن في الحيِّز” بين البلدات اليهودية والمجالس العربية. ووفقًا للتقرير، استجاب المدير العام لمديرية التخطيط، ألمليح، لطلبها.

وزيرة الاستيطان أوريت ستروك، الصورة: ويكيميديا
وزيرة الاستيطان أوريت ستروك أوقفت مخططات سكنية لصالح البلدات العربية، الصورة: ويكيميديا

 

ولا تتجاوز مساحات نفوذ البلدات العربية 3.4% من مساحة الدولة، رغم أن سكانها يشكلون ما يقارب 20% من مجموع السكان. وتذكّر الرسالة بأن لجنة أور كانت قد حذرت بالفعل عام 2003 من أن ضيق مساحات النفوذ وغياب المخططات المصادق عليها أديا إلى أزمة سكن حادة في المجتمع العربي. وجاء في الرسالة أنه بعد مرور 23 عامًا، ما زالت الأزمة قائمة، بل تفاقمت في بعض الجوانب.

وتأتي الرسالة أيضًا على خلفية قضية تعيين يهودا إلياهو، المدير العام السابق لجمعية “ريغافيم”، مديرًا لسلطة الأراضي. وكان المركز العربي للتخطيط البديل من بين الجهات التي التمست ضد التعيين بسبب صلة إلياهو بسموتريتش.

ولم يشغل إلياهو المنصب سوى شهرين. وقبل نحو أسبوع، وفي إطار تسوية بين الأطراف، ألغت المحكمة العليا التعيين، وقررت أن تعيد لجنة الاختيار النظر في المرشحين للمنصب، لكنها لم تستبعد إمكانية تعيين إلياهو قائمًا بالأعمال. وبالفعل، بعد يوم واحد من قرار المحكمة، عيّن وزير الإسكان حاييم كاتس إلياهو قائمًا بأعمال المدير العام للسلطة لمدة ثلاثة أشهر أو إلى حين تعيين مدير عام دائم.

وتشير الرسالة إلى أنه خلال الشهرين اللذين شغل فيهما منصبه، شارك إلياهو في توقيع اتفاقيات شاملة واسعة النطاق في الضفة الغربية، بينها اتفاق مع المجلس الإقليمي شومرون يشمل استثمارًا حكوميًا يزيد على ثمانية مليار شيكل في البنى التحتية لبناء نحو 12 ألف وحدة سكنية، واتفاق آخر في كرني شومرون يشمل استثمارًا يقارب ملياري شيكل لبناء نحو 6,000 وحدة سكنية.

وبعبارة أخرى، عندما تقرر الدولة التطوير، فإنها تستطيع توفير الأراضي والميزانيات والبنى التحتية من دون صعوبة. وفي الوقت نفسه، تؤجل إلى أجل غير مسمى المخططات في البلدات العربية، وتمحي 480 دونمًا من مخطط تطوير عرّابة بعد سنوات من العمل عليه.

أما عمليات الهدم التي يتفاخر بها بن غفير فهي نهاية المسار. فأزمة السكن تبدأ قبل ذلك بكثير: من الخط الذي يُرسم على الخريطة، ومن المخططات التي تبقى عالقة بين اللجان، ومن الوحدات السكنية الموجودة على الورق فقط ولا يمكن تنفيذها، ومن الشباب الذين يغادرون بلداتهم لأنهم لم يجدوا فيها حلًا سكنيًا. فسياسة التخطيط لا تستجيب للأزمة، بل تعمّقها.

*نُشر النص بالأصل بالعبرية في موقع “سيحاه ميكوميت”، وتُرجِمَ ونُشِرَ في وصلة بإذن خاص من الموقع.

مقالات مختارة

Skip to content