جهود دول الخليج نحو حوكمة يقودها الذكاء الاصطناعي

الأربعاء, يوليو 29, 2026 22:34
/
/
جهود دول الخليج نحو حوكمة يقودها الذكاء الاصطناعي

جهود دول الخليج نحو حوكمة يقودها الذكاء الاصطناعي

أيقون موقع وصلة Wasla
IBI SMART 1140x140 1
flying over dubai 2023 11 27 05 16 03 utc min
إمارة دبي – صورة توضيحية

 

لسنوات عديدة، حَـذَّرَ الباحثون وصُـنّاع السياسات من أن الحكومات أصبحت تعتمد بإفراط على مستشارين خارجيين. في كتابهما الصادر عام 2023 بعنوان الخدعة الكبرى (The Big Con)، تزعم ماريانا مازوكاتو وروزي كولينجتون أن اعتماد الحكومات المتنامي على المستشارين تسبب في إضعاف المؤسسات العامة من خلال استنزاف معارفها، وقدرتها على الحكم على الأمور وحل المشكلات. ولعل أوضح مثال على ذلك هو المملكة المتحدة، حيث أفضت عشرات السنين من الاستعانة بمصادر خارجية، والخصخصة، والإصلاح الإداري إلى تآكل قدرة الدولة على التفكير بنفسها.

الآن، يعيد الذكاء الاصطناعي صياغة اقتصاديات قدرات الدولة على النحو الذي يمكّن الحكومات من استعادة القدرات التي كانت موكَلة في السابق إلى مستشارين خارجيين. وفي حين أن هذا التحول من المتوقع أن يؤثر على كل اقتصاد رئيسي، فإن إشاراته المبكرة والأكثر دلالة بدأت تظهر في بلدان الخليج.

لكي نفهم لماذا استعانت الحكومات بمصادر خارجية تتولى عنها مهمة التفكير في المقام الأول، لنتأمل هنا ذلك التمييز المألوف لدى فلاسفة تنظير المعرفة. في ستينيات القرن الماضي، لاحظ العالم المجري-البريطاني الواسع الاطلاع مايكل بولاني أن قسما كبيرا من المعرفة البشرية معلوم ضمنا، وتمتد جذوره إلى التقدير والحدس وليس التعليمات المكتوبة. في وقت لاحق، أظهر باحثا الإدارة اليابانيان إيكوجيرو نوناكا وهيروتاكا تاكيوتشي كيف تخلق المؤسسات القيمة من خلال تحويل المعرفة الضمنية إلى أشكال مقننة يمكن تخزينها وإعادة استخدامها. ولجأت الحكومات والشركات إلى شركات الاستشارات لأنها أرادت الوصول إلى تلك الطبقة الضمنية.

يعمل الذكاء الاصطناعي على إزالة تلك الحدود. فالآن، أصبحت النماذج اللغوية الضخمة قادرة على القراءة، والمقارنة، والتوليف، ووضع العلامات المرجعية، وإعداد النماذج، وتقديم التوصيات بشأن مسارات العمل. وهي لا تحل محل كل الأحكام البشرية، لكنها تتولى على نحو متزايد المهام التحليلية التي كانت تتطلب في السابق فرقا متخصصة ضخمة.

والتأثيرات المترتبة على هذا باتت بادية للعيان بالفعل. على سبيل المثال، في دراسة أجراها باحثون من جامعات هارفارد، ووارتون، وواريك، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ومجموعة بوسطن الاستشارية، تَـبيَّن أن المستشارين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي أنجزوا المهام بسرعة أكبر كثيرا في حين أنتجوا عملا أعلى جودة. في الواقع، يعمل الذكاء الاصطناعي كمحرك لتحويل المعرفة على نطاق صناعي، يحول الخبرة الضمنية التي كانت في السابق موزعة بين المتخصصين إلى أشكال مقننة وقابلة للمشاركة.

في هذا الصدد، قد يعكس الذكاء الاصطناعي مسار العملية التي حددتها مازوكاتو وغيرها من منتقدي استعانة الحكومات بمصادر خارجية. ففي حين أفرغت الاستعانة بمصادر خارجية قدرات الدولة، يعمل الذكاء الاصطناعي على تمكين الحكومات من استعادة جزء من هذه القدرات من خلال أنظمة تمتلكها وتسيطر عليها. بعبارة أخرى، الدولة المجوفة قد تفسح المجال للدولة المعزولة.

تقدم دول الخليج لمحة مبكرة عن الكيفية التي قد يسير بها هذا التحول. لطالما اعتمدت دول مجلس التعاون الخليجي على شركات الاستشارات في المشاريع الضخمة، والإصلاحات المؤسسية، واستراتيجيات الاستثمار السيادي، وخطط التنمية الوطنية. نتيجة لهذا، كان من المتوقع لسوق الاستشارات الإقليمية أن يتجاوز حجمها 8 مليارات دولار في عام 2025، بقيادة المملكة العربية السعودية.

ولكن على عكس الحال في كثير من الاقتصادات الغربية، لم يعكس اعتماد دول الخليج على الاستشاريين إفراغا للدولة من مضمونها. بل ظهر هذا الاعتماد جنبا إلى جنب مع جهود طموحة لبناء الدولة، حيث سعت الحكومات إلى التحرك بسرعة أكبر من سرعة مؤسساتها. وفي هذه العملية، تمكنت الوزارات وصناديق الثروة السيادية من الوصول إلى الخبرات الدولية في مجال السياسات، بينما أصبحت شركات الاستشارات قنوات غير رسمية لنقل الخبرات عبر المنطقة.

ورغم أن حكومات دول الخليج بدأت تقيد الإنفاق على الاستشارات، مستشهدة بالضغوط المالية وانعدام الاستقرار الإقليمي في الآونة الأخيرة، فإنها تستثمر بكثافة في القدرات الحاسوبية، وأصول البيانات الوطنية، والمواهب المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي. وتُعَد المملكة العربية السعودية مثالا بارزا على ذلك: في عام 2024، أطلق صندوق الاستثمار العام التابع لها المشروع ترانسيندنس (Transcendence)، مبادرة بقيمة 100 مليار دولار تهدف إلى تعزيز القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي. وفي مؤتمر LEAP 2025 ــ المؤتمر التكنولوجي الرائد الذي تنظمه المملكة في الرياض ــ أعلنت المملكة عن استثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي تبلغ قيمتها نحو 15 مليار دولار. كما أنشأت المملكة HUMAIN، وهي شركة مدعومة من صندوق الاستثمار العام تعمل على تطوير نماذج باللغة العربية وتشييد البنية الأساسية لمراكز البيانات اللازمة لدعمها.

من جانبها، بَـنَـت الإمارات العربية المتحدة نظامها البيئي الخاص للذكاء الاصطناعي حول G42، وهي شركة تكنولوجية مدعومة من الدولة، ومنصة الاستثمار السيادية MGX، فضلا عن شراكة مع مايكروسوفت، والتي من المتوقع أن تجذب استثمارات تتجاوز قيمتها 15 مليار دولار بحلول نهاية هذا العقد. من ناحية أخرى، أطلقت قطر أيضا شركة وطنية للذكاء الاصطناعي، Qai، إلى جانب شراكة في مجال البنية الأساسية بقيمة 20 مليار دولار مع شركة Brookfield.

يُظهر توسع دول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي مدى السرعة التي يمكن أن تقلل بها مثل هذه الاستثمارات من اعتماد الحكومات على المستشارين الخارجيين. لسنوات عديدة، اعتمدت حكومات دول مجلس التعاون الخليجي على الاستشاريين لتلبية متطلبات التحول الاقتصادي السريع. ويوفر الذكاء الاصطناعي الآن الوسيلة لجلب جزء من تلك القدرات داخليا من خلال أنظمة مُـدَرَّبة على البيانات الوطنية ومتوافقة مع الأولويات المحلية.

لكن هذا التحول لا يتعلق بالكيفية التي تسلم بها الحكومات الخدمات العامة أو تحدد المواطنين المؤهلين للحصول على المزايا والفوائد ــ فهي مهام لا يمكن تفويضها إلى الخوارزميات. بل يتعلق بما يسميه الباحثون “القدرة التحليلية في مجال السياسات”: قدرة الحكومات على تحديد المشكلات المرتبطة بالسياسات وتقييم الحلول المتاحة.

وهنا تظهر بشكل أوضح مزايا الذكاء الاصطناعي مقارنة بالاستشارات التقليدية. تسمح أدوات الذكاء الاصطناعي الجيدة التصميم لخبراء القطاع العام بتحليل مقادير أكبر من البيانات واستكشاف مزيد من خيارات السياسات بجزء ضئيل من التكلفة.

مع قيام الحكومات بتنفيذ مزيد من الأعمال التحليلية في الداخل، من المرجح أن تضعف الحاجة إلى الاعتماد على مصادر خارجية. وبهذا المعنى، قد يحقق الذكاء الاصطناعي النتيجة التي تطمح إليها مازوكاتو ــ إعادة بناء قوى الدولة التحليلية ــ ولكن من خلال تعزيز القدرات الحالية بدلا من الاستعانة بموظفين إضافيين.

لا يعني أي من هذا أن الحكومات ينبغي لها تسليم عملية صنع القرار إلى آلات. فالقدرة على التحليل وتقديم التوصيات تختلف عن اتخاذ قرارات تقديرية في مواجهة حالة من انعدام اليقين. الواقع أن أنظمة الذكاء الاصطناعي من الممكن أن تعمل على ترسيخ افتراضات بالية بذات القدر من السهولة التي تولد بها رؤى جديدة، ولهذا السبب تصر معظم أطر حوكمة الذكاء الاصطناعي على وجود رقابة بشرية حقيقية.

بيد أن البدائل ــ مثل الاعتماد على الاستشاريين أو توسيع الجهاز البيروقراطي ــ تنطوي على تكاليفها الخاصة. فالاعتماد على المستشارين قد يؤدي إلى تآكل قدرات الدولة، في حين أن تعيين المزيد من الموظفين المدنيين غالبا ما يكون عملية بطيئة، ومكلفة، ومثيرة للجدال سياسيا. السؤال الحقيقي إذن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي ليحل محل الخبراء البشريين، بل ما إذا كان قادرا على تمكينهم من العمل على نطاق كان يتطلب في السابق أجهزة بيروقراطية ضخمة أو جيوشا من المستشارين.

مثل هذا التحول من شأنه أن يعيد تشكيل قطاع الاستشارات بشكل جذري. فمع انخفاض تكلفة العمل التحليلي وزيادة أتمتته (تشغيله آليا)، ستفقد الشركات التي تعتمد إيراداتها بشكل كبير على هذا العمل مكانتها. أما الشركات التي ستزدهر فسوف تكون تلك التي تحول خبرتها إلى منتجات قابلة للتوسع مع التركيز على المجالات حيث تكون الثقة، والتقدير الحكيم، والمعرفة المؤسسية العميقة عناصر أساسية.

ولأن شركات الاستشارات التي تخدم حكومات دول مجلس التعاون الخليجي هي ذاتها التي تقدم المشورة للعملاء في لندن، ونيويورك، وسنغافورة، فمن غير المرجح أن تظل هذه التغيرات محصورة في منطقة الخليج. في نهاية المطاف، قد يتبين أن المنطقة ليست حالة شاذة بقدر ما هي نذير بعالم حيث لم تعد الحكومات في احتياج إلى شراء ما يمكنها بناؤه بنفسها.

سامي محروم مؤسس شركة Spark X، شغل سابقا عِدّة مناصب في INSEAD (المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال)، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ومؤسسة Nesta.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.
www.project-syndicate.org

مقالات مختارة

Skip to content