إمبراطورية “Seven”: كيف تربع روني تسيم على عرش المجمعات التجارية في البلدات العربية؟

الثلاثاء, يوليو 14, 2026 01:57
/
/
إمبراطورية “Seven”: كيف تربع روني تسيم على عرش المجمعات التجارية في البلدات العربية؟

إمبراطورية “Seven”: كيف تربع روني تسيم على عرش المجمعات التجارية في البلدات العربية؟

أيقون موقع وصلة Wasla
670521
روني تسيم.(تصوير: دافيد باخر)
بلدات طالما اعتُبرت هامشية، تحولت من محطات عبور إلى مراكز استهلاك ضخمة. قصة رجل الأعمال الذي يستثمر في الفراغ، ويعيد تشكيل وجه التجارة في المجتمع العربي قبل أن تلتفت الشركات الكبرى لهذا المورد المالي غير المستغل

لعقود طويلة، كان المشهد مألوفًا: عائلات عربية تضطر لقطع مسافات طويلة نحو المدن المجاورة للبحث عن تجربة تسوق حديثة أو مجرد الجلوس في مقهى، بينما أدار كبار المستثمرين ظهورهم لبلداتهم. وسط هذا الفراغ، اختار روني تسيم أن ينظر إلى هذه البلدات ليس كـهوامش اقتصادية، بل كمجتمعات متعطشة لمساحات تجارية تليق بها وتلبي احتياجاتها. اليوم، مع توسع مجمعاته في أم الفحم والطيرة ويركا، وصولاً إلى رهط والكرمل، لا يكتفي تسيم بصبّ الأسمنت وافتتاح المتاجر، بل يتدخل في أدق تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين العرب، معيداً رسم خريطة أوقات فراغهم، والأماكن التي يختارون إنفاق أموالهم فيها.

في سن الحادية والخمسين، وبعد سلسلة من المغامرات الاقتصادية التي شملت العقارات السكنية وشركات الاستثمار والطاقة، يقول رجل الأعمال روني تسيم إنه توصّل أخيرًا إلى معرفة المجال الذي يجيده أكثر من غيره: إنشاء المراكز التجارية، خصوصًا في البلدات الواقعة خارج مركز البلاد وفي المجتمع العربي.

في مقابلة موسعة نشرتها صحيفة “ذا ماركر”، قدّم تسيم نفسه باعتباره مستثمرًا قرر العودة إلى مجال تخصصه الأصلي، بعد سنوات حاول خلالها بناء مجموعة تعمل في عدة قطاعات. ويقول إن السوق لا يحب الشركات المشتتة بين العقارات السكنية والتمويل والتجارة، وإن تجربته دفعته إلى إعادة التركيز على شركة “روني تسيم للمراكز التجارية”.

ويتجلى الأثر الأكبر للشركة في انتشارها المتسارع عبر علامتها التجارية «سيفن» (Seven) في البلدات العربية. يشمل هذا التوسع تطوير المجمعات القائمة في أم الفحم، الطيرة، يركا، طمرة، والطيبة، إلى جانب تأسيس مشاريع جديدة تمتد من دالية الكرمل وعسفيا، وصولًا إلىسيفن رهط” ومخطط تجاري ضخم في النقب جنوبًا.

بالنسبة إلى تسيم، هذه البلدات ليست هامشًا اقتصاديًا، بل سوقاً كبيرة لم تحصل حتى الآن على بنية تجارية تتناسب مع عدد سكانها وقوتها الشرائية.

727741
مجمع “سيفن” طمرة التابع لروني تسيم. (تصوير:مئير إدري- دا ماركر)

– كيف تصف الفجوة التجارية في المجتمع العربي؟

“لا توجد تقريبًا ثقافة للمراكز التجارية في المجتمع العربي. تضم مدينة مثل الخضيرة أربعة مجمعات تجارية ضخمة. وإذا التفتنا إلى رهط التي يلامس عدد سكانها 90 ألف نسمة، فكم يبلغ حجم النشاط التجاري المنظم فيها؟ إنه يكاد يقترب من الصفر”.

ينطلق نموذج تسيم من فكرة بسيطة: السكان يحتاجون إلى مركز قريب يجمع السوبرماركت والمطاعم والملابس والخدمات المصرفية والاتصالات، بدلًا من السفر إلى مدينة أخرى لتلبية احتياجاتهم اليومية. وهو النموذج نفسه الذي طبقه سابقًا في مدن مثل بيت شان وعراد ونتيفوت ومعلوت، قبل أن يوسّع نشاطه في البلدات العربية.

هذه المراكز قد تؤثر في أكثر من مستوى: فهي تقرّب العلامات التجارية والخدمات من السكان، وتغيّر مسارات التسوق، وتتيح الحد من تسرب القوة الشرائية إلى المدن المجاورة. لكنها في الوقت نفسه تعزز حضور المراكز التجارية الكبيرة على حساب المتاجر الصغيرة والمراكز التقليدية، وهي زاوية لا يتطرق إليها تسيم في المقابلة.

727745
مجمع “سيفن” أم الفحم التابع لروني تسيمم. (تصوير: مئير إدرري – دا ماركر)

“كل مركز افتتحناه غيّر الأنماط الاستهلاكية” 

لا يكتفي تسيم بالقول إن السوق العربية غير مستغلة، بل يرى أن شركته ساهمت في تغيير السلوك الاستهلاكي داخل البلدات التي دخلت إليها.

– هل تخشى شبكات التجزئة الكبرى العمل في البلدات العربية؟

“فوكس، ماكدونالدز وكاسترو، جميعها موجودة في مراكزي. فمكدونالدز يحقق أداءً تشغيليًا ممتازًا، وقطاع الأزياء يشهد حركة استهلاكية نشطة وعوائد قوية. كل مركز تابع لتسيم افتُتح في مدينة عربية غيّر الأنماط الاستهلاكية فيها”.

ويقول تسيم إن بناء مركز ناجح لا يقتصر على تأجير المحال لمن يدفع أعلى إيجار، بل يعتمد على اختيار “مزيج تجاري” يناسب المنطقة: متجر غذائي، خدمات يومية، مطاعم، علامات تجارية معروفة، إلى جانب مصالح محلية قوية تستطيع جذب الجمهور. وبحسبه، يتميز المستهلك العربي بدرجة عالية من الوفاء للعلامات التجارية التي اعتاد عليها. لذلك لا يحاول أن ينسخ بصورة آلية نموذج المركز التجاري في تل أبيب، بل يقول إنه يبني تركيبة تستجيب للعادات المحلية، مع الاستعانة بعلامات تجارية معروفة ومصالح بارزة من البلدة نفسها.

أرض من العائلة وشراكة مع المطوّر 

 إحدى العقبات الرئيسية أمام بناء المشاريع التجارية في البلدات العربية هي طبيعة ملكية الأراضي وصعوبة الحصول على التمويل. ويقول تسيم إنه طوّر نموذجًا يعتمد غالبًا على صفقات الشراكة مع أصحاب الأراضي، والتي تحاكي ما يُعرف في السوق بـ “صفقات الكومبينتسيا”.

– كيف تعمل هذه الصفقات؟

“صاحب الأرض يقدم الأرض، ونحن نتولى التخطيط والتسويق والإدارة. يحصل صاحب الأرض عادة على حصة تتراوح بين 15% و20% من المشروع، ويجلس جانبًا ويتلقى العائد. كانت لديه قطعة أرض، ونحن رفعنا قيمتها”.

وفق هذا النموذج، ترهن الشركة الأرض للحصول على تمويل مصرفي، ثم تدير المشروع بالكامل. ويقول تسيم إن إقناع البنوك بهذه الصفقات لم يكن سهلًا في البداية، وإن شركته “علّمت البنوك كيف تموّل المشاريع في المجتمع العربي”. ويضيف أن أصحاب الأراضي الذين شاركوا في المشاريع الأولى تحولوا لاحقًا إلى ما يشبه السفراء للشركة، إذ بدأوا يعرضون عليه أراضي إضافية في بلدات أخرى.

ما وراء الخوف من المجتمع العربي

يربط تسيم إحجام شركات أخرى عن دخول البلدات العربية بالصورة السلبية السائدة عنها في السوق الإسرائيلية، وخصوصًا ربطها بالجريمة والعنف. وخلال المقابلة مع “ذا ماركر”، روى أن بعض المستثمرين رفضوا المشاركة في جولة داخل المراكز التجارية العربية عند طرح شركته في البورصة عام 2018، خوفًا من زيارة البلدات.

ويقول إن الذين شاركوا في الجولة اكتشفوا أنها مراكز تجارية تعمل مثل غيرها من المراكز في البلاد. إلا أن تسيم يقدّم في المقابلة قراءة شخصية ومثيرة للجدل لمسألة الجريمة وفرض الإتاوات، ويقلل من خصوصية الظاهرة داخل المجتمع العربي، من دون الاستناد إلى بيانات أو مقارنات رسمية.

ورغم محاولة تسيم رسم صورة مبسطة تخلو من تعقيدات العمل في البلدات العربية، وتحديدًا تقليله من وطأة ظاهرة الإتاوات (الخاوة)، إلا أن هذا الطرح يبدو موجهاً بالأساس لطمأنة مساهمي الشركة في البورصة أكثر من كونه انعكاسًا للواقع الميداني. ففي وقت تتكبد فيه المصالح التجارية الكبرى مبالغ طائلة تحت مظلة “خدمات الحراسة والأمن”، يتجاوز تسيم حقيقة أن هذه التكاليف – التي قد يدرجها محاسبيًا ضمن مصاريف التشغيل الاعتيادية – هي في كثير من الأحيان ضريبة مبطنة يفرضها واقع الجريمة المنظمة؛ وهو تحدٍ بنيوي معقد لا يمكن محوه بمجرد تصريح صحفي عابر أو اعتباره جزءًا روتينيًا من أي مشروع إنشائي.

أما معرفته بالمجتمع العربي، فيعيدها إلى الفترة التي أدار فيها سلسلة السوبرماركت «كيمعاط حينام» وامتلك متاجر في الناصرة ودالية الكرمل.

271750
مجمع “سيفن” يركا التابع لروني تسيم. (تصوير:مئير إدري)

– لماذا دخلت إلى السوق العربية في وقت ابتعد الآخرون عنها؟

“عرفت كيف يعمل المجتمع العربي. فهمت أن المراكز التجارية فيه هي الشيء القادم، لأنه ببساطة لا يملك ما يكفي منها. خذ أم الفحم مثلًا: مدينة كاملة لم يكن فيها مركز تجاري واحد”.

من أم الفحم إلى النقب 

لا تتوقف خطط تسيم عند المراكز القائمة. ففي أبو تلول قرب بئر السبع، اشترى نحو ألفي دونم كانت تملكها عائلة بريطانية منذ ما قبل قيام إسرائيل. ويقول إنه عمل على مخطط لإقامة نحو أربعة آلاف وحدة سكنية و100 ألف متر مربع من المساحات التجارية. المرحلة الأولى تتضمن مركزًا تجاريًا مساحته 13 ألف متر مربع على شارع 25، على أن تنفّذ شركته القسم التجاري، بينما يمكن طرح الأراضي السكنية أمام مطورين آخرين.

يعكس هذا المشروع الطريقة التي ينظر بها تسيم إلى البلدات العربية: مناطق تفتقر إلى البنية التجارية، لكنها تملك كثافة سكانية وطلبًا استهلاكيًا يسمحان بإنشاء مشاريع كبيرة. ومع ذلك، فهو لا يقدّم نفسه باعتباره صاحب مشروع اجتماعي. “أنا رجل أعمال، وكل شيء يُدرس وفق ظروفه”، يقول بوضوح. الاستثمار في المجتمع العربي بالنسبة إليه ليس عملًا خيريًا، بل رهان تجاري على فجوة يعتقد أن منافسيه لم يفهموها بعد.

“سنكون الأقوى في المجتمع العربي”

بعد بيع محفظة العقارات السكنية وإدخال الأخوين تساحي وعيدو حجاج كشريكين، يسعى تسيم لتسريع وتيرة التوسع. فدخول مجموعة حجاج يوفر لتسيم السيولة الضخمة والغطاء المالي اللازم للاستحواذ  السريع على المزيد من الأراضي في البلدات العربية، استباقاً لتوجه المنافسين نحو هذه الفرصة الاستثمارية. وتخطط الشركة حاليًا لافتتاح ثلاثة إلى أربعة مراكز تجارية سنويًا، بهدف مضاعفة مساحاتها التجارية خلال ثلاث سنوات.

في المدن الكبرى، ينافس أصحاب المراكز التجارية على جمهور محاط أصلاً بعشرات البدائل. أما في بلدات عربية كثيرة، فما زالت نقطة الانطلاق مختلفة: نقص في المحال المنظمة، وقلة في الخدمات التجارية القريبة، واعتماد أكبر على السفر إلى المدن المجاورة. هذه الفجوة هي مصدر قوة تسيم، وهي أيضًا مصدر تأثيره المتزايد على الحياة اليومية في البلدات العربية. فالمركز الذي يبنيه لا يضيف متاجر جديدة فقط؛ بل قد يغيّر حركة المرور، وأسعار الأراضي، ومكان قضاء العائلة لوقتها، والوجهة التي تذهب إليها لشراء الطعام أو الملابس.

تسيم نفسه لا يخفي طموحه: “لا شك لدي في أننا سنكون الشركة الأقوى في مجال المراكز التجارية في المجتمع العربي”.

إن تحقق هذا الطموح، فلن يكون روني تسيم مجرد مستثمر يملك عددًا من المراكز التجارية، بل واحدًا من رجال الأعمال الذين يعيدون رسم خريطة التجارة والاستهلاك في البلدات العربية – وهي خريطة ظلت لسنوات طويلة خارج اهتمام الشركات العقارية الكبرى.

366091 5 SMART REFRESH Arabic 53 1140x145px 300 ppi

مقالات مختارة

Skip to content