
يعمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إعادة فرض الرسوم الجمركية الواسعة بعد أن قضت المحكمة العليا بأن قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية لا يمنحه صلاحية فرض رسوم شاملة على الواردات. ووفقًا لتقرير لوكالة بلومبرغ، تبحث الإدارة الأمريكية عن أدوات قانونية بديلة تتيح لها تحقيق الأهداف نفسها، المتمثلة في رفع تكلفة السلع الأجنبية، وتقليص العجز التجاري، ودفع الشركات إلى نقل المزيد من الإنتاج إلى الولايات المتحدة.
وتستند الخطة الجديدة إلى تحقيقات تُجرى بموجب “القسم 301” من قانون التجارة الأمريكي لعام 1974، الذي يمنح مكتب الممثل التجاري الأمريكي صلاحيات التحقيق في الممارسات التجارية الأجنبية التي تعتبرها واشنطن غير عادلة، واتخاذ إجراءات مضادة تشمل فرض رسوم جمركية أو قيود على الواردات أو تعليق امتيازات تجارية.
وكان ترامب قد أعلن في 2 أبريل 2025، الذي وصفه بـ”يوم التحرير”، فرض رسوم جمركية واسعة شملت رسمًا أساسيًا بنسبة 10% على معظم الواردات، إضافة إلى رسوم أعلى على دول معينة ورسوم قطاعية على السيارات والمعادن. أما النظام الجديد فيعتمد على تحقيقات منفصلة تتعلق بالعمل القسري وفائض الطاقة الصناعية، ما يعني أن الدول لن تواجه الرسوم نفسها التي فُرضت عليها سابقًا.
وتشير بلومبرغ إلى أن بعض الدول التي فُرِضَ عليها رسوم مرتفعة في عام 2025 قد تستفيد من النظام الجديد، بينما قد تواجه دول أخرى كانت خاضعة للرسم العالمي البالغ 10% رسومًا أعلى. كما تبقى الاستثناءات عنصرًا أساسيًا في سياسة ترامب التجارية، إذ تستمر الإدارة في إعفاء بعض الواردات التي لا ترغب في رفع تكلفتها داخل الولايات المتحدة، مثل معدات الذكاء الاصطناعي والجرارات الزراعية والقهوة البرازيلية.
المستفيدون
وتبرز الفلبين بين أكبر المستفيدين المحتملين، إذ كانت تخضع لرسم جمركي بنسبة 19% في نظام “يوم التحرير”، بينما قد تنخفض الرسوم إلى 12.5%. كما أنها غير مشمولة بتحقيق فائض الطاقة الصناعية. وخلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 بلغت واردات الولايات المتحدة من السلع الفلبينية 7.7 مليارات دولار، بزيادة 51% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
كما قد تستفيد جنوب أفريقيا من خفض الرسوم من 30% إلى 12.5% بعد انتهاء تحقيق العمل القسري. لكن هذا التحسن يأتي بعد تراجع الصادرات الجنوب أفريقية إلى الولايات المتحدة، إذ بلغت قيمة الشحنات 3.5 مليارات دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، بانخفاض 56% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وتُعد باكستان من المستفيدين أيضًا، إذ قد تنخفض الرسوم المفروضة على صادراتها من 29% إلى 10%، ما يمنحها أفضلية في قطاعات مثل المنسوجات والملابس. أما ميانمار، التي واجهت رسومًا بلغت 44% في أبريل 2025، فقد تنخفض الرسوم على معظم صادراتها إلى ما بين 0% و2%. وينطبق وضع مشابه على لاوس التي قد تستفيد من رسوم منخفضة تساعدها على جذب أنشطة التصنيع والتجميع الخفيف.
الخاسرون
في المقابل، تبدو سنغافورة من أبرز الخاسرين في النظام الجديد. فبعد أن كانت خاضعة للرسم العالمي المؤقت البالغ 10% فقط، قد تواجه رسمًا بنسبة 12.5% مرتبطًا بملف العمل القسري، إضافة إلى احتمال فرض رسوم أخرى مرتبطة بفائض الطاقة الصناعية. وتزداد حساسية الوضع بالنسبة لسنغافورة بسبب دورها كمركز عالمي لإعادة التصدير.
أما كندا فتظل بين الرابحين والخاسرين في الوقت نفسه. فبعض السلع الكندية المؤهلة ضمن اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا ما زالت تتمتع بإعفاءات، لكن الرسوم المفروضة على المعادن والتهديدات الأمريكية المتكررة بإعادة النظر في الاتفاق التجاري تبقي حالة عدم اليقين قائمة.
وتسعى المكسيك إلى تخفيف الرسوم القطاعية المفروضة على السيارات، معتبرة أن الرسوم على السيارات المصنعة لديها أصبحت أعلى من تلك المفروضة على بعض السيارات القادمة من كوريا الجنوبية واليابان. كما تضغط واشنطن لإدخال قاعدة جديدة تشترط أن تحتوي السيارات المصنعة في منطقة التجارة الحرة بأمريكا الشمالية على 50% من المكونات الأمريكية على الأقل.

ويبقى الاتحاد الأوروبي في مرحلة انتظار تثبيت الاتفاق التجاري الذي يحدد سقف الرسوم على معظم الصادرات الأوروبية، بما فيها السيارات، عند 15%. وكان ترامب قد هدد برفع الرسوم على السيارات الأوروبية إلى 25% إذا لم تكتمل إجراءات المصادقة على الاتفاق قبل 4 يوليو. ورغم مصادقة البرلمان الأوروبي على الاتفاق، ما زالت موافقة الدول الأعضاء مطلوبة. كما أثار فتح تحقيق أمريكي جديد ضد ألمانيا بموجب “القسم 301” بشأن أسعار الأدوية المبتكرة مخاوف من استخدام أدوات قانونية إضافية للضغط على أوروبا.
وتبدو الصين في وضع أفضل مما كان متوقعًا عند بداية ولاية ترامب الثانية. فبعد أن وعد خلال حملته الانتخابية بفرض رسوم بنسبة 60% على السلع الصينية، تشير تقديرات بلومبرغ إيكونوميكس إلى أن متوسط الرسوم الفعلي يبلغ حاليًا 21%. وتنتظر واشنطن وبكين مراجعة الهدنة الجمركية بينهما خلال الخريف، في وقت تواصل فيه الصين استخدام المعادن النادرة كورقة ضغط. وفي هذا السياق فرضت بكين، يوم الاثنين، قيودًا على صادرات 10 شركات أمريكية تعمل في قطاعي الدفاع والمعادن النادرة ردًا على إدراج شركات صينية في قائمة سوداء أمريكية.
وتراقب الهند بدورها التطورات الجديدة ضمن مجموعة الدول التي وقعت أو تتفاوض على تفاهمات تجارية مع واشنطن. وقال وزير التجارة والصناعة الهندي بيوش غويال إن الهدف الحالي للهند يتمثل في ضمان أن تكون الرسوم المفروضة على صادراتها أقل من تلك المفروضة على الدول المنافسة.
كما لا يزال تأثير النظام الجمركي الجديد على اليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا غير محسوم. فهذه الدول أبرمت تفاهمات واتفاقات مع واشنطن تحدد سقوفًا أقل للرسوم، خصوصًا في قطاع السيارات. لكن بلومبرغ تشير إلى أن الاتفاقات المبرمة مع إدارة ترامب لا تضمن الاستقرار الكامل، لأن التحقيقات القطاعية أو توسيع نطاق الرسوم أو إضافة سلع جديدة قد يعيد فتح الملفات التجارية ويغير أوضاع الدول من رابحة إلى خاسرة تبعًا لأولويات البيت الأبيض.












