
أظهر قرار الإدارة الأمريكية في 12 يونيو القاضي بتقييد الوصول إلى أحدث نموذجي ذكاء اصطناعي لشركة أنثروبيك، وهما “فابل” و”مايثوس”، أن الحكومة الأمريكية تمتلك قدرة مباشرة على التحكم في الوصول إلى أكثر تقنيات الذكاء الاصطناعي تقدمًا في العالم. وجاء القرار بعد ما وصفته الإدارة بأنه “مخاوف من إمكانية تجاوز أنظمة الحماية في هذه النماذج واستخدامها في تنفيذ هجمات إلكترونية أو المساعدة في تطوير أسلحة بيولوجية”، إلا أن أهمية الخطوة، بحسب مقال لصحيفة “ذي إيكونوميست”، لا تكمن في أسبابها بقدر ما تكمن في حقيقة أن وصول المستخدمين حول العالم إلى هذه التكنولوجيا يمكن أن يتوقف بقرار سياسي أمريكي واحد.
وكشف القرار -الذي يُعدّ ثاني قرار من نوعه متعلق بأنثروبيك بعد إدراج إدارة ترامب لها في مارس على اللائحة السوداء واعتبارها “خطرًا على سلاسل التوريد”- عن نوع جديد من النفوذ الأمريكي. فبعد سنوات من اعتماد دول العالم على الولايات المتحدة في المجالات العسكرية والتجارية، أصبح الذكاء الاصطناعي “سلاحًا” جديدًا يمنح واشنطن قدرة على المزيد من الهيمنة العالمية.
ويقارن المقال بين الوضع الحالي وسوابق تاريخية فرضت فيها الولايات المتحدة قيودًا على تقنيات استراتيجية. فبعد الحرب العالمية الثانية أوقفت تعاونها مع البرنامج النووي البريطاني، كما فرضت قيودًا على تصدير تقنيات التشفير الحديثة، وما زالت تحتفظ بأحدث طائراتها المقاتلة من طراز F-22 للاستخدام الأمريكي الحصري.
ويحذّر المقال إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يُعامل مستقبلًا بالطريقة نفسها التي تُعامل بها دول العالم تقنياتها العسكرية الحساسة كالأسلحة النووية. فإذا أصبحت النماذج المتقدمة من الذكاء الاصطناعي قادرة على المساعدة في تطوير أسلحة بيولوجية أو شن هجمات إلكترونية أو تعطيل منشآت حيوية مثل شبكات الكهرباء والاتصالات، فقد تفرض الحكومات قيودًا على استخدامها وتحدد الجهات المسموح لها بالوصول إليها.
في المقابل، يؤكد المقال صعوبة احتكار الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، لأن النماذج المفتوحة المصدر يمكن تحميلها وتطويرها ونشرها على نطاق واسع. كما أن المعرفة التقنية المرتبطة بهذه النماذج تنتشر بسرعة، وهو ما حدث سابقًا مع تقنيات التشفير التي تحولت في النهاية إلى تكنولوجيا متاحة عالميًا.
ورغم ذلك، تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا واضحًا في هذا المجال. وتؤكد شركة أنثروبيك أن 80% من زبائنها موجودون خارج الولايات المتحدة ما يعني أن الشركات الأمريكية تسيطر على جزء كبير من الحصة السوقية العالمية. كما ارتفعت المدفوعات التي تحصل عليها الولايات المتحدة من أوروبا مقابل المنتجات المحمية بحقوق الملكية الفكرية خمسة أضعاف خلال العقد الأخير بفضل نجاح شركات التكنولوجيا الأمريكية.
ويطرح المقال احتمال أن تتبنى واشنطن سياسة تقوم على الاحتفاظ بأكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدمًا للاستخدام الأمريكي فقط، ومنح الحلفاء إمكانية الوصول إلى نماذج أقل تقدمًا، بينما تُتاح لبقية الدول نسخ أكثر تقييدًا، على غرار السياسة الأمريكية في تصدير التكنولوجيا العسكرية.
وتبرز مشكلة أخرى تتمثل في البنية التحتية اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي. فالتفوق لا يتعلق بالنماذج وحدها، بل أيضًا بالقدرة الحاسوبية المطلوبة لتشغيلها. ووفق المقال، تمتلك الولايات المتحدة قدرة حاسوبية تزيد 15 مرة عن أوروبا بفضل استثماراتها الأكبر في مراكز البيانات والحوسبة.
ويشير المقال إلى أن الفجوة قد تتسع أكثر مستقبلًا إذا نجحت شركة سبيس إكس في تنفيذ خططها لإنشاء مراكز بيانات في الفضاء. كما يستشهد المقال بتقرير بعنوان “أوروبا 2031” يتوقع أن تصبح أوروبا أكثر اعتمادًا على الولايات المتحدة في مجالات الأمن السيبراني والدفاع ومجالات اقتصادية واسعة بسبب تفوق الشركات الأمريكية في الذكاء الاصطناعي.
ويستدل المقال على حجم الطلب المتزايد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من خلال بريطانيا، حيث ارتفع الطلب على توصيلات الكهرباء الجديدة لمراكز البيانات من 41 غيغاواط إلى 125 غيغاواط خلال الأشهر السبعة المنتهية في يونيو 2025، وهو رقم يفوق بأكثر من الضعف ذروة الطلب على الكهرباء في البلاد. كما ألغت OpenAI مشروعًا لإنشاء مركز بيانات في بريطانيا خلال أبريل بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والقيود التنظيمية.
ويخلص المقال إلى أن الدول الأخرى تواجه خيارين: إما الاستمرار في الاعتماد على الشركات والبنية التحتية الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي، أو الاستثمار بصورة كبيرة في بناء قدراتها الخاصة. ولهذا يدعو كاتب المقال أوروبا إلى زيادة إنتاج الطاقة وتسهيل إنشاء مراكز البيانات وتوفير بيئة أكثر مرونة لشركات الذكاء الاصطناعي، كما يدعو اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان إلى تنسيق جهودها بدل تنفيذ مشاريع متفرقة، بهدف منع تحول الولايات المتحدة إلى الدولة الوحيدة القادرة على قيادة منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية.











