
أصبح سؤال “شو أدرس؟” أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فالتطور السريع للذكاء الاصطناعي والتغيرات المتلاحقة في سوق العمل جعلا كثيرًا من الشبان وأهاليهم غير متأكدين من المسار الدراسي الذي يمكن أن يوفر فرص عمل مستقرة في المستقبل. ويظهر ذلك أيضًا في ارتفاع عمليات البحث على الإنترنت عن أفضل التخصصات للمستقبل وجدوى الدراسة الجامعية والتخصصات المطلوبة خلال السنوات المقبلة.
في هذا الصدد، يتناول تقرير لصحيفة داماركر البيانات الواردة في استطلاع أجرته شركة ManpowerGroup حول توقعات التوظيف للربع الثالث من عام 2026، مشيرًا إلى أن الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتصدر قائمة المهارات المطلوبة في إسرائيل. ويشمل ذلك تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي والتطبيقات المعتمدة عليها، إضافة إلى القدرة على استخدام هذه النماذج والتعامل معها. ومن المتوقع أن يستمر الطلب على هذه المهارات في الارتفاع خلال السنوات المقبلة.
لكن الذكاء الاصطناعي لا يعني اختفاء المهن التقليدية. فالمعطيات تؤكد أن الشركات لا تزال بحاجة كبيرة إلى موظفين في مهن تقليدية لم تختفِ مع ظهور الذكاء الاصطناعي، حيث أفاد 67% من أصحاب العمل بأنهم يبحثون عن موظفين في مجالات تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات، وأشار 64% إلى حاجة شركاتهم لموظفين يديرون العمليات اليومية وسلاسل التوريد والمخازن والنقل، فيما قال 63% إنهم يبحثون عن موظفين في التسويق والمبيعات. كما لا يزال الطلب قائمًا على موظفي خدمة الزبائن والأعمال الإدارية.
ويبرز بشكل خاص الارتفاع الكبير في الطلب على العاملين في التسويق والمبيعات. ففي عام 2024 اشتكى 24% من أصحاب العمل من صعوبة العثور على موظفين في هذا المجال، وارتفعت النسبة إلى 26% في عام 2025، قبل أن تقفز إلى 63% في عام 2026. وهذا يعني أن هذه الوظائف لا تزال مطلوبة بقوة رغم انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي.
أما على المستوى العالمي، فتتصدر وظائف التسويق والمبيعات قائمة المهارات الأكثر طلبًا لدى أصحاب العمل بنسبة 62%، تليها الوظائف المرتبطة بالنقل والمخازن وسلاسل التوريد بنسبة 61%، فيما حلّت الوظائف المرتبطة بتطوير تطبيقات وتقنيات الذكاء الاصطناعي في المرتبة الرابعة بنسبة 60%. وتشير هذه المعطيات إلى أن الشركات في إسرائيل تمنح مهارات الذكاء الاصطناعي أهمية أكبر مقارنة بالعديد من الأسواق الأخرى حول العالم.
وفي المقابل، تتوقع مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي زيادة كبيرة في الطلب على وظائف الرعاية والصحة خلال السنوات المقبلة. ويشمل ذلك الممرضين والممرضات والعاملين الاجتماعيين ومقدمي الرعاية الشخصية وموظفي التمريض المنزلي، وذلك بسبب تزايد أعداد كبار السن في الدول الغربية. كما يتوقع ارتفاع الطلب على المهن اليدوية والخدمية مثل السباكين (المواسرجية) وفنيي التكييف، إضافة إلى المعلمين والعاملين في قطاع التعليم.
ورغم كثرة التوقعات حول المهن التي ستختفي أو ستظهر مستقبلاً، يشير التقرير إلى أن التنبؤ الدقيق أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى بسبب سرعة التغيرات التكنولوجية. فحتى قطاعات كانت تُعتبر مستقرة، مثل البنوك والخدمات المالية، تشهد اليوم تغيرات متسارعة تؤثر في فرص العمل المتاحة للخريجين الجدد.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن المهارات الإنسانية ما زالت تحتفظ بقيمتها. فالشركات لا تبحث فقط عن المعرفة التقنية، بل عن أشخاص قادرين على التفكير النقدي، وتحليل المعلومات، واتخاذ القرارات المعقدة، وحل المشكلات، وإدارة الفِرَق. وتشير المعطيات إلى أن 75% من الشركات تعتبر هذه المهارات أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى، إلى جانب مهارات التواصل والعلاقات الشخصية التي لا تزال تشكل عنصرًا أساسيًا في سوق العمل حتى في عصر الذكاء الاصطناعي.











