“آمنا بشيء تبين أنه كذبة فانقلبت الطاولة على رؤوسنا”

الأربعاء, يوليو 29, 2026 19:57
/
/
“آمنا بشيء تبين أنه كذبة فانقلبت الطاولة على رؤوسنا”

“آمنا بشيء تبين أنه كذبة فانقلبت الطاولة على رؤوسنا”

من عتمة القهر والقمع التي نزلت على المجتمع العربي في إسرائيل بعد السابع من أكتوبر، خرج الفنان تامر نفار في رحلة للبحث عن معنى الفن وعن دور الفنانين في زمن الإبادة والقمع والترهيب وعن الشرطي الذي تحوّل إلى سجّان داخل كل فنان
أيقون موقع وصلة Wasla

من عتمة القهر والقمع التي نزلت على المجتمع العربي في البلاد بعد السابع من أكتوبر، خرج الفنان تامر نفار في رحلة للبحث عن معنى الفن وعن دور الفنانين في زمن الإبادة والقمع والترهيب وعن الشرطي الذي تحوّل إلى سجّان داخل كل فنان، وعن الرسالة التي فُرض على الفنانين الفلسطينيين حملها ونشرها على العالم.

tamer 1
من اليمين: جوان صفدي، تامر نفار، عامر حليحل

 

في منتصف الثمانينيات، أخذتني خالتي إلى “ديزنغوف سنتر” في تل أبيب. وكان هذا أول “كنيون” أراه في حياتي. قبل أن ندخل، وقبل أن أرى الأضواء والمتاجر والأدراج  المتحركة وكل تلك الأشياء التي بدت لي وكأنها قادمة من كوكب آخر، انحنت خالتي نَحوي وقالت لي بهمسة صارخة : “אל תדבר ערבית (لا تتحدث العربية).

الغريب أنها قالت هذه الجملة بالعبرية. لم تقل “تحكيش عربي”. وكأن تحذيرها نفسه قد مرّ عبر تفتيش أمني!

دخلتُ، ولم أتكلم. اشتريتُ مقلمة شفافة تسبح في داخلها أسماك ورقية ملونة وسط الماء، ومعها أقلام ومحّايات يظهر عليها بوضوح أنها قادمة من تل أبيب – التي كانت تُعتبر هي الأخرى كوكبًا آخر بالنسبة لنا في اللد. عدنا إلى اللد، أنهيتُ المدرسة، ماتت الأسماك الورقية، وأنا نجوت.

كبرتُ وازداد وزني، ولم أعد ذلك الطفل الصغير الذي يُسحب إلى “الكنيون”  مصحوبًا بتلك الجملة المرعبة “أل تيدابر عرافيت”. مع مرور الوقت، حدّقتُ في وجه تلك الجملة، صغّرتها حتى أصبحت كالدودة، ودفنتها. لم أكن أعلم أنه سيأتي يومٌ أتناول فيه “المنكوش”  لإخراجها من قبرها؛لا كجثة، بل كدودة كبرت في العتمة.

“إذا حكوا معكو اليهود أو سمّعوكو حكي أو جرّبوا يفتحوا معكو نقاش، بتقولو “لو يودياع” هكذا قلتُ لولدَيّ.

وضعتُ هذه الجملة أمام جسدَيهما النحيفَين، تمامًا كما وضعتها خالتي أمامي قبل عشرات السنين. غير أنني هذه المرة لم أرَ الجملة بعينيّ طفل، بل بعينيّ أب. لم تعد تبدو لي كوحش، بل كصديق؛ صديق يساعدنا على النجاة، ليس في ديزنغوف فحسب، بل في تل أبيب واللد وكل هذا المكان وهذا الزمان، وأمام “أصحاب البيت” الذين توحدوا ضد الفلسطينيين هنا.

لكن الأمر مع أولادي ليس بهذه البساطة ؛ أنا صمتُّ عن التحدث بالعربية لساعةٍ واحدة، ثم عدتُ إلى اللد وعاد العالم إلى طبيعته. أما بالنسبة لهما، فالأمر أشبه بالهاوية  بين السماء والأرض، بين الواقع والتيك توك. في الوقت الذي أخرسُهما فيه، كان التيك توك يصرخ. كل مقطع فيديو ثان كان عن فلسطين: بحر من البشر يرفعون العلم، ويصرخون متضامنين مع فلسطين . بينما كان طفلاي سمكتين في حوض صغير، خارج هذا المحيط الحر.

وكلما اتسعت دوائر الدعم للقضية الفلسطينية في العالم، كانت الدائرة الوحيدة التي تُرسَم هنا هي طوقُ يلف أعناق الفلسطينيين. وفي الوقت الذي كان فيه العالم يقع في حب صورة فلسطين، كان المزيد من الإسرائيليين المسلحين يشعرون بالخوف من الفلسطينيين العزل من حولهم. وأنا أعيش في قلب هذه الهاوية.

منذ السابع من أكتوبر، كادت عروضي أن تتوقف تمامًا هنا. أتابع على تيك توك وإنستغرام كيف يحلّق الفنانون الفلسطينيون في العالم: مهرجانات، مقابلات، جمهور عريض، وحرية. وأنا سعيد لأجلهم حقًا؛ فلعل هذه هي رسالتهم: أن يلفوا العالم ليصرخوا بما يجب أن يُقال ، دون أن يسكتهم أحد.

أما رسالتنا هنا، في هذه الدولة، فهي مختلفة: علينا ببساطة أن ننجو في هذا المكان. أن ننجو من العتمة. ليس أن نقتحم المشهد أو نحلّق في السماء، بل ببساطة ألا نموت. أن نتعلم كيف ننمو في الظلام، تمامًا كما تفعل الدودة. وإذا لم أتمكن من الخروج إلى النور، سأبحث عن رفاقٍ في العتمة.. فالوحدة في الظلام قاسية جدا.

من هذه العتمة تواصلتُ مع فنانيّن فلسطينييّن يعيشان وينتجان هنا: الموسيقي جوان صفدي، والممثل عامر حليحل. كلاهما – كلٌّ على طريقته – بدأ خلال العامين الماضيين في إنتاج فن يميل إلى الهدوء والابتعاد عن البهرجة. فن أقرب إلى مُكونات هذا المكان، هذا البيت.

“الجمهور اليوم مرعوب”

مع جوان صفدي تحدثتُ عن عرضه الجديد، “أغاني عارية”. هو يصف جمهورًا لا يبحث عن ترفيه عادي.

” الناس تشتاق لهذا النوع من اللقاءات”، يقول جوان، “لقاء ثقافي أكثر من كونه عرض موسيقي. فيه أغانٍ وفيه كلام. يجلس الناس بجانب بعضهم البعض، يسمعون كلاما في السياسة لكن ليس خطبة سياسية. نحن نسمع الأغاني ولا نشعر بالذنب، لأن هذه الأغاني موجودة معنا داخل القصة. هي تفهمنا. تأتي من نفس المكان الذي نعيش فيه”.

يؤمن جوان أن الجمهور اليوم “حساس، يصغي، عطشان لأشياء واضحة – وفي نفس الوقت مرعوب. مرعوب من الجمهور نفسه. خائف من احتمال قدوم الشرطة. الكل في تراوما لكن الجميع بحاجة إلى هذا. أحيانًا أشعر أنا وفرقتي أننا حررناهم من شيء ما. الناس بحاجة إلى هذا الآن أكثر من أي وقت مضى، إلى ما هو أبعد وأعمق نت الترفيه المحض”.

بعد 7 أكتوبر، بدأ صفدي يسأل نفسه ما هو دور فناني الداخل، أي الفلسطينيين في إسرائيل.

“في البداية، حتى قبل أن تنكشف أبعاد الإبادة، سألتُ نفسي إذا كان يجب عليّ  إصدار أغان بالعبرية. حتى إنني كتبتُ بالعبرية. ظننتُ أن دوري هو أن أقول لهم: ’لحظة يا رفاق، أنتم تسيرون في الاتجاه الخاطئ’. لكن بعد ذلك أدركت أن لا أحد هناك يسمعك أصلاً. الجني خرج من القمقم. فقلتُ لنفسي: ’سأتحدث معنا’”.

لكن هذا الجواب لم يكن كافيا بالنسبة له.

“شو يعني ‘معنا’؟ ناس تتقطع؟ ناس تموت؟ ربما التحدث مع أجانب أصلًا؟”. في النهاية أصدر بالإنجليزية أغنية I Am the Semite (أنا سامي). “لم أنَم من شدة الخوف”، يقول. “بالفعل كنتُ أنتظر أن يطرقوا بابي”.

أغانٍ أخرى بقيت في الدرج. أغانٍ توقف عن أدائها على المسرح. ومن بين كل هذه الأسئلة، يقول، جاء أيضا الجواب. 

“كانت عندي أفكار كثيرة عن دورنا نحن كفلسطينيين نعيش هنا. في النهاية وصلتُ إلى نتيجة أن دورنا ببساطة هو البقاء. البقاء هنا والصمود على هذه الأرض، لأن الناس تهاجر. إذا نظرتَ إلى ألبومي ‘دمعة قهر’، رسالته واحدة: خلينا هون. ليس فقط جسديًا، بل نفسيًا أيضًا”.

أنا أعرف جيدًا أغاني صفدي وموهبته في اللعب بالكلمات، لذلك استغربتُ قليلًا من هذا العنوان المباشر، “دمعة قهر”. لكن كلما استمعت إلى المقابلة معه، شعرت أن الكلمات أيضًا جُرِّدَت من معانيها. 

يعترف صفدي أنه مثل كثيرين آخرين، هو أيضاً فكّر في الهجرة.

“في الأشهر الثلاثة الأولى (بعد 7 أكتوبر) فكّرتُ بالهجرة. الحقائب كانت جاهزة. في كل مرة كنتُ أقول لزوجتي: يلا، يمكن بكرا. يمكن بعد بكرا. لكن في اللحظة التي قررنا فيها أننا باقون، نفسيًا أيضًا، بدأ كل شيء يتدفق. من تلك اللحظة ليس فقط الأغاني، بل أيضاً الكلام مع الناس أو البوستات والفيديوهات التي نشرتُها – كلها نبعت من هذا المزاج: أنا الفنان الفلسطيني الذي تلقى كل الإشارات للهجرة، ورغم ذلك اختار البقاء”.

جوان يعتقد أن الجمهور أيضًا يشعر بذلك.

“هذا لن يغير قرار الناس ولا الواقع. لكنه يساعد على التصالح والعيش مع القرار الحالي. من هذا المكان عدتُ للعرض، بشكل مصغر. لمشاركة الجمهور بمشاعري، التي هي في الواقع مشاعرهم، لأننا جميعًا اختبرنا هذا الشعور”.

عندما أسأله ما هو دور الفنان الفلسطيني اليوم، يجيب بالإنجليزية: “To balance or to regulate”. ثم يترجم: “ضبط مشاعر مجتمعنا هنا”.

ثم يضيف كلمة أخرى: “التوثيق”.

“أنا أكره هذه الكلمة”، أقول له. “مسحتُها من قاموسي”.

بدأتُ طريقي كفنان لأوثق ما يحدث في حيّي وأحكي عن ذلك للعالم، من شعور بالفقدان لأن النكبة لم تكن فيها كاميرات ولا أجهزة آيفون، وأنه لو أن جدي فقط التقط سيلفي عندما هُجِّر من يافا إلى عسقلان ثم من عسقلان إلى اللد، لكان العالم رأى والعدل تحقق. والآن، أمام ‘طوفان المعلومات من غزة، وأمام مئات آلاف الفيديوهات التي توثق أفظع الجرائم بجودة HD، لا شيء يحدث.

لكن صفدي يُصرّ على موقفه.

“أنت ترى بعيونك كيف يُزوَّر التاريخ، الآن تمامًا. حينها تقول لنفسك إنه في خضمّ كل هذا الجرف، لا بدّ لحقيقة أغنيتك أن تجد طريقها إلى الداخل أيضًا.. لا بدّ لها أن تثبت هناك”.

أصعّبُ عليه النقاش. “لكن ما أهمية الأغنية عندما يوثق مئات آلاف الغزيين الجرائم أمام أعيننا، وهذا أيضًا يضيع في زحام هذا الطوفان”

“لا يمكن المقارنة”، يجيب. “دورهم هناك توثيق الإبادة الجماعية. أنت، بصفتك فنانًا، توثق ما نشعر به تجاه ما يحدث. أنا أوثق المشاعر. توثيق وجداني”.

يتحدث صفدي عن التغيير الذي طرأ على عملية الكتابة.

“سابقاً كنتُ أكتب ثم أفكّر بالرقابة. اليوم أمارس الرقابة أثناء التفكير. مجرد إصدار أغنية أصبح يتضمن فكرة احتمال تعرضي للاعتقال.”

التغيير يظهر أيضا بوضوح في أسلوب العرض على المسرح. 

“أدركتُ موسيقيًّا أن زخم الآلات والضجيجلا يلائم هذه الفترة ولا يلائم أجواء الحداد؛ أردتُ التناغم مع الوجع والهدوء”.

أصغي إليه وأفهم أن شيئًا مشابهًا قد تغير عندي أيضًا. أجد نفسي أجلس أكثر على المسرح، أتحدث بهدوء، أصغي أكثر للجمهور. أجواء بيتية تمامًا.

شعرتُ أن كل مشروع حياتي قد تزعزع

بعد ذلك بأيام قليلة، عندما حضرت المسرحية الجديدة لعامر حليحل، تبين لي أن بيته أصبح هو الآخر مسرحًا: اختزاليًا، ومكشوفًا تقريبًا.

في المسرحية المونودرامية الجديدة لعامر، “أنا من هناك”، لا يدخل حليحل المسرح بموسيقى درامية ولا يطل على الجمهور من غياهب عتمة الكواليس، بل ببساطة يفتح الباب. الجمهور ينتظر في الخارج، وحليحل يستقبلهم كما يستقبل ضيوفا جاؤوا إلى بيته. ولا يبدأ إلا بعد أن يجلس الجميع في مقاعدهم. بل إن حليحل شجع أحدهم حين رن هاتفه على الرد، وقال له: “مش مشكلة، خذ راحتك، البيت بيتك”.

“هذا مرتبط بالكامل بالإبادة”، يقول. “كمّموا أفواهنا، وفهمنا أن اللعبة التي لعبناها حتى الآن لم تكن حقيقية. آمنا بشيء تبين أنه كذبة. انقلبت الطاولة على رؤوسنا”.

amer
عامر حليحل- من صفحته على فيسبوك

العودة إلى البيت، بالنسبة له، هي عودة إلى المكان الوحيد الذي بقي حقيقيًا.

“في الشارع وفي الفضاء العام أنت دائمًا تتصنع قليلًا. تضع قناعًا، تحمي نفسك. في البيت تتجرد وتعود لتكون أنت. في فترة الكورونا اكتشفنا البيت من جديد، ثم جاءت الإبادة وأعادتنا إلى البيت مرة أخرى. فجأة فهمنا أن كل ما ظننا أن بوسعنا قوله في الخارج، أصبح محظوراً”.

يصف حليحل وجود أزمة ثقة عميقة ليس فقط مع الواقع، بل مع الفن ذاته أيضا

“ظننا أننا نستطيع صراخ ما نريد على خشبة المسرح، وفي الفن، وفي الإعلام. فجأة اكتشفنا أن صوتنا لا يغير شيئًا. لا ينفع في لحظة الحقيقة. شعرتُ أن كل مشروع حياتي قد تزعزع. لماذا أقوم بما أقوم به؟ ليُصفق لي الناس؟ فأنا طوال حياتي ربطتُ فني بشعبي وبالسياسة. ثم، في لحظة الامتحان كان من المستحيل فعل ذلك. إذا كان فني سياسيًا، والآن يُخرسوننا وأنا أنخرس، شو عملنا يعني؟”

هذا الشعور غيّر أيضًا تعامله  مع عرضه الجديد.

“لم أعد أريد إنتاجًا آخر، ولا ديكورًا إضافيًا. لم أرد أن أكون جزءًا من هذه اللعبة وأن أتظاهر بأن كل شيء مستمر عادي. شعرتُ أن علي الظهور كما أنا”.

يعتقد عامر أن هذا الأمر جعل المسرحية شخصية جدًا.

“أحضرتُ الخاص إلى المسرح لأنني لم أعد أريد التمثيل بعد الآن. أي فائدة ستأتي من  شخصية أؤديها بينما أنا نفسي لم أعد أؤمن بقدرتها على التأثير؟ أردت أن يتحدث عامر الإنسان، ليس الممثل. كانت هذه حاجة أساسية عندي. لم يكن يهمني إن كنتُ سأعرض المسرحية مرة واحدة وكفى. لم أسأل نفسي كم شخصًا سيأتي. كانت هذه مسرحية نبعت مني، لأجلي. بعد ذلك اكتشفتُ أنها لأجل الجميع أيضًا. كلنا مشوشون  عاطفيًا، جميعنا فقدنا الانتماء ونحاول العثور عليه من جديد، على طرفه على الأقل. كلنا فقدنا الانتماء. في الماضي كنا نخرج إلى المظاهرات، نصرخ ونشعر أننا جزء من شيء ما. عندما أسكتونا، شعرنا بالذنب. ليس فقط وكأننا خنّا غزة، بل خنّا أنفسنا. توقّفْنا عن كَونِنا نحن. الناس وصلوا إلى ‘أنا من هناك’ بحثًا عن أنفسهم من جديد أيضًا”.

لكن “أنا من هناك” لم تولد هكذا.

عامر
اعلان عرض “أنا من هناك” لعامر حليحل

قبل الحرب، كانت المسرحيةُ في الأصل تحمل عنوان: “يقول الشاعر”.

“في الأصل كانت المسرحية مبنية أساسًا على الشعر”، يقول حليحل. “كان فيها شكسبير، وسونيتات، وشعر بالعربية، وبالإنجليزية. القصص كانت هناك فقط لتقود إلى القصيدة التالية، نوع من الربط. قصتي الشخصية بالكاد كانت موجودة. بعد الإبادة بدا كل شيء تافهاً.ما تغير، كما يقول، لم يكن النص فحسب، بل نقطة الانطلاق.

“شعرتُ أنه إذا كنتُ أريد العودة إلى المسرح، فعليّ البدء بحقيقتي. أولًا وقبل كل شيء أن أعترف: لقد فشلتُ في الامتحان. طوال حياتي كنت أقول إن فني مرتبط بشعبي، ثم جاءت لحظة لم أستطع فيها قول ما أردتُ. إذا كنتُ أريد العودة، فعليّ البدء من هناك”.

بالنسبة لعامر قصته الشخصية أيضًا أخذت معنى آخر.

“لفترات طويلة أردنا أن نبرهن للعالم العربي أن إسرائيل لم تتوغل فينا، وأننا ما زلنا 100% فلسطينيين. ملت هذه اللعبة ايضا. أنا هو أنا. أنا من هناك. وكما يوجد فلسطينيون في الشتات وفي المنفى، وفي الضفة، وفي غزة، وفي مخيمات اللاجئين – يوجد أيضًا مليونا فلسطيني ما زالوا هنا، وأنا من هنا.

شيء ما في الإبادة فصل بيننا وبين غزة، وكأن الأمر يتعلق بقصتين مختلفتين، وكنتُ أتساءل باستمرار: كيف نعيد بناء الجسور بيننا؟ كيف نقول إننا القصة ذاتها، رغم أن الفظائع هناك هي أبعد من كل ما يمكن تخيله. لو كنتُ أسرد قصة غزة فقط، لكان ذلك وكأنني أكتفي بإبداء التضامن. لذلك كان عليّ إحضار قصتي، التي تقودنا مجددًا حتى غزة، كي تعودَ القصّتان قصةً واحدة. غزة هي القصة، ولكن أيضًا ما مرّ به جدي، وما مرّ به أبي، وما مررتُ به أنا. هذا كله جزء من الطريق التي توصلني إلى المكان الذي أنا فيه اليوم”.

اللحظة التي حسمت اتجاه المسرحية كانت عندما قرأ حليحل قصيدة رفعت العرعير، الشاعر والمحاضر من غزة الذي قُتل في قصف إسرائيلي في ديسمبر 2023. قصيدة “If I must die, you must live to tell my story” (“إذا كان عليّ أن أموت، فعليك أن تعيش لكي تحكي قصتي”) أصبحت بعد موته واحدة من أكثر النصوص الفلسطينية اقتباسًا في الحرب.

“ثمة من يخبرك هنا بدقة بما عليك فعله”، يقول حليحل. “إنه يقول: ’احكوا قصتي’. أنا لا أستطيع إيقاف إبادة جماعية، لكنني قضيتُ عمري كله أحكي القصص؛ فلماذا الهروب من هذا؟ هناك من يطلب منك أن تفعل ما تجيد فعله. هذه وظيفتك في هذا العالم”.

أسأله إذا كان قد فرضَ على نفسه رقابةً ذاتية أثناء الكتابة، أم أن الرقابة كانت قد تجذّرت في داخله بعد أكثر من عامين من كم الأفواه. ربما كان هذان العامان بمثابة شرطي داخلي اقتطع منه أجزاءً كافية من حريته، حتى إنه حين شرع في الكتابة، كانت الرقابة مفهومة ضمنا.

“السنوات التي مضت منذ السابع من اكتوبر لم تتحول إلى شرطي، بل إلى سجّان”. مساحة الحرية صارت أضيق؛ وفجأة لم يعد الاحتجاج لأجل حياة حرة، بل ضد السجن نفسه. وهذا يُغيّر المعايير تمامًا؛ فالاحتجاجُ من أجل الحرية يسأل: كيف نعيش؟ أما الاحتجاجُ ضد السجن فيسألُ عن أمورٍ أكثر بدائية: متى يُفتحُ باب الزنزانة لنرى الشمس قليلا؟”

النضالُ من أجل حرية التعبير والاحتجاج، كما يرى حليحل، ليس انتحارًا فنيًا. “إذا قالوا لي: ’ألغِ مقطع غزة بكامله’، فالجوابُ لا؛ حينها ألغي المسرحية وألغي نفسي. أما إن كانت ثمة مساحات أستطيعُ أن أجد فيها نفسي دون أن أُعرّض ذاتي أو جوهر المسرحية للخطر، فواجبي أن أعثر عليها. أنا لا آتي بعقلية انتحاري، فالفكرة هي أن تستمر المسرحية”.

ولعل هنا بالذات يكمنُ الفارقُ بين الترفيه والفن: الترفيهُ امتياز وتَرَف، أما الفن فضرورة وحاجة. حتى في غزة، ورغم كل شيء، استمر الناس وما زالوا مستمرين في الإبداع؛ لا لأن ظروفهم مريحة، بل لأن الإبداعَ يُصبح أحيانًا السبيل الوحيد لنتذكر أننا بشرًا.

وحين أسألُ حليحل كيف يمكنُ أصلًا الاستمرار في الإبداع بعد إبادةٍ جماعية، يعيدُ السؤالَ إليّ: “بالذات الناسُ في غزة استمروا في إنتاج الفن. مسرحيتي بأكملها استمدت وقودها من إنسان يعيش تحت الإبادة وما زال يبدع. كيف يمكنني القول إنني لست في وضع يسمح لي بالإبداع؟ هذه رفاهية لا أملكها”.

.”I’m not privileged enough to give up” أقتبسُ جملةً لا أتذكرُ من قالها

“نعم”، يعقب حليحل، “نحن نمتلكُ امتيازاتٍ مقارنة بغزة؛ فنحن لا نعيش إبادة جسدية كما في القطاع. ولدينا امتيازات مقارنةً بالضفة، لأن بعضنا ما زال يملك حرية السفر. والفنانون الفلسطينيون ممن يحملون جوازات سفر أجنبية يمتلكون امتيازات مقارنة بنا، لأن بوسعهم التجول في العالم وقول ما نخنقه نحن في حناجرنا بأعلى صوت. ومع ذلك، نحنُ هنا لنرويَ قصتنا وقصص من خمدت أصواتهم”.

إن إعداد هذا التقرير- وهو محاولة أولى من نوعها بالنسبة لي – نبع من إحساسي بأنني بقيتُ وحدي داخل عزلي. غير أنني، بعد المحادثات مع صفدي وحليحل، خرجت أكثر ضياعًا وتشتتًا. العتمة ترتدي دائمًا ثوب الفراغ الأسود، لكنني شعرتُ أن العتمة الحالية فوضوية ومحتدمة: أشياءُ كثيرة، مشاعر فياضة، ماضٍ عريض، حاضر ثقيل – ولربما ليس ثمة مستقبل يُذكر. إن مجرد انتظار أكثر من عامين كاملين لأجري حوارًا حقيقيًا عن الخوف والشجاعة كان أمرًا يبعثُ على المرارة في نفسي؛ حوار مع أناسٍ عاشوا عتمتهم، التي هي عتمتي أيضًا.

وبعد يومين من جلد الذات، هدأتُ؛ لأنني أدركتُ أن الشعور بالذنب والانسلاخ عن الآخرين ليسا سوى طبقة أخرى من طبقات هذه العتمة. بعبارة أخرى، مجرد خروجي في هذه الرحلة الاستشفائية كان بمثابة تقشير لطبقة واحدة من الظلمة. يبدو أن لكل زمن دوره، ولنا دورنا المترتب علينا في قلب هذا الزمن.

ربما هذا هو جوهر الفن الفلسطيني هنا والآن: ليس ميكروفونًا يعد بتغيير العالم، بل باب يُفتح من الداخل. ليس مسرحًا ضخمًا، بل بيت. ليس إجابةً جاهزة، بل مكان يتّسع لنجلسَ فيه معًا في الظلام، دون أن نتظاهر بأننا لا نخاف.

وإن كان قد كُتب علينا أن نكونَ أسماكًا في حوض زجاجيّ بينما المحيط في الخارج يعصفُ ويموج، فلنتعلم على الأقلّ كيف نرى بعضُنا عبرَ الزجاج.

*نُشر النص بالأصل بالعبرية في موقع “سيحاه ميكوميت” وبالانجليزية في موقع +972. ترجمة: ماهر خليل

مقالات مختارة

Skip to content