دراسة جديدة لمركز أدفا ترسم ملامح الرحلة الشاقة التي تخوضها آلاف الشابات العربيات من الداخل لتحقيق حلم العمل في الطب والتمريض والصيدلة: من صعوبة القبول في الجامعات الإسرائيلية، إلى تكاليف الدراسة المرتفعة في الضفة الغربية، وصولًا إلى مخاوف صعوبة العثور على عمل في جهاز الصحة الإسرائيلي بعد التخرج.
“منذ كنت صغيرة كنت أعرف أنني أريد أن أكون ممرضة”. لا تتردد تالا، البالغة من العمر 24 عامًا، عندما تتحدث عن سبب اختيارها دراسة التمريض. بالنسبة لها لم يكن الأمر قرارًا طارئًا أومصادفة. كان حلمًا رافقها منذ الطفولة. والدها حاول إقناعها بدراسة الصيدلة، لأنها مهنة أكثر استقرارًا وأقل ضغطًا، لكنها تمسكت بخيارها. اليوم تدرس في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، وتتنقل يوميًا بين المحاضرات والتدريبات العملية وهي مقتنعة بأن كل ما تمر به يستحق العناء.

تالا ليست حالة فردية. ففي السنوات الأخيرة تحولت الجامعات الفلسطينية إلى محطة أكاديمية أساسية لآلاف الشابات العربيات من الداخل اللواتي يبحثن عن طريق إلى دراسة المهن الطبية والعمل فيها. بعضهن لم يتمكن من اجتياز شروط القبول المرتفعة في الجامعات الإسرائيلية، وبعضهن رفضن إضاعة سنوات إضافية في دورات البسيخومتري ومحاولات تحسين العلامات، فيما رأت أخريات في الجامعات الفلسطينية فرصة أقرب إلى البيت وأكثر انسجامًا مع الواقع الاجتماعي والعائلي الذي يعشن فيه. هذه الظاهرة تقف في مركز دراسة جديدة أعدّتها الباحثة د. نهاية عويضة في مركز أدفا، تناولت تجارب طالبات عربيات يدرسن المهن الطبية في الجامعات الفلسطينية والإسرائيلية، وكشفت عن الجوانب المختلفة لهذه الظاهرة.
أرقام تكشف حجم التحول
خلال عقد واحد فقط، شهدت الجامعات الفلسطينية قفزة كبيرة في أعداد الطلاب القادمين من المجتمع العربي. فبحسب الدراسة، ارتفع عدد هؤلاء الطلاب والطالبات من 617 طالبًا عام 2010 إلى 6887 طالبًا عام 2020، أي أكثر من أحد عشر ضعفًا خلال عشر سنوات. وتشير المعطيات إلى أن النساء يشكلن جزءًا كبيرًا من هذا النمو، خصوصًا في تخصصات الطب والصيدلة والتمريض وطب الأسنان والمهن الطبية المساندة.
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة من دون النظر إلى مكانة النساء العربيات في التعليم العالي عمومًا. فاليوم تشكل النساء نحو 69% من مجمل الطلاب العرب في مؤسسات التعليم العالي في إسرائيل، كما أن قطاعات الصحة والرفاه والخدمات الاجتماعية أصبحت من أهم مجالات عمل النساء العربيات. د. نهاية عويضة تؤكد في حديثها مع وصلة بأن المهن الصحية تحولت بالنسبة لكثير من النساء العربيات إلى واحدة من أهم بوابات الحراك الاجتماعي والاقتصادي، وإلى وسيلة للخروج من القيود التي ما زالت تحد من فرص العمل في مجالات أخرى.
لماذا الطب؟
في معظم المقابلات التي أجرتها الباحثة مع الطالبات في إطار الدراسة المذكورة، يتكرر الحديث عن الحلم والطموح الشخصي. تقول توما، طالبة الصيدلة البالغة من العمر 22 عامًا، إن والدتها كانت ترى في الصيدلة “مهنة محترمة ومناسبة للبنات”. أما تالا فتقول إنها أرادت منذ طفولتها العمل في مجال تشعر من خلاله أنها تساعد الآخرين بشكل مباشر.

“في المجتمع العربي، ما زالت المهن الطبية تحمل مكانة خاصة. الطبيب أو الصيدلانية أو الممرضة ليسوا فقط أصحاب مهنة، بل يمثلون أيضًا رمزًا للنجاح الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي. ولذلك لا تنظر الكثير من العائلات إلى دراسة الطب أو الصيدلة باعتبارها قرارًا شخصيًا فقط، بل كمشروع عائلي يستثمر فيه الجميع” تقول د. عويضة، لكن الطريق إلى هذه المهن ليس مفتوحًا أمام الجميع.
عندما يتحول البسيخومتري إلى حاجز
بالنسبة لسالي، لم تبدأ رحلة دراسة الطب في الجامعة، بل في قاعات دورات البسيخومتري. تقول إنها أمضت سنوات تحاول تحسين علامتها، بينما كانت ترى الوقت يمر من حولها. “شعرت أن حياتي كلها معلقة على امتحان واحد”، تقول. هذا الشعور يتكرر في شهادات أخرى أيضًا. فالكثير من الطالبات يتحدثن عن إحباط متراكم نتيجة شروط القبول المرتفعة لدراسة مواضيع المهن الطبية في الجامعات الإسرائيلية، سواء بسبب علامة البسيخومتري أو المقابلات الشخصية أو امتحانات الملاءمة المختلفة، مثل اختبار “مور”. ميرا، التي اختارت دراسة التمريض، تروي أنها فقدت ثقتها بمنظومة القبول بعد أن شاهدت قريبًا لها يحصل على علامة مرتفعة جدًا ثم يُرفض في المقابلات. “بدأت أشعر أن الأمر ليس علامات فقط”، تقول.

في المقابل، توفر الجامعات الفلسطينية مسارًا مختلفًا يعتمد بدرجة أكبر على نتائج البجروت والتحصيل الدراسي في المواضيع العلمية. بالنسبة للكثير من الطالبات، بدا هذا الطريق بديلا عمليا ومُتاحا لدراسة المواضيع التي يرغبون بها.
لماذا الضفة وليس الخارج؟
قد يبدو السؤال بديهيًا: إذا كانت الطالبة ستغادر بلدتها أصلًا، فلماذا لا تدرس في أوروبا أو الأردن؟ “الدراسة تظهر أن الاعتبارات العائلية تلعب دورًا حاسمًا في هذا القرار. بالنسبة لكثير من الأسر، تبقى نابلس أو جنين أو أبو ديس أقرب نفسيًا واجتماعيًا من برلين أو بودابست أو عمّان. فالبنت تبقى قريبة من المنزل، ويمكن زيارتها بسهولة، كما أن البيئة اللغوية والثقافية مألوفة أكثر”، تقول د. عويضة.
وتُظهر الدراسة أن اختيار الجامعة لا يحدد فقط مكان الدراسة، بل ينعكس أيضًا على طبيعة التجربة الأكاديمية والاجتماعية التي تعيشها الطالبات. فالطالبات اللواتي يدرسن في الجامعات الإسرائيلية تحدثن عن بيئة أكاديمية أكثر استقرارًا من الناحية التنظيمية، وفرص أكبر للتعرف إلى جهاز الصحة الإسرائيلي واكتساب اللغة العبرية المهنية المطلوبة لاحقًا في سوق العمل. في المقابل، أشارت كثيرات إلى شعور متزايد بالعزلة أو التمييز، خصوصًا بعد أحداث السابع من أكتوبر، وإلى صعوبة الاندماج الاجتماعي داخل الحرم الجامعي.
أما الطالبات في الجامعات الفلسطينية، فتحدثن عن شعور أكبر بالراحة والانتماء الثقافي واللغوي، وعن بيئة اجتماعية أكثر قربًا من هويتهن وتجربتهن اليومية. لكن هذه المزايا جاءت مصحوبة بتحديات أخرى، أبرزها الأعباء المالية المرتفعة، وصعوبات التنقل والحواجز، والقلق الأمني، إضافة إلى التخوف من فجوات اللغة العبرية المهنية عند العودة إلى العمل في إسرائيل. وبحسب الدراسة، فإن كل مسار يحمل مزايا ونواقص مختلفة، ما يجعل قرار الدراسة في الجامعة الإسرائيلية أو الفلسطينية ليس مجرد قرار أكاديمي، بل اختيارًا بين نموذجين مختلفين من التجارب التعليمية والاجتماعية والمهنية.
الدراسة في الضفة حافلة بالتحديات أيضا
لكن اختيار الجامعات الفلسطينية لا يعني اختيار الطريق الأسهل اكاديميا واجتماعيا. عندما وصلت تالا إلى جامعة النجاح، اكتشفت أن الإنجليزية ستكون أول تحدٍ حقيقي أمامها اذ تعتمد غالبية الجامعات الفلسطينية على اللغة الإنجليزية كلغة التعليم للمواضيع العلمية. “جلست في المحاضرات الأولى ولم أفهم كثيرًا مما كان يُقال”، تقول تالا. “كنت خائفة جدًا. شعرت أن الجميع يفهم وأنا لا أفهم”. وتضيف أن الأسابيع الأولى كانت صعبة إلى درجة أنها فكرت أكثر من مرة فيما إذا كانت قادرة على الاستمرار.

اللغة ليست العقبة الوحيدة. فالدراسة في المهن الطبية تتطلب ساعات طويلة من التعلم، وعددًا كبيرًا من الامتحانات والمساقات، وضغطًا أكاديميًا متواصلًا. إلى جانب ذلك، هناك العبء المالي. فتكاليف الدراسة والسكن والتنقل قد تصل إلى عشرات آلاف الشواكل سنويًا. وبحسب شهادة إحدى الطالبات في جامعة النجاح، تصل تكلفة القسط التعليمي فقط 45 ألف شيكل في السنة.
بين الحواجز والحرب
ثم جاءت الحرب لتضيف تحديات خطيرة جديدة. بيان، طالبة الصيدلة، تتذكر ليلة استيقظت فيها على أصوات الرصاص قرب سكنها في نابلس. “في البداية لم أفهم ما يحدث. كنت خائفة جدًا”، تقول. أما سالي فتصف تجربة مختلفة لكنها مرهقة بالقدر نفسه: الحواجز العسكرية. “أحيانًا كنت أخرج من البيت ولا أعرف متى سأصل إلى الجامعة”، تقول. “قد تنتظرين ساعة أو ساعتين أو أكثر لأن الحاجز مغلق”، بالنسبة لطالبات كثيرات، أصبح الانتقال إلى الجامعة جزءًا من المعركة اليومية، لا يقل صعوبة عن الامتحانات نفسها.
ماذا يحدث بعد التخرج؟
المفارقة أن نهاية الدراسة لا تعني نهاية القلق. فمايا، طالبة الطب في جامعة النجاح، تقول إن أكبر مخاوفها لا تتعلق بالامتحانات الجامعية، بل بما سيحدث بعد العودة إلى إسرائيل. “كل ما تعلمته خلال سنوات الدراسة موجود في رأسي بالإنجليزية”، تقول. “أخشى أن أجد صعوبة عندما أحتاج إلى استخدام المصطلحات نفسها بالعبرية داخل المستشفى”.
تقول د. نهاية عويضة، معدّة الدراسة في مركز أدفا: “من حيث اللغة، درست الطالبات باللغة الإنجليزية ولغتهن العبرية ضعيفة، وخلال البحث رأيت أن بعض مساقاتهن تتطلب استكمالًا. على سبيل المثال في الصيدلة، تدرس الطالبات عن أدوية غير موجودة في إسرائيل والعكس صحيح، لذا يمكن للدولة التفكير في حلول لاستكمال المواد. لماذا لا نستثمر في الطالبات الموجودات هنا في البلاد كي لا يهاجرن إلى الخارج؟ يمكن القيام بذلك خلال فترة اللقب الدراسي أو في الصيف”.
وتتحدث طالبات أخريات عن مخاوف مشابهة تتعلق بامتحانات الترخيص، أو بإمكانية الاندماج في سوق العمل، أو بنظرة بعض الجهات إلى خريجي الجامعات الفلسطينية. وهنا يظهر التناقض الذي تبرزه الدراسة: جهاز الصحة الإسرائيلي يعاني أصلًا من نقص في القوى البشرية، بينما تضطر آلاف الشابات العربيات إلى خوض رحلة طويلة ومعقدة للوصول إلى هذه المهن.
وترى الباحثة أن التعامل مع هذه الظاهرة يجب ألا يقتصر على الاعتراف بها، بل يتطلب تغييرًا في السياسات التعليمية والصحية. وتوصي الدراسة بفتح مسارات قبول أكثر ملاءمة للطلاب العرب في المهن الطبية داخل إسرائيل، وعدم الاعتماد شبه الحصري على امتحان البسيخومتري، إلى جانب إعادة النظر في آليات المقابلات الشخصية وامتحانات القبول بما يراعي الفوارق الثقافية واللغوية.
كما تدعو الدراسة إلى توفير برامج دعم لغوي وأكاديمي مبكرة في العبرية والإنجليزية، وتطوير مسارات تحضيرية لامتحانات الترخيص للخريجين العائدين من الجامعات الفلسطينية، إضافة إلى توسيع برامج المنح والمساعدات المالية للطلاب والطالبات الذين يدرسون المهن الصحية خارج إسرائيل.
وتخلص الدراسة إلى أن آلاف الطالبات العربيات اللواتي يعبرن الخط الأخضر كل عام من أجل دراسة المهن الطبية لا يمثلن مشكلة تحتاج إلى حل، بل موردًا بشريًا مهمًا يمكن أن يساهم في سد النقص المتزايد في جهاز الصحة.











