
تواجه دول الخليج مرحلة جديدة مليئة بالضغوطات الاقتصادية بعد الحرب الأخيرة مع إيران، حيث بدأت تداعيات المواجهة تظهر بوضوح في اقتصاداتها، من تراجع النشاط إلى تعثر مشاريع كبرى وارتفاع الحاجة للسيولة، وهو ما يضع هذه الدول الغنية أمام واقع مختلف، لم تعد فيه الفوائض النفطية كافية لتغطية كل التزاماتها كالسابق.
في قلب هذه الأزمة، تكبدت دول الخليج خسائر مباشرة بعد تدمير منشآت البنية التحتية للنفط والغاز بقيمة 25 مليار دولار نتيجة الضربات الإيرانية، وفق تقديرات شركة Welligence. هذه الأضرار تعني أن هذه الدول مطالبة بإعادة بناء البنية التحتية الأساسية لقطاع الطاقة، إلى جانب احتمال استثمار مبالغ إضافية تتراوح بين 30 و50 مليار دولار لإنشاء خطوط أنابيب بديلة لخطوط النقل عبر مضيق هرمز، الذي أصبح أحد أهم الأوراق في يد إيران.
تأتي هذه التكاليف في وقت كانت فيه دول مجلس التعاون الخليجي تعمل على توسيع استثماراتها العالمية. فمنذ 2021، استثمرت صناديق الثروة السيادية لهذه الدول أكثر من 430 مليار دولار، وارتفعت قيمة الأصول التي تديرها حاليًا إلى 5 تريليون دولار مقارنة بـ3 تريليون دولار قبل 5 سنوات. هذه الاستثمارات توزعت على مجالات متعددة، من الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات إلى العقارات والبنية التحتية، إضافة إلى تمويل مباشر لشركات خاصة.
وبحسب صحيفة ذي إيكونوميست، تمّ استثمار جزء كبير من هذه الاستثمارات في أصول يصعب تحويلها إلى سيولة بسرعة، فبين عامَي 2021 و2025، تم استثمار نحو 140 مليار دولار في العقارات والبنية التحتية، و80 مليار دولار في تمويل شركات بشكل مباشر، وهي استثمارات طويلة الأجل لا يمكن بيعها بسهولة في أوقات الأزمات. كما استثمرت الإمارات والسعودية مبالغ تقارب 100 مليار دولار و40 مليار دولار على التوالي في شركات ناشئة ومراكز بيانات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
في الوقت نفسه، تضطر دول الخليج إلى زيادة الإنفاق العسكري لإعادة تعبئة مخزونها من الصواريخ الاعتراضية والذخيرة بعد استهلاكها خلال الحرب، في ظل استمرار التوتر وحالة عد اليقين المتعلقة باتفاق يوقف الحرب نهائيًا. بالتوازي، تباطأت اقتصادات دول الخليج نتيجة اضطرابات في النشاط الاقتصادي خلال فترة الحرب، بما في ذلك تصدير النفط والغاز، وهو المصدر الأساسي للدخل في دول الخليج رغم محاولاتها الحثيثة تنويع مصادر دخلها. وفي هذا السياق، أعلنت دبي عن حزمة مساعدات للشركات العاملة في الإماراة، على خلفية الأضرار التي تكبدتها خلال فترة الحرب.
هذا التباطؤ انعكس على قطاعات داخلية، إذ تراجعت حركة الطيران، ما أثّر على إيرادات المطارات وشركات الطيران. كما سجّلت الفنادق الفاخرة انخفاضًا في نسب الإشغال والإيرادات منذ بداية الحرب. إلى جانب ذلك، تأثرت القطاع الصناعي في هذه الدول، فشركة Emirates Global Aluminium على سبيل المثال، وهي شركة ألمنيوم كبيرة في الإمارات، أعلنت أن إصلاح الأضرار التي لحقت بمنشآتها ومصانعها نتيجة الهجمات خلال الحرب قد يستغرق حتى عام كامل. وفي قطاع العقارات، تراجعت مبيعات الشقق السكنية والإيجارات لدى شركات مثل الدار العقارية العاملة في أبو ظبي.
كما امتدت التأثيرات إلى المشاريع الكبرى. في السعودية، تم تجميد أعمال البناء في مشروع “المكعب” في الرياض الذي تبلغ ميزانيته 50 مليار دولار. كذلك أُلغيت عقود بناء لمشاريع مثل Trojena، وهو منتجع سياحي في منطقة جبلية شمال غرب السعودية كان مخطط أن يكون منتجع تزلج في الصحراء، إضافة إلى عقود مماثلة في مشروع “ذا لاين” ضمن مدينة نيوم السعودية.
وفيما يتعلق بالاستثمارات، أفاد العديد من المصرفيين الذي تحدثوا لصحيفة ذي إيكونوميست بانسحاب مقاولين وشركات أجنبية من عدد من المشاريع في دول الخليج. في المقابل، تؤكد صناديق الثروة السيادية الخليجية استمرار استثماراتها في الخارج، مشيرةً إلى أن الإيرادات من هذه الاستثمارات أصبحت أكثر أهمية في ظل تراجع النشاط الاقتصادي داخل منطقة الخليج.










